محمود درويش والياس صنبر: نرجس وفضة

محمود درويش والياس صنبر: نرجس وفضة

16-03-2026 01:14 AM

لأنه مطلَق الوفاء لصديقه وابن بلده محمود درويش، فضلاً عن كونه الأرفع والأبرز بين مترجميه إلى اللغة الفرنسية؛ فإنّ الياس صنبر، الكاتب والمؤرخ والمفاوض وسفير فلسطين السابق في اليونسكو، لا يفوّت فرصة للاحتفاء بقصيدة الشاعر الكبير الراحل، متوسلاً في الآن ذاته الإضاءة على فلسطين، القضية والوجود والشعب والحقوق والثقافة.
وفي هذا السبيل، عشية عيد ميلاد درويش الذي يصادف 13 آذار (مارس)، استضاف مسرح الشاتليه، أحد الأعرق بين مسارح العاصمة الفرنسية باريس، عرضاً شعرياً وموسيقياً وغنائياً بعنوان «والأرض تورث كاللغة»؛ اعتمد على قصيدة درويش «مأساة النرجس ملهاة الفضة»، من مجموعة «أرى ما أريد»، 1990. وبعد فقرة من القصيدة بصوت درويش، تناوب صنبر ودومنيك دوفال على إلقاء مقاطعها التي تقع في أكثر من 400 سطر شعري، حسب الترجمة الفرنسية. المؤلف الموسيقي فرانك تورتييه، والعازفون على آلات موسيقية مختلفة ميسجا فتزجيرالد ميشيل وباتريس هيرال ومكسيم برتون، إلى جانب دوفال في إلقاء السوبرانو، كانوا شركاء في عرض أُريد له أن يكون خالياً من الديكور والأزياء، خلّاقاً تماماً في توظيف الجاز والأداء الصوتي الخام والنقر الإيقاعي، لتلمّس جوانب شتى خافية من جماليات شعر درويش عموماً، وخصوصيات هذه القصيدة تحديداً.
وإلى جانب كونها واحدة من أبهى قصائد درويش الطويلة، وبين الأشدّ إفصاحاً عن قدرات الراحل الفائقة في التعبير الملحمي غير المتجرد عن نفحات الغناء الجَمْعي والإنشاد متعدد الضمائر، وهي استطراداً في عداد عيون قصائد الشعر العربي خلال القرن العشرين بأسره؛ فإنّ «مأساة النرجس ملهاة الفضة» تندرج أيضاً في فئة خاصة تماماً من قصائد درويش: أنها بين الأشدّ صعوبة من حيث المعنى والدلالة والصياغات اللغوية واستحضار التاريخ وحشد الرموز، وهي استطراداً نموذج على كتابة عالية الطموح والتجريب، تقصد فيها درويش «مساجلة» قارئه بصدد ثنائية الوضوح والغموض في النصّ الشعري.
ففي جانب أوّل حاسم، أخضع درويش الكثير من المفردات إلى حالٍ نشطة من الجدل بين ضمائر عديدة، أبرزها المتكلم بالمفرد، ثمّ بالجمع، فضمير الغائب مفرداً وجمعاً؛ وتكرر هذا الخيار في عدد غير قليل من قصائده التي يجوز تصنيفها في باب المطوّلات، والتي كتبها خلال مراحل تجربة شعرية خصبة وغنية وحافلة وحيوية، دائمة التطوير والتحوّل. نماذجها يمكن أن تبدأ من «كتابة على ضوء بندقية»، و»يوميات جرح فلسطيني»، 1970؛ وتمرّ بـ»أحمد الزعتر»، 1977؛ وتفضي إلى «مديح الظلّ العالي» 1984؛ و»قصيدة بيروت» 1984؛ وتتواصل مع «خطبة الهندي الأحمر – ما قبل الأخيرة – أمام الرجل الأبيض» 1992؛ و»جدارية» 2000؛ ولم تنتهِ إلا برحيل الشاعر مع «لاعب النرد»، 2008.
وفي جانب ثانٍ لا يقلّ مشقة عند الشاعر وحيوية استقبالٍ من جانب القارئ، أدار درويش جدلاً حوارياً مركباً ينطوي في استراتيجية تعبيرية أولى على ضبط الموازنة القلقة بين مقادير الاقتراب أو الابتعاد من توتّر التمثيل الملحمي العالي المرتبط بالموضوعات الجَمْعية، حيث الـ «نحن» المهيمنة، وهذه تدور أساساً حول مصائر إنسانية فلسطينية أو كونية. استراتيجية التعبير الثانية هي تفريع هذه الموضوعات صوب أكثر من وجهةٍ واحدة، تتقصد إنابة ضمير الغائب الجماعي ضمن أطوار وجودٍ وأنماط عيشٍ متباينة. وفي المقابل، هنالك الإنشاد الغنائي الخفيض، الذي يجاهد لالتقاط الذات والـ»أنا»، ويمكث أقرب ما يكون إلى القطب الملحمي، في بُعد ثالث من الجدل.
لم يكن يسيراً، وبالتالي كان أقرب إلى مقارعة سلسلة معقدة من التحديات الفنية، الصوتية والإيقاعية خصوصاً، أن يجسد عرض «والأرض تورث كاللغة» القسط الأعظم من جماليات قصيدة طويلة متصلة؛ تستعيد أطوار تاريخية متشابكة، وتتقاطع في طياتها رموز روما وصور وقرطاج وطروادة وسومر ودمشق والأندلس والساحل السوري؛ كما تتباين أطوال سطورها بين قصير ومتوسط وفقرة مدوّرة، وتتنوّع تشكيلاتها الإيقاعية أسوة بأنظمة التقفية. ولعلّ أقصى الصعوبة، وكان أيضاً بعض ذرى الإبداع، تنفيذ مصاحبات موسيقية أو غنائية للفقرات الأعلى تشابكاً دلالياً وترادفاً في جملة هنا أو لازمة هناك؛ كما في هذه مثلاً:
«وكانوا يعرفون طريقَهم حتى نهايته وكانوا يحلمونْ
جاءوا من الغد نحو حاضرهم… وكانوا يعرفونْ
ما سوف يحدث للأغاني في حناجرهم… وكانوا يحلمونْ
بقرنفل المنفى الجديدِ على سياج البيت، كانوا يعرفونْ
ما سوف يحدث للصقور إذا استقرت في القصور، ويحلمونْ
بصراعِ نرجِسِهم مع الفردوس حين يصير منفاهم، وكانوا يعرفونْ
ما سوف يحدث للسنونو حين يحرقه الربيع، ويحلمونْ
بربيع هاجسهم يجيء ولا يجيء، ويعرفونْ
ما سوف يحدث حين يأتي الحلمُ من حلمٍ
ويعرف أنه قد كان يحلم،
يعرفون، ويحلمون، ويرجعون، ويحلمون، ويعرفون، ويرجِعون، ويرجعون، ويحلُمون، ويحلُمون، ويحلمون، ويرجعونْ».
وفي قصيدة تعلن سطورها: «نشيدنا حجر يحكّ الشمس فينا/ حجر يشعّ غموضَنا/ أقصى الوضوح هو الغموض»، فإنّ لقاء درويش وصنبر وسائر فريق العرض كان أبعد من سموّ الشعر في الغناء والموسيقى والإلقاء، وكان في كثير من تجلياته بمثابة نرجس هنا وفضة هناك، وبينهما حضرت فلسطين… أمّ البدايات!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد