لبنان فوق صفيح ساخن

mainThumb

14-02-2008 12:00 AM

يصادف اليوم ، الخميس 14 فبراير ـ شباط 2008 ، الذكرى الثالثة لاغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الأسبق. وعلى الرغم من أن قوى الرابع عشر من آذار كانت تتخذ دوما من إحياء هذه الذكرى مناسبة لإعادة تأكيد مواقفها المتشددة من أزمة لبنانية تبدو عميقة ومتفاقمة ، إلا أنها كانت ما تزال حتى الآن تبدو حريصة على عدم تجاوز خطوط حمراء في إدارتها لهذه الأزمة ، والعمل على تجنب كل ما من شأنه دفع الأمور في اتجاه تصعيد قد يؤدي إلى الانفلات وفقدان القدرة على السيطرة على زمام الأمور. غير أن الذكرى تحل هذه المرة في ظل سياق محلي وإقليمي ودولي يبدو مختلفا كلية ، وهو ما قد يوحي بأن تحولا نوعيا ربما يكون قد طرأ على معطيات الأزمة اللبنانية وأن العوامل الضاغطة في اتجاه دفعها نحو انفجار ، ربما يكون وشيكا ، تبدو أقوى من العوامل الدافعة لاحتوائها والسيطرة عليها تمهيدا لتسويتها.

فعلى الصعيد المحلي شكلت تصريحات أدلى بها وليد جنبلاط منذ أيام قليلة صدمة للكثيرين. ورغم ما عرف عن هذا الرجل من اندفاع وتهور ، إلا أن أحدا لم يتوقع أن يذهب وليد جنبلاط في تصريحاته المتشنجة وغير العاقلة إلى حد الترحيب بالحرب والظهور بمظهر من يسعي لتأجيجها والتعامل معها وكأنها خيار مطروح بالفعل وربما الخيار الوحيد الذي أصبح متاحا بعد أن نفد صبره من المعارضة وألاعيبها على حد قوله. وكان البعض قد فسر هذه التصريحات وكأنها جزء من خطة تشارك فيها أطراف إقليمية ودولية ، إلى جانب أطرافها المحلية المعنية ، ويجري وضع الرتوش الأخيرة لها استعدادا لمواجهة ميدانية ربما لا تتأخر لأكثر من أسابيع أو شهور قليلة. وفي سياق تلك الخطة تم رسم أدوار محددة لأطراف لبنانية معينة للعمل على تحويل ذكرى استشهاد رفيق الحريري هذه المرة إلى مناسبة للحشد والتعبئة الجماهيرية واسعة النطاق استعدادا للمواجهة القادمة.

أما على الصعيد الإقليمي فمن الواضح أن التصريحات الجنبلاطية جاءت على خلفية من أجواء شرق أوسطية مشحونة بالتوتر. ففي قطاع غزة كانت قد جرت محاولات لتشديد الحصار عليه إلى درجة تجويع سكانه ، وهو ما أدى إلى انفجار الوضع على معبر رفح وكاد يفضي إلى كارثة في العلاقات المصرية الفلسطينية. وعلى صعيد العلاقات بين سوريا والسعودية كانت قد بدأت تظهر علامات توتر جديدة بعد أن ساد الاعتقاد لفترة ، خاصة عقب الاتفاق على مبادرة الجامعة العربية لحل الأزمة اللبنانية ، أنها في طريقها للتحسن. يضاف إلى ذلك أن هذه التصريحات في أعقاب زيارة فاشلة جديدة لبيروت قد قام بها عمرو موسى ، الأمين العام لجامعة الدول العربية ، في إطار سعيه المتواصل منذ فترة لإيجاد مخرج للأزمة اللبنانية ترضى به أطرافها على قاعدة لا غالب ولا مغلوب ، وهو الفشل الذي ولد اعتقادا لدى كثيرين بأن مبادرة الجامعة العربية وصلت إلى نهايتها. بل إن شكوكا كثيرة راحت تثار حول إمكانية انعقاد القمة العربية نفسها ، وصدرت تصريحات من جانب مسئولين على أعلى المستويات تربط بين انفراج الأزمة اللبنانية وبين انعقاد القمة العربية في دمشق يفهم منها ، إيحاء على الأقل ، بأن انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية بات شرطا مسبقا لانعقادها في دمشق وإلا فإن قمة استثنائية ستعقد في شرم الشيخ،.

وعلى الصعيد الدولي ، ربط البعض بين هذه التصريحات وتحركات الرئيسين الأمريكي بوش والفرنسي ساركوزي وزيارتهما لبعض دول المنطقة والتي استهدفت تعبئة وحشد حلفائهما من القوى "المعتدلة" استعدادا لمواجهة اعتقد البعض أنها ربما تكون وشيكة مع القوى "المتطرفة" وعلى رأسها إيران. ولأنه بات واضحا لأي مراقب لتطورات الأوضاع في المنطقة أنه يستحيل التوصل إلى تسوية للأزمة اللبنانية في ظل إصرار أمريكي لعزل سوريا واستعدادات لشن الحرب على إيران ، فقد كان من الطبيعي أن يؤدي الاستقطاب الإقليمي إلى زيادة حدة الاستقطاب بين طرفي الأزمة اللبنانية بدلا من توفير الظروف الملائمة لانفراج الأزمة بينهما.

قد يكون من السابق لأوانه القطع بأن تصريحات وليد جنبلاط مؤشر على أن الأزمة اللبنانية بدأت تتخذ طريقا أو منحى تصاعديا لا رجوع عنه ، أو أنها بسبيلها للانفجار على شكل حرب أهلية. فربما تكون هذه التصريحات مجرد محاولة من جانب بعض الأطراف لدفع الأمور تكتيكيا إلى حافة الهاوية تمهيدا لتسوية اللحظة الأخيرة ، حيث تقبل الأطراف في الظروف والأحوال الاستثنائية عندما تجري محاولة لطرق الحديد وهو ساخن ما قد لا تقبله في الظروف والأحوال الاعتيادية. غير أن دفع الأمور في لبنان نحو حافة الهاوية يبدو لنا مغامرة محفوفة بالمخاطر في ظل أوضاع احتقان على الصعيدين الإقليمي والدولي. ففي أوضاع الاحتقان هذه تصبح قدرة الأطراف المعنية بخفض التوتر عن طريق التحكم والسيطرة على الآليات المؤثرة على مجريات الأحداث وزمام الأمور أقل بكثير من قدرة الأطراف التي لها مصلحة في تعقيد الأمور والحيلولة دون التوصل إلى تسوية.

وفي تقديري أنه إذا أفلت الزمام وأدى التصعيد الراهن في الأزمة اللبنانية إلى اندلاع حرب بين الأطراف المتصارعة فلن تكون الحرب هذه المرة مجرد حرب أهلية تقليدية وفق النمط الذي عرفته لبنان من قبل أو دول أخرى في المنطقة حاليا ، لكنها قد تكون مقدمة لحرب إقليمية وربما لحرب دولية واسعة النطاق. فموازين القوى الداخلية في لبنان تشير بوضوح إلى أن حزب الله هو القوة العسكرية الرئيسية ، وبالتالي لا مصلحة له على الإطلاق في الانجرار إلى حرب أهلية ، ومن ثم يتوقع أن يصبح هو الطرف الأكثر حرصا على بذل ما في وسعه لتجنب التصعيد وانفجار الوضع. وإذا صح مثل هذا الاستنتاج فليس له سوى معنى واحد وهو أن أطرافا معينة محسوبة على قوى الرابع عشر من آذار ستكون هي المتسبب والمسئول الأول والأخير عن الحرب في حال اندلاعها.

ولأنه لا يتصور عقل أن يتحرش الطرف الضعيف بالطرف الأقوى إلى درجة الدخول في صدام عسكري معه ، إلا إذا كان واثقا من وقوف قوى إقليمية و ـ أو دولية إلى جانبه ، فمن الطبيعي أن تتحول أي حرب أهلية تندلع في لبنان في ظروف كهذه إلى حرب إقليمية ثم إلى حرب دولية ، وبسرعة شديدة. إن الأزمة التي يمر بها لبنان حاليا ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة. فقد سبق لهذا البلد العربي المهم ، رغم صغر حجمه ومساحته ، أن شهد أزمات كثيرة بعضها أكثر حدة. غير أن الأزمة الحالية تبدو مختلفة عما سبقها من زاويتين على الأقل ، الأولى: درجة انخراط القوى الإقليمية والدولية فيها ، والثانية: شكل وخريطة موازين القوى المحلية السائدة في المرحلة الراهنة. فعادة ما كانت الأزمات السابقة تندلع لأسباب محلية أولا ثم تأتي القوى الإقليمية والدولية بعد ذلك محاولة استغلالها يحكم تشابك مصالحها مع الداخل اللبناني ، أما الأزمة الحالية فمن الواضح أن تطور الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية هي التي ساهمت في تفجيرها هذه المرة وليس العكس. وبينما كانت موازين القوى المحلية تتسم في الماضي بسيولة واضحة تؤدي إلى عدم اليقين وبالتالي إلى سوء التقدير ، توجد الآن قوة محلية واحدة (حزب الله) تملك مقومات الحسم المنفرد إذا ما اندلعت مواجهات عسكرية ، وهو ما قد يشكل في حد ذاته عامل ردع يمكن أن يحول دون اندلاع حرب أهلية جديدة. ومع ذلك فإن انخراط قوى دولية وإقليمية عديدة ، وبهذه الكثافة ، في الأزمة الحالية يجعل من احتمال اندلاع حرب أهلية كوسيلة لإثارة حرب إقليمية أمرا واردا جدا ولا ينبغي استبعاده.

من الطبيعي جدا أن يتفهم العقلاء قلق قوى لبنانية معينة من سلاح حزب الله ، وبعض هذا القلق مشروع بالفعل ، ومن الطبيعي أن يتفهم العقلاء أيضا ذلك المنطق القائل بضرورة احتكار الدولة وسيطرتها المنفردة على السلاح وعلى قرار الحرب والسلم ، وهو منطق مشروع لا جدال في ذلك. غير أن هذا المنطق لا يبدو مستقيما تماما في وقت غابت فيه الدولة اللبنانية وعجزت عن حماية جنوب البلاد من غزو تكرر كثيرا ، وأيضا في وقت تبدو إمكانية التوصل إلى تسوية شاملة وعادلة للصراع في الشرق الأوسط شبه مستحيلة. فالكل يدرك الآن أن محاولات محمومة تجري للتعجيل بتصفية القضية الفلسطينية ولتوطين اللاجئين الفلسطينيين حيث هم أو في سيناء والعراق. إن نزع سلاح حزب الله قبل إعادة بناء الدولة اللبنانية وتزويدها بنظام سياسي قادر على الدفاع عن أمن كل مواطنيها ، وقبل التوصل إلى تسوية سلمية وعادلة وشاملة للصراع في المنطقة لن يفيد سوى طرف واحد في نهاية المطاف وهو إسرائيل. وقد كان حزب الله وما زال حركة مقاومة لم تشهر سلاحها قط إلا في مواجهة إسرائيل ، وكان وما زال هو الحركة الوحيدة التي تمكنت من تحرير أرض عربية محتلة إسرائيليا دون شروط ، ثم صمدت وانتصرت في حرب مفتوحة مع إسرائيل استمرت ثلاثة وثلاثين يوما كاملة. ويكفي هذا سببا وحيدا يفسر في تقديري ، مثل هذا التصعيد الذي تتجه إليه الأزمة اللبنانية الحالية. فالمطلوب أمريكيا وإسرائيليا حكومة لبنانية تنفذ قراري مجلس الأمن 1559 و 1701 ، وجوهرهما نزع سلاح حزب الله. أما المطلوب ، وطنيا وقوميا ، فحكومة لبنانية تربط تنفيذ هذه القرارات بتسوية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي. وهذا هو فهمي الشخصي لطبيعة الأزمة اللبنانية والتي تجعل لبنان تقف اليوم على سطح صفيح ساخن. وأظن هذا الوضع سيستمر معنا حتى يوليو القادم على الأقل ، وحينئذ ستصبح الحرب شبه مستحيلة.

نسأل الله أن لا يتمكن المحافظون الجدد في الولايات المتحدة وفي إسرائيل من تفجير الوضع في لبنان والمنطقة قبل هذا التاريخ فلعل انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة تطلق رياح التغيير نحو إنقاذ العالم.