لبننة القرار اللبناني

mainThumb

04-01-2008 12:00 AM

القرار اللبناني, اي الذي يصدر عن مراجع لبنانية رسمية او سياسية, لم يعد لبنانيا, بل اضحى منزلا من الخارج, او موحى به, من مصادر اقليمية او دولية. من هنا مستوى الاستعصاء الذي بلغته الازمة اللبنانية, فاللبنانيون يستطيعون ان يختاروا مرشحا توافقيا لرئاسة الجمهورية ولكنهم عاجزون عن انجاز انتخابه, في انتظار الضوء الاخضر, او الاضواء الخضراء, من الخارج, واذا كانت ثمة مطالب تسبق الانتخاب ضمانا, كما يقال, لسلامة انطلاقة العهد الموعود, فان اتفاق جهابذة السياسة في لبنان من اصحاب القرار حول اي من هذه المطالب يبقى رهنا بمباركة الاوصياء في الخارج. الى ذلك لم يعد القرار لبنانيا ايضا بمعنى انه لم يعد وطنيا بل اضحى طائفيا.

هنا اضحى حل الازمة, او بالاحرى المخرج من المأزق معطلا بتناقض المواقف الخارجية في انتظار توافق القوى الدولية الفاعلة في الداخل اللبناني حول قضايا المنطقة وربما العالم. ومن هنا تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن عرقلة الحل: بين فريق الاكثرية الذي يتهم سورية وايران, وفريق المعارضة الذي يتهم امريكا ومعها اسرائيل, اجل اسرائيل التي لا يفترق موقفها عن موقف الدولة العظمى في شأن من شؤون المنطقة بما فيها لبنان.

اما الواقع فكلا الفريقين على حق, على تعارضهما, سورية ومن ورائها ايران تعرقل الحل, بدليل ان فرنسا تتوسط مع دمشق لتسهيل انجاز الاستحقاق الرئاسي في لبنان, ويأتي التأكيد على لسان وزير خارجية سورية اذ ينوه بالمساعي السورية الفرنسية المشتركة لتسهيل المخرج من الازمة وينحي بالائمة على الجانب الامريكي الاسرائيلي في عرقلة المسار.وامريكا ومعها العدو الصهيوني, تعرقل الحل, ولا ادل على ذلك من المواقف المعلنة. منها ما جاء على لسان الموفد الامريكي دايفيد ولش اذ اعلن بالفم الملآن انتصار الدولة العظمى لفريق من اللبنانيين ضد فريق اخر, وذلك اذ قال اثر زيارته غبطة البطريرك الماروني انه جاء ليعبر عن دعم امريكا للمسيحيين في لبنان, ثم اثر زيارته رئيس الحكومة اللبنانية اذ قال انه جاء ليعرب عن دعم الدولة العظمى للاكثرية النيابية فلم يبدر عنه ما ينم عن رغبة او استعداد للتوفيق بين الاطراف فكان واضحا ان مهمته اقتصرت على تصليب موقف معين في وجه موقف اخر, اي تعميق الشرخ بين اللبنانيين.

والمفارقة العجيبة ان الرئيس الامريكي جورج دبليوبوش شخصيا, فيما تدعو ادارته الى عدم التدخل في شؤون لبنان الداخلية, يجيز لنفسه ان يعلن مواقفه من مواضيع خلافية لبنانية في مؤتمر صحافي عقده في 21/12/2007 فانبرى الى اسداء النصائح التي نزلت عند فريق من اللبنانيين في منزلة التعليمات او الاوامر, فدعا فريق السلطة الى انتخاب مرشحها للرئاسة بالغالبية البسيطة وقذف بكرة العرقلة في الملعب السوري معلنا نفاد صبره حيال الرئيس الاسد. يا حبذا لو ينفد صبر الرئيس الامريكي يوما حيال اسرائيل وهي كانت ولا تزال مصدر البلاء في بؤر التوتر في المنطقة, في فلسطين كما في لبنان والعراق.

هذا مع الاقرار ان الحل لن يولد في لبنان الا بتدخل خارجي, فالحرب اللبنانية التي دامت خمسة عشر عاما بين 1975 - 1990 لم تنته الا بتدخل عربي مبارك عبر لجنة عربية تصدرتها المملكة العربية السعودية فكان نتج عنها مؤتمر الطائف بين البرلمانيين اللبنانيين الذي صدرت عنه وثيقة الوفاق الوطني والتي انهت الازمة الدامية. وفي ازمتنا الحالية لا نشهد حوارا او تواصلا بين افرقاء النزاع في انتظار من يجمعهم حول طاولة واحدة من هنا كان الترحيب بالدور الذي قامت به فرنسا وان لم يثمر والدور الذي كان مؤملا من المملكة العربية السعودية وجامعة الدول العربية والذي لم ير النور.

المطلوب لبننة القرار اللبناني. آن الاوان ان يستعيد اللبناني قراره وتاليا حقه الطبيعي في تقرير مصيره فلا يترك مصيره الوطني في مهب الريح نهبا لعصف النزاعات الاقليمية والدولية. هذا مطلب بديهي ومشروع, ولكن هل يسمح الواقع الاقليمي والدولي باحترامه في ظل توزع ولاءات اصحاب القرار في لبنان على مصادر القرار في الخارج? فهذا يدين بالولاء او الطاعة للدولة العظمى ومن حيث لا يدري لاسرائيل, وذاك يدين بالولاء لسورية وايران.

الفريق الموالي لامريكا يدين المقاومة اللبنانية على الاستعانة بسورية وايران للتزود بالسلاح والعتاد والدعم المادي. الا انه لا يدين اسرائيل, التي ما كانت المقاومة لولا عدوانها المتمادي. اذ تتزود بالسلاح والعتاد والدعم المادي والسياسي والدبلوماسي من الدولة العظمى. فهل قدرنا ان نواجه عدوا مدججا بأحدث الاسلحة وافتكها حتى الاذنين ونحن عزل, ليس في ايدينا ما ندفع به الاذى عن انفسنا? العجيب ان المقاومة اللبنانية لا تنكر التهمة الموجهة اليها ولا ترد التهمة الى نحر من يعمد الى تبرئة العدو الصهيوني ولو من حيث لا يدرك او يعي.

لا يفوتنا ان تحرير القرار اللبناني كليا من المؤثرات او الضغوط او الاملاءات الخارجية مستحيل عمليا في الوقت الحاضر نظرا لضعف بلدنا وانكشافه وسطوة القوى الخارجية وشراستها في تصميمها على ربط مصيرنا بمآل سائر قضايا المنطقة. ان ما نتوقعه ونصر عليه هو دون التحرر الكامل المرتجى الذي ندرك استحالته عمليا في الظرف الراهن. اننا نطمح الى ايجاد المعطيات التي تمكننا من التعايش مع ازمة او ازمات المنطقة وواقع الصراع الاقليمي والدولي الذي لا يبرح ساحتنا, فالتعايش مع الازمة هو دون حلها, ومن حقنا ان نطمح اليه ريثما تلقى ازمة المنطقة الحل العادل المنشود لها.

اما كيف يكون التعايش مع الازمة, اي الصمود في وجهها, فمفتاحه الوفاق الوطني, الذي يحفظ الوحدة الوطنية ووحدة القرار حيال قضايا المصير, ولن يكون ذلك الا بالحوار والتواصل وهذا ما يفتقده اللبنانيون في انتظار من يجمعهم حول طاولة مشتركة.

بئس ما نحن فيه من حال, اللبناني عاجز عن لبننة قراره بالمعنيين, فهو عاجز عن استعادة القرار الى يده من الخارج, وعاجز عن تطهيره من رجز الطائفية ليغدو جامعا.