هوة معرفية

mainThumb

25-11-2007 12:00 AM

تظهر أحداث متفرقة عديدة كم هي شاسعة وعميقة الهوّة المعرفية بين شريحة واسعة من مستخدمي شبكة الانترنت وأجهزة الرقابة والدول. وهذه الهوة التي تأخذ مسارات حادة أحياناً وطريفة في أحيان أخرى تثّبت الرأي القائل بأن القوانين في معظم الأنظمة العربية وغير الديمقراطية هي عاجزة عن الإحاطة بمتغيرات الثورة المعلوماتية.

من الأحداث التي قد تفضي إلى مثل هذا الاستنتاج المعركة الافتراضية الدائرة بين صحيفة سودانية وموقع الكتروني سوداني يبث من الخارج. فالصحيفة حملت على الموقع بشدة منتقدة قيامه بنشر آراء تشكك في الذات الإلهية وتشجع على حقوق المثليين جنسياً وهذا ما دفع بالصحيفة إلى مطالبة شرطة الانتربول بالقبض على مدير الموقع الالكتروني وجلبه من مقره في الخارج ومحاكمته في السودان. وما كان من صاحب الموقع سوى أن هدّد كل من يحاول المسّ بموقعه الالكتروني محذراً من أن موقعه «مفخخ».

طبعاً، أدلى بعض رجال الدين السودانيين بدلوهم وطالبوا «مهندسي الكومبيوتر المسلمين الصالحين» بتدمير الموقع بسرعة.
هذه القضية ينتظر أيضاً أن يناقشها البرلمان السوداني الذي قد يصدر قراراً بحجب الموقع عن المتصفح السوداني ما يعني أن المسألة لم تصل إلى خواتيمها بعد..

وليس ببعيد عن السودان قرّرت مجموعة من المدونين المصريين الناشطين تنظيم مهرجان الكتروني على غرار مهرجان القاهرة السينمائي، لكنه مخصص لأشرطة الفيديو التي ضبطت ممارسات تعذيب في بعض السجون المصرية. هؤلاء المدونون قررّوا تخصيص جائزة افتراضية ساخرة أسموها «السوط الذهبي» تمنح لأبشع اساءة يتعرض لها موقوفون وموثقة بالصور.

يظهر هذان الخبران تطور الصحافة التفاعلية في مجتمعاتنا والتي أتاحت علاقة مباشرة بين وسيلة النشر والمطلعين عليها، لكنها أيضاً تعرّض طرفي المواجهة أو المعادلة الإعلامية، أي الناشر والمتلقي، إلى احتمالات مواجهة وصدام.

المهم في الموضوع أن الدول عاجزة عن إخضاع وسائل الإعلام الالكتروني إلى القوانين، فطبيعة هذا الإعلام منفلتة من أجهزة الرقابة التقنية والقانونية والمجتمعية. وهذه القوانين تبقى عاجزة عن الإحاطة بمتغيرات الثورة المعلوماتية وبالتالي هي غالباً ما تأخذ منحى تعسفياً في التعامل مع ما تنتجه وسائل الاتصال الحديث.

فحين يسجن صحافي يعمل في صحيفة أو في تلفزيون ورغم الاعتراض عليه، لكنه أمر له حدوده وآلياته التي يمكن متابعتها والإحاطة بها على نحو مباشر. أما أن يسجن مدوّن مثلا فأمر فيه عسف مباشر.

فوفق أية قوانين يتم سجن المدونين أو حجب مواقع الكترونية؟!

إذ حين تكون وسيلة الإعلام هي شخصاً كما هو حال المدونين فمن الصعب إخضاعه لنظام واضح، خصوصا أن الصحافة الالكترونية بالمجمل هي التعبير المطلق عن حرّيات فردية أطاحت بها مجتمعاتنا!!

لا تزال قوانينا عاجزة إلى حدّ مخز عن الإحاطة بمتغيرات الحداثة والمعلوماتية وهذا له علاقة بالجهل والتشددّ من جهة وبالرغبة الجامحة في الرقابة من جهة أخرى.