الحركات الجهادية ضد نفسها

الحركات الجهادية ضد نفسها

23-07-2013 02:03 PM

أهم ما يفعله الجهاديون المسلحون، على تعدد ساحاتهم الوطنية وكثرة تنظيماتهم، وعلى تفاوت قوتهم، أنهم يعززون الوقائع الصلبة والاتجاهات القابلة لأن تسود في المجتمعات التي ينشطون فيها. وهذا في معزل عن الرأي، سلباً أو إيجاباً، في هذه الوقائع وتلك الاتجاهات الكثيرة.

لقد رأينا، في لبنان، عينة صغرى على ذلك في حالة الشيخ الصيداوي أحمد الأسير الذي أتاح لـ «حزب الله» مراكمة انتصار آخر وتثبيت واقع مفاده ترسيخ الهيمنة لسلاحه، وبالتالي تكريس «شرعيته» المفروضة بقوة الأمر الواقع. لا بل تمكن أحمد الأسير، بجميع قواه العقلية، من تمكين واقع زائف هو عادية التقاطع بين الشرعية الرسمية و «شرعية» حزب الله. لقد بات أمر كهذا يبدو عادياً لعدد أكبر من اللبنانيين!

على نطاق أوسع وأهم، دفعت الحركات الجهادية المنتشرة في شمال سورية وشرقها، والتي أحجمت قوى الثورة عن مواجهتها، في اتجاهين يصعب التقليل من صلابتهما ومن تجذرهما. فأولاً، ومن خلال إقدامها على اغتيال قادة عسكريين وتهديد آخرين في «الجيش السوري الحر»، قوت نزوع الحرب الأهلية لابتلاع الثورة وتحجيمها. وثانياً، ومن خلال صدامها العسكري بالمسلحين الأكراد في «حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي»، دفعت هذا النزوع إلى مرحلة متقدمة وُضع معها قيام دولة كردية في الشمال السوري على جدول أعمال المنطقة. وغني عن القول إن هاتين، أي الحرب الأهلية والدولة الكردية، وجهتان شعبيتان وموضوعيتان كائناً ما كان الرأي فيهما.

أما في مصر، فيتأدى عن أعمال القوى الجهادية، وهي ثفالة مصرية معطوفة على ثفالة فلسطينية وعلى ثفالة قَبَلية، تصليب النظام السياسي الجديد وتشديد قبضته العسكرية والأمنية المؤيَدة شعبياً. وهذا ما قد يسرع تبلور هذا النظام الذي لا يزال الكثير من التكهن يحف به وبطبيعته. لكن النتيجة الأخرى التي لا تقل أهمية، فمؤداها توطيد السلام المصري – الإسرائيلي الذي صاغته اتفاقيتا كامب ديفيد أواخر السبعينات. ولئن حمل هذا الخطر الجهادي الجيش الإسرائيلي على قبول العبور العسكري المصري إلى سيناء، بما يخالف الاتفاقيتين الأصليتين، فهذا إنما ينم عن مساحة الاشتراك العريض بين الجميع والجميع، لا بين المصريين والإسرائيليين فحسب، في مواجهة هذا الخطر.

فكيف أنه حتى حين لا يكون الخطر أكثر من فزاعة، يسهل على كل من يريد ذلك تحويل الفزاعة الجهادية خطراً!

واقع الحال أن ما من شيء يجمع بين هذه الحصائل المتنافرة، أي تكريس قوة «حزب الله» في لبنان وتكريس نزعة الحرب الأهلية والدولة الكردية في سورية وتكريس السلام المصري – الإسرائيلي، إلا كونها أضداداً للحركات الجهادية بدعواتها وبمصالحها المفترضة. غير أنها، وهذا قاسم مشترك آخر، أضداد تساهم تلك الحركات نفسها مساهمة نشطة في صناعتها وتغذيتها.

وهذا إنما يرقى إلى واحدة من علامات عبقريةٍ غير مسبوقة في السياسة إلا في بيئة الفِرَق العدمية التي تهجس، في آخر المطاف، بالموت والانتحار.
 

(الحياة)



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

صرف راتبين إضافيين سنوياً… خطوة إنقاذ للاقتصاد وإغاثة للمواطن

5 دول عربية ضمن قائمة الأكثر فسادا في العالم

شواغر جديدة للمعلمين .. رابط التقديم

الحكومة: سنسدد مستحقات للجامعات الحكومية بأكثر من 100 مليون دينار

وظائف ومدعوون لامتحانات الكفايات بالحكومة .. التفاصيل

كيف تحمي نفسك من التضليل وسط طوفان الأخبار والمحتوى الرقمي

مذكرة تفاهم بين الإفتاء ومركز فتوى أوزبكستان

صرف الرواتب مبكراً في هذا الموعد .. لدعم الأسر الأردنية قبيل رمضان

وظائف ومدعوون للامتحان التنافسي والمقابلات .. أسماء

بينها عربية .. دول تعلن الخميس غرة شهر رمضان

أول سيارة كهربائية من فيراري بلمسة تصميم آبل

الطوباسي يؤدي اليمين الدستورية عضوا في مجلس النواب خلفا للجراح الاثنين

أسعار الذهب تهوي محليًا .. وعيار 21 دون المائة دينار

الزراعة النيابية تناقش استيراد الحليب المجفف وتصدير الخراف ومشاريع الحراج

التعليم العالي: تحديد دوام الطلبة في رمضان من صلاحيات الجامعات