الحيرة المؤلمة حين تسود الوضع العربي

الحيرة المؤلمة حين تسود الوضع العربي

02-07-2025 01:57 AM

يقول الصحافي الأمريكي إدوارد مورّو في معرض حديثه عما قد يواجهه الصحافي أحيانا من مواقف ومراحل تلتبس فيها عنده الأمور بحدة: «أي واحد لا يكون مشوّشا هو في الحقيقة لا يفهم الموقف».
وإذا كان ما قاله هذا الصحافي الأمريكي المعروف (1908-1965) ينطبق على وضع يحتار فيه الصحافي في فهم مجريات الأحداث فيبدو عاجزا على التقاط خيوط المشهد، وبالتالي عاجزا أكثر على تنزيل ما يجري في سياق تحليل متكامل، واضح المعالم، عقلاني التسلسل، منطقي الاستنتاجات، فهو بلا جدال الوضع الذي عرفته وتعرفه منطقتنا أخيرا ومنذ عدة أشهر.
ليس الصحافي وحده من وقف محتارا منذ السابع من أكتوبر 2023 عاجزا عن فهم كثيرا مما يدور حوله بل أغلب الناس التي وجدت نفسها عاجزة على الوقوف على حقيقة ما جرى في ذلك اليوم وما أعقبه من تطورات متلاحقة مذهلة إلى يومنا هذا.
كان هناك مباشرة بعد بداية «طوفان الأقصى» هجوم إسرائيلي لا حدود لوحشيته على قطاع غزة ما زال مستمرا إلى اليوم، وما تزامن معه على الجبهة اللبنانية وانتهى بضربة قاسية لحزب الله أعادت خلط الأوراق كاملة في لبنان، وما صاحب ذلك أيضا من عمليات لجماعة «أنصار الله» في اليمن سواء في البحر الأحمر أو ضد إسرائيل، دون أن ننسى ما حدث في الأثناء من انهيار غريب لنظام بشار الأسد الدموي، وصولا في النهاية للحرب الإسرائيلية الإيرانية ودخول الولايات المتحدة على خطها سواء في ضرب المواقع النووية الإيرانية، أو العمل لاحقا على إيقافها بعد اثني عشر يوما فقط.
المشكل هنا أن الناس، وهي تتابع بشغف وتوتر كل هذه التطوّرات، المتلاحقة كانت تلوذ بالمحلّلين العسكريين والسياسيين لمعرفة خلفية ما جرى ويجري ولكنها في الغالب ظلت على ظمئها فلم تظفر بكل الإجابات الشافية للغليل، والسبب أن هؤلاء المحللين في غالبهم لا يقلّون حيرة عن الرأي العام الذي يتابعهم.

هل معنى ذلك أن كل المحلّلين السياسيين والعسكريين طوال هذه الأشهر لم يكونوا في مستوى الثقة التي وضعتها فيهم وسائل الإعلام التي استضافتهم أو الناس الذين يتابعونهم؟ طبعا لا، ولكن لا يمكن في المقابل الجزم بأن هؤلاء نجحوا في تقديم صورة كاملة وواضحة لما يجري، وهذا طبيعي في النهاية، لأن المشهد السياسي والعسكري في المنطقة والعالم كله سائل ومتحوّل باستمرار، بل وفيه الكثير من الغرائب التي لم يسبق للعالم أن تعامل معها بمثل هذه الدرجة.
وإذا ما استثنينا التحليل العسكري التي يتعامل مع معطيات ميدانية محدّدة، واضحة المعالم إجمالا رغم قسوتها، فإن التحليل السياسي أصيب بضرر كبير نتيجة أننا في نهاية المطاف لم نكن نعلم حقيقة كل ما كان يدور فما لا يقال أكبر بكثير مما يقال، وما كان يدور في الغرف المغلقة هو المحدّد في النهاية حيث إن التصريحات العلنية نجدها في الغالب بعيدة عن الواقع الحقيقي، إن لم تكن أحيانا نوعا من التلهية أو التضليل.
ما كنا نراه طوال الأشهر الماضية في المشهد الإعلامي العربي، سواء المكتوب أو السمعي البصري، هو في الغالب مجموعة آراء أو حتى تكهّنات خضعت في مجملها للقناعات المسبقة والأهواء السياسية أكثر مما خضعت لتفكيك منطقي مبني على الوقائع والمعطيات التي لا قيمة لأي تحليل دونها. لم يكن من السهل دائما أن نعثر على مقالات صحافية أم مشاركات تلفزيونية أو مساهمات مختلفة في مواقع التواصل مبنية على الحقائق الباردة وليس على ما يسمى التفكير الرغائبي الذي يعطي الأولوية لما تهواه الأنفس قبل أي شيء آخر، حتى وإن جاءت بعض الأحداث لتسفّهه أو تنسفه بالكامل.
من الظلم التعميم طبعا، فما كان الجميع من كتاب ومحللين على هذه الشاكلة لكن هذا ما طبع أغلبهم في كل الأحوال. وقد تكون حالة التشوّش التي حالت دون أن نرى المشهد كما هو، وليس كما نريد أن نراه، أن هذا المشهد بدوره لم يبد في حال فوضى واضطراب وغياب للمنطق السليم كما رأيناه طوال هذه الفترة.
من قال مثلا إننا سنكون أمام سياسة أمريكية رسمية موالية بهذه الفجاجة للعدوان الإسرائيلي على غزة وغيرها، مغرقة في التواطؤ اللئيم المخادع زمن بايدن، أو في التهريج والشعبوية الوقحة زمن ترامب؟!!
من قال إننا سنكون أمام حكومات غربية لم تعد لها في أغلبها أي علاقة بقيم الإنسانية وحتى المنطق السليم؟!! من قال إننا سنكون أمام منظومة دولية عاجزة بالكامل أن تفرض أي شيء خارج الإرادة الأمريكية؟!! ووضع رسمي عربي ضعيف ومخز إلى هذه الدرجة غير المسبوقة في التاريخ القريب؟!! وقضية فلسطينية بمثل هذه القيادة المشتتة في وضع لا يحتمل ذلك أبدا؟!! ورأي عام عربي يعاني الاستبداد والخنوع له لكنه يروم الحرية لفلسطين؟! وغير ذلك كثير.
قد نكون جميعا في حيرة، لكن ما يدرينا لعلّ هذه الحيرة هي بداية الفهم، لكنه فهم مؤلم للغاية في كل الأحوال.

كاتب وإعلامي تونسي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الحبس 6 أشهر لسيدة احتالت على أخرى بإبرة تجميل من إسرائيل

هدى العتوم تنتقد السماح باحتفالات الهالوين والتضييق على احتجاجات غزة

87 مليون يورو من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع في الأردن

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

انطلاق المؤتمر الفني الدولي الـ38 للاتحاد العربي للأسمدة بعمان الثلاثاء

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء