تسعون دقيقة مع بوتين

تسعون دقيقة مع بوتين

31-10-2026 08:52 AM

الحسابات الأوروبية خلف أبواب الدبلوماسية .. فماذا تخفي عودة الحوار مع الكرملين ؟

لم تكن الدقائق التسعون التي جمعت الرئيس الروسي " فلاديمير بوتين " بزعيمي فنلندا والنرويج مجرد مساحة زمنية عابرة في سجل الاتصالات السياسية بل بدت كأنها نافذة فُتحت في جدار أوروبي طالما ارتفعت عليه لغة القطيعة ، لتعيد طرح سؤال قديم يتجدد كلما اقتربت القارة من حافة التحولات الكبرى ، وهو : هل تستطيع أوروبا أن تتحدث مع روسيا بصوت واحد ، أم أن لكل جغرافيا في هذه القارة مخاوفها الخاصة وحساباتها التي لا تشبه حسابات الآخرين؟

ففي السابع والعشرين من أكتوبر ، حمل الاتصال الهاتفي بين الرئيس الفنلندي " ألكسندر ستوب " ورئيس الوزراء النرويجي " يوناس غار ستوره " من جهة ، والرئيس الروسي " فلاديمير بوتين " من جهة أخرى ، أكثر من دلالة سياسية ، فقد جاء في لحظة تتقاطع فيها المساعي الأمريكية لإحياء مسار التسوية في أوكرانيا مع محاولات أوروبية لاستعادة موقعها في معادلة التفاوض ، بينما كانت عواصم الشمال تنظر إلى المبادرة من زوايا مختلفة ، حيث جعلت الاتصال نفسه موضوعا للخلاف قبل أن تتضح نتائجه ، فقد كانت " الدنمارك والسويد " حاضرتين في المشهد لا عبر سماعة الهاتف بل من خلال التحفظات التي أطلقها رئيسا وزرائهما بشأن المبادرة ، وهنا انتقل الحدث من مجرد تواصل مع " الكرملين " إلى اختبار سياسي لوحدة " الشمال الأوروبي " ، وكأن المكالمة التي استمرت تسعين دقيقة كشفت عن مسافة أعمق من المسافة الجغرافية بين العواصم الأربع ، فالدبلوماسية في لحظات التوتر لا تقاس فقط بمن يجلس إلى الطاولة بل بمن يملك حق تحديد شكلها ومن يضع شروط الحوار ومن يخشى أن يتحول الصمت إلى عزلة أو أن يصبح الكلام تنازلا غير محسوب

ففنلندا والنرويج تنظران إلى روسيا من نافذة الجغرافيا المباشرة ، فالأولى تحمل ذاكرة حدود طويلة وتجربة تاريخية جعلت أمنها مرتبطا بما يحدث خلف حدودها الشرقية ، والثانية تدرك أن الجوار الروسي في الشمال ليس تفصيلا على خريطة بل عنصر دائم في حسابات الدفاع والطاقة والممرات البحرية ، ومن هذا المنظور قد يبدو التواصل المباشر محاولة لامتلاك مساحة من التأثير في الأحداث قبل أن ترسمها القوى الكبرى بعيدا عن العواصم الشمالية ، أما الدنمارك والسويد فتبدو مخاوفهما مرتبطة بمعنى آخر ، معنى أن تتحول المبادرات المنفردة إلى شقوق في جدار التنسيق الأوروبي وأن تجد موسكو أمامها أكثر من صوت وأكثر من باب وأكثر من قراءة للموقف الغربي ، فالخلاف هنا لا يختصره سؤال الحوار أو رفضه بل يمتد إلى هوية الجهة التي تتحدث باسم الأمن الأوروبي ، وإلى حدود استقلال القرار الوطني حين تتداخل المصالح داخل تحالف واحد

وفي عمق هذا المشهد تقف روسيا بوصفها الطرف الذي يدرك أن الزمن السياسي لا يتحرك دائما على إيقاع الميدان العسكري ، فالحروب لا تُحسم بالأسلحة بعينها كما أن التسويات لا تولد من الكلمات وحدها ، وبين الجبهات والموائد الدبلوماسية تتشكل مساحة رمادية تستطيع فيها الدول أن تختبر خصومها وتقيس حدود صبرهم وتعيد ترتيب أوراقها دون أن تعلن بالضرورة عن تحول جذري في مواقفها ، لذلك فإن عودة الاتصال المباشر ببوتين تطرح سؤالا يتجاوز الحرب الأوكرانية ، وهو : هل بدأت بعض العواصم الأوروبية تدرك أن العزلة الدبلوماسية مهما بدت أداة ضغط لا يمكن أن تكون بديلا دائما عن قنوات التفاوض؟ وهل تخشى أوروبا أن تستيقظ على تسوية تصوغها واشنطن وموسكو ثم تجد نفسها أمام نتائج تمس أمنها وحدودها ومستقبلها دون أن تكون شريكا كاملا في صناعتها ؟

فأوروبا التي سعت إلى بناء موقف موحد في مواجهة التداعيات الروسية تواجه اليوم امتحانا داخليا حول معنى الوحدة ذاتها ، حيث التوافق لا يعني تطابق المخاوف والتحالف لا يلغي اختلاف الحسابات ، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الاختلافات إلى مسارات دبلوماسية متوازية لا تعرف العواصم أين تلتقي وأين تفترق ، لذلك فأن بحر " البلطيق " بما يحمله من ذاكرة جغرافية واستراتيجية هو أحد المفاتيح المهمة لفهم هذا المشهد ، فالمياه التي تصل الشمال الأوروبي بروسيا لم تعد مجرد طرق للتجارة والملاحة بل أصبحت جزءا من معادلة الردع والرقابة والتنافس على النفوذ ، وفي عالم تتشابك فيه التحالفات العسكرية مع الحسابات الاقتصادية والاستخباراتية تصبح كل إشارة سياسية قابلة لأن تحمل معنى يتجاوز مضمونها المعلن ، لكن السؤال الأكثر عمقا هنا لا يتعلق بما قيل خلال التسعين دقيقة بل بما لم تستطع تلك الدقائق أن تحسمه ، وهو : هل كان الاتصال بداية طريق نحو تفاهم أوسع ، أم مجرد محاولة لفتح نافذة في جدار لا يزال قائما ؟ ، وهل يمكن للدبلوماسية أن تستعيد قدرتها على صناعة التسويات ، بينما لا تزال شروط الحرب حاضرة في حسابات الأطراف ؟

إن التاريخ لا يمنح الدول ضمانات دائمة ، ولا يحفظ التحالفات من الاختبار حين تتغير المصالح وتضيق الخيارات ، وما تكشفه هذه الواقعة هو أن أوروبا تقف أمام مرحلة تحتاج فيها إلى أكثر من وحدة الخطاب ، تحتاج إلى تحديد موقعها في عالم لم تعد فيه مراكز القرار محصورة في عاصمة واحدة ولم تعد فيه الحروب تنتهي بالضرورة حين تتوقف المدافع ، فقد تكون مكالمة بوتين مع زعيمي فنلندا والنرويج قد انتهت بعد تسعين دقيقة لكن الأسئلة التي فتحتها لا تزال معلقة فوق الشمال الأوروبي ، فبين موسكو وواشنطن والعواصم الأوروبية لا تدور معركة على حدود أوكرانيا وحدها بل على شكل النظام الأمني الذي سيولد من رحم هذه الحرب ، وعلى من سيمتلك حق كتابة شروط المرحلة المقبلة

فأن أخطر اللحظات السياسية هي تلك التي تسبق الاتفاق دائما حين تبدو الطاولات هادئة ، بينما تتحرك تحتها خرائط النفوذ وموازين القوة ، فالصمت الأوروبي اليوم لم يعد خيارا سهلا والكلام مع موسكو لم يعد خطوة بلا أثمان ، وبين الاثنين تقف القارة أمام سؤالها الأصعب ، في : كيف تحمي وحدتها دون أن تفقد قدرتها على التفاوض؟ .



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة