سوزان علي… حلت في البيت وخرجت منه بقصيدة
31-10-2026 05:52 AM
في نص وجيز ندخل بيتا، نطوف ونتلصص عليه. نرى الجدة وصورة الشاعرة في صغرها، نرى صورة أولياء صالحين ونشم رائحة الطفولة، أو بالأحرى ما تبقى من ذاكرة عائلة. إنها قصيدة بحجم كف اليد لكنها ترن في الذاكرة بعدما نطوي الصفحة.
تبدأ الشاعرة من مشهد يبدو أنه عابر، على غير أهمية من الوهلة الأولى، عندما تحكي عن جدة تربط صورة حفيدتها بخيط أبيض، ولا يبدو اللون الأبيض قد جاء عشوائيا، إنه يرمز إلى هدوء ونقاوة ومودة، ثم تعلق الجدة الصورة جنب صورة أخرى لأولياء صالحين. فهذه الجدة ليست من النوع المتعارف عليه، لم تفكر في مسامر تدق بها الحائط، بل استعانت بخيط وكفى، لم تهتم بلون البرواز ولا شكله، إنما تهمها الصورة في حد ذاتها، وما تبقى من تفاصيل فإنها لا تشغل بالها. كأنها تستعين بأولياء صالحين يحرسون الخيط، فيزيد متانة ولا تسقط الصورة، هكذا هي طقوسها من غير أن تسرف عما يدور من حولها.
في هذه القصيدة التي حملت عنوان: «عندما كنا في البيت»، وهو عنوان سبق ما قبله وما بعده وصار عنوانا لديوان الشاعرة السورية سوزان علي (الصادر عن دار التكوين للنشر والتوزيع، الشارقة)، في هذه القصيدة تهب ريح وتحرك ستارة النافذة، بينما الجدة تتثاءب في لا مبالاة. في هذا النص يبدو البيت صغيرا من قلة التفاصيل، أو لعله بيت واسع لكن الجدة غير معنية بالحيثيات، لكن جدرانه تتحول إلى كائن حي يتنفس. وعندما تصف الشاعرة أن الستارة من قطن كأنما توحي بالأحرى إلى هشاشة المكان، إلى ملمس خامر صغرها، ففي هذا الديوان لم تنحز الشاعرة إلى مراوغة اللغة، ولا إلى ابتذال، أو بحث مبالغ فيها عن مرادفات أو كلمات غير معتادة، لم تتقمص دور المتمردة على القصيدة، بل جاءت القصائد بلغة العادي، وكأنها بيانات شعرية موجزة، نشعر بأنها تلقيها شفويا، تخرج من حنجرتها قبل أن تتحول إلى نصوص مرصوفة، وكأنها تسرد حكاياتها لا تلقي شعرا يتعالى على القارئ، أتاحت حيزا في نصوصها للحكي لا مجرد لعب بالكلمات.
وعلى الرغم من قصر القصيدة الأساسية، فإن القصائد الأخرى جاءت متفاوتة في الطول والكثافة، لم تخل أحيانا من غموض عندما تتحدث عن صوت «خفيف ومسكر»، وهما نعتان لا يلتقيان، لكنهما يبوحان بتناقص الحال، أو قلة الأمان، بما يوحي أن الجو في البيت ليس بالهدوء الذي قد يخطر على بال، وما يلفت النظر في هذه القصيدة، أو في عنوان المتن بأكمله أن بدأ ﺒ«عندما كنا»، إنها قفزة نحو الماضي، صوب ما جرى وانقضى، إن الشاعرة تكتب عن زمن فات، وكأنها ترفع منذ العتبة راية صوب القارئ: إننا نخرج من الماضي. تود الإفلات مما حصل بالكتابة، لا تريد العودة إلى ما وقع، بل مداواة منه، وكأنها بصدد تأبين الماضي بهذا العنوان. هكذا تصير الصورة جلية في ذهن القارئ، إن ما سوف يُطالعه في «عندما كنا في البيت» لا يرجى منه مقارنة بالحال الحاضر، ولا أن يمضي بعينين مغمضتين صوب المقبل، بل إن الشاعرة تسعى إلى التخلص من أشياء ووقائع وصور وقعت لها في السابق، ولا خلاص لها من دون أن تصدر هذا الديوان. تتحرر بردم ما فات قبل أن توصل للقارئ دهشتها من أشياء ماضوية لكنها لا تزال عالقة في البال.
كان بوسع الشاعرة أن تفتتح الديوان من النص الذي حمل عنوان المتن بأكمله، بما يتيح للقارئ أن يطالع جانبا غير معروف من جوانبها، لكنها آثرت أن تدس القصيدة المقصودة في الداخل، بل جعلت لمن يقرأ لها ممهدات وعتبات قبل أن يصل إليها، بأن جعلت أمامه قصائد تراوح ما بين الروحاني والاجتماعي، تسرد عن الآخرين أكثر مما تسرد عن نفسها، لا يبدو عليها أنها مشغولة بما مضى (كما يوحي به العنوان) بقدر رغبتها في التخلص مما فات، لا تود أن تبوح بحالة غياب ولا أن تبادر بقليل الاشتياق إلى أشخاص أو أمكنة، ليست بصدد تدوين مرثية ولا أن تزج بقصائدها في سواد ونواح، إنها تمد قنطرة إلى القارئ بكلمات وصور شعرية، بلغة تجري في انسياب، من دون تعثر، لا تبتغي المفاجأة أو المباغتة، بل تكتب كمن يسترخي في مكانه ويستعيد ما جرى، ففي لغتها كلمات: الحياة، الروايات، أرجوحة، طائرة ورقية، ثياب، غضب، بيوت، شاي وطاولة العشاء.
في كتابة لا تستعير قناعا، بل تتجرد منه، تطلع من الصفحات لغة عارية في صورتها الأكثر شفافية، من دون مساحيق. وهناك كلمات تتكرر في أكثر من موضع، على غرار الماء أو الشاطئ، كما نلمح بين الأسطر مطرا أو نهرا، فالديوان يتحرك بين حمولة طبوغرافية وأخرى جغرافية، تتعدد فيه الأمكنة لكن الوجوه تبدو أنها في ثبات لا ترجو التغيير. عندما ندخل إلى بيت الشاعرة في البداية نظن أن هناك شيئا ينطوي على لغز وتنوي الإفصاح عليها، ثم نخرج من الديوان إلى الصفحة الأخيرة، ولا نشعر بأن هناك رموزا مغلقة أو مقاطع ملغمة قد فاتت القارئ وتعسر عليه فعلها، لا إشارات تحتمل أكثر من تأويل، لأنها كتابة بكلمات هادئة، لا ضجيج فيها، بل ضجيجها في قدرتها على استيعاب الاستثنائي بالاتكال على العادي. إن الشاعرة تطل على نفسها في مرآة وتطل على غيرها في مكان عام، أو مغلق كي تدون ما جاء في «عندما كنا في البيت»، ليست محتجزة في الماضي ولا تلعن الحاضر ولا تدعي نبوءة بالمستقبل، إنها تداوي حالها، من دون تكلف، في بساطة لا يتعسر فهمها، وهذا جوهر الشعر في حد ذاته، بأن لا يغرق في انتشال لغة غير مألوفة، بل أن يلامس المشاعر البشرية. ويجدر الذكر أن سوزان علي شاعرة من مواليد اللاذقية، درست علم النفس في دمشق ثم درست الإعلام. تعمل في الإخراج المسرحي وتقيم في برلين.
«لسا لم يجف دم أهل حمود» .. فيديو هالوين في عمّان يثير انتقادات
سوزان علي… حلت في البيت وخرجت منه بقصيدة
معنى الفوز الفلسطيني في انتخابات إسرائيل
المسألة اليهودية وشتاتها في الكنيست الجديد
هل يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استعمار بلا جيوش؟
وفد تعليمي يناقش القبول الموحد مع الأردنيين في عُمان
جريمة كنيسة القديس جاورجيوس بحمود الكرك ومسؤولية الحكومة
التأمين الشامل .. حين تضيق الحماية
ابن خلدون والعرب: هل كان مؤرخ العمران يذمّ العرب أم يحلّل شروط تكوّن الدولة وسقوطها؟
الأردن والحرب على الإرهاب ومكافحة التطرف
يوم الأغذية العالمي .. الابتكار طريق نحو الأمن الغذائي والتنمية المستدامة
الزبن يتمسك بالترشح لرئاسة مجلس النواب ويرفض إقصاء الكتل النيابية
العربي يخطف فوزا ثمينا من الوحدات ويعزز رصيده في دوري المحترفين
الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟
مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك
"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر
الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل
السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء
بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك
بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم
ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل
وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر
القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت
الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل
إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك
تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون
الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم
ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة
