جريمة كنيسة القديس جاورجيوس بحمود الكرك ومسؤولية الحكومة

جريمة كنيسة القديس جاورجيوس بحمود الكرك ومسؤولية الحكومة

31-10-2026 04:53 AM

بادئ ذي بدء، نعزي أنفسنا وأسر شهداء مجزرة كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بالكرك، هذه الجريمة التي تعجز كل لغات العالم عن وصف بشاعتها وإجرام مرتكبيها، وإن إعدامهم في مكان الجريمة غير كافٍ، فنحن هنا نعدم المجرم ونبقي على الفكر المنحرف الذي قاد إلى الجريمة موجودًا، هذا الفكر الداعشي الظلامي الذي لم نعرف أو نقرأ عن أي عمل له في الكيان الصهيوني؛ لأنه ببساطة صناعة هذا الكيان المجرم، ولكنه للأسف في بلادنا يلقى رواجًا وأتباعًا من الدهماء، رغم ضحالته وظلاميته ومخالفته لكل القيم والمبادئ الإنسانية، والأسباب كثيرة، أبرزها الهيمنة الصهيوأمريكية على المنطقة والعالم العربي تحديدًا. لذلك، وبكل أمانة، صُعقت كأي إنسان عندما سمعت بتلك الجريمة الداعشية ومدى بشاعتها ودناءة مرتكبيها، وأخذت أبحث في شبكات التواصل الاجتماعي وأستمع إلى نشرات الأخبار، لعلي أجد تكذيبًا لتلك الجريمة أو تخفيفًا من حجمها، وأنها مجرد إطلاق نار مقصود أو غير مقصود أصاب عددًا من المواطنين بجروح خفيفة، لكن للأسف لم يتحقق ذلك، مع أن المجتمع الأردني، كما كنا نعتقد، وتحديدًا القبلي منه، هو أبعد ما يكون عن الإرهاب والإجرام الذي وصل إلى هذا المستوى المنحط غير المسبوق.

قرية حمود أعرفها من خلال أصدقاء أعزاء ورفاق طريق واحد، ناهيك عن وجود من هم من خارج القرية من المواطنين، والمناسبة كانت جنازة إحدى سيدات القرية، ووجود الناس يكثر في مثل تلك الظروف، وهو ما كان، حيث استشهد وأصيب عدد من المواطنين من القرية الوديعة الهادئة أو من خارجها.

تابعنا تلك الجريمة البشعة، وأنا أرفض تسميتها بغير اسمها الحقيقي: جريمة جنائية مع كامل الترصد. وبعد وضوح الجريمة، توقعت أن تقدم الحكومة كلها استقالتها، على الأقل من ناحية أخلاقية، وأن يُستجوب وزير داخليتها ومدير الأمن العام ويُقالا قبل غيرهما، ولكن للأسف لم يحدث شيء من ذلك، بل وجدنا وزير الداخلية يتصدر وسائل الإعلام ويعلن قراراته الثورجية بمحاسبة من يدعو إلى الكراهية في المدارس، أي التركيز على المعلم والمعلمة وخطباء المساجد، وكأن الوزير قادم من كوكب آخر. والإشارة إلى المعلم وإمام الجامع خطأ؛ لأن خطب المساجد والجمعة بالذات تأتي مكتوبة، لكن ماذا عن تجاوز بعض رجال الدين للخطبة ودعائهم: اللهم عليك باليهود والنصارى، اللهم أرمل نساءهم ويتّم أطفالهم، وإلخ، ويختم: واجعلهم غنيمة بأيدي المسلمين.

وماذا، يا عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة، لو كنت مسيحيًا وتسمع مثل هذا الهراء والحقد والكراهية ممن لا يعترف بمواطنتك، فكيف سيكون عندك انتماء إلى وطن يعتبرك حملًا زائدًا أو ذميًا وليس مواطنًا؟

والداخلية وكل الأجهزة الأمنية تعرف ذلك وتسمعه، ومن يقول غير ذلك بالتأكيد هو كذاب. جريمة الكرك هزتنا جميعًا كشعب، وهزت الضمير الإنساني في كل مكان، فهل وصل الإرهاب والإجرام في وطننا إلى هذا المستوى المنحط؟ هؤلاء الإرهابيون القتلة، يا وزير الداخلية، يكفّرونك أنت وكل نظامك، والشعب في فكرهم الملوث بكل القاذورات كافر، وبجريمتهم هذه أرادوا خلق فتنة وطنية، لا سمح الله، وكل المحرمات الوطنية في عرفهم البائس وعقولهم الخاوية جائزة إذا كانت تخدم نهجهم وفكرهم الملوث والمسيء للدين قبل غيره. وهنا تتحمل وزارة الداخلية والأمن العام الكثير من المسؤولية عن تلك الجريمة، وفي الوقت نفسه يُقدَّر لهما إلقاء القبض على القتلة المجرمين بزمن قياسي، وتحديد مكان جحورهم المظلمة كعقولهم، ولكن للأسف بعد أن خسر الوطن نخبة من خيرة أبنائه من تلك القرية الوديعة ومن خارجها.

وأتساءل هنا: أحد المجرمين كان مسجونًا فيما يسمى بالإصلاح والتأهيل ما يقارب سبعة أعوام بتهمة الإرهاب، فلماذا لم تتم مراقبته بدلًا من مراقبة نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي من الوطنيين الملاحقين على أفكارهم المدنية، ويُترك مثل هذا المجرم الظلامي؟ لماذا لا يوضع تحت المراقبة والإقامة الجبرية وتُراقب سلوكياته الاجتماعية؟ سمعنا أنه كان له اتصال مع إرهابي داعشي، فأين جهاز الأمن العام من ذلك، وأين المراقبة على مثل هذا المجرم المسلوب عقله وتفكيره؟ وشقيقه الشريك في الجريمة النكراء سبق أن ارتكب حادثًا أصاب به فتاة من قرية السماكية، وقام أهلها الطيبون، بكل الكرم العربي الأصيل، بالتنازل عن حقوقهم القانونية والعشائرية، وكانت مكافأتهم ارتكاب تلك الجريمة البشعة التي هزت ضمير كل إنسان سوي، وهذا ما يثبت، والله أعلم، أن حادثة فتاة السماكية كانت مقصودة.

أما قرار وزير الداخلية بتضييق الخناق على الحركة الإسلامية، وهي أكبر الأحزاب السياسية، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها، فإن القرار لا يخدم الوطن، والتيار الإسلامي تربى وقوي أصلًا وهو في حضن النظام الأردني وجزء من سياسته، ولم نرَ هذا الاختلاف إلا بعد مأساة وادي عربة التي هي مرفوضة من أغلب الشعب الأردني وليس التيار الإسلامي فحسب.

لذلك نقول: ألم يعد في وطننا حكماء سياسيون أو رجل رشيد؟ المعلم والمسجد لا يصنعان الإرهاب، ولكن ما يصنع الإرهاب والإجرام هو الإهمال وعدم المتابعة، خاصة لبعض خطباء المساجد من دعاة الكراهية والتزمت، ويعزز ذلك، للأسف، سياسة قاصرة جعلت حياة المواطن جحيمًا لا يطاق.

والإرهاب والتكفير فكر منحرف، ومحاربته قبل حامليه يجب أن تكون الأولوية. إعدام الإرهابي وترك فكره المنحرف يصنع إرهابيين ويحول الإرهابي المجرم إلى شهيد، لذلك يجب محاربة الفكر الظلامي بالفكر المستنير للدين وصحيحه، من خلال أئمة مختصين بالدين وليس من هب ودب.

رحم الله شهداء كنيسة القديس جاورجيوس بقرية حمود الكركية وأسكنهم فسيح جناته، وهذه الجريمة خنجر غدر في خاصرة كل مواطن ومواطنة في وطننا الحبيب، كما أنها جرس إنذار شديد الخطورة يؤكد أن الوطن في خطر، طالما هناك من جعل نفسه مكان الخالق عز وجل، وأخذ يقسم الناس إلى كفار يجب قتلهم ومؤمنين أمثاله، فهؤلاء القتلة يكفّرون حتى آباءهم. وكفى استهتارًا، كفى استهتارًا، ولا عزاء للصامتين.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة