الأردن والحرب على الإرهاب ومكافحة التطرف
30-10-2026 11:07 PM
أعادت الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة القديس جورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، في الثالث والعشرين من تشرين الأول 2026، وأودت بحياة تسعة من أبناء الوطن، طرح سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الحرب التي يخوضها الأردن ضد الإرهاب: هل يكفي أن نلاحق الإرهابيين ونحبط مخططاتهم، أم أن علينا مواجهة الأفكار التي أنتجتهم ومنحتهم مبررات القتل واستباحة حياة الآخرين؟
لقد أثبت الأردن كفاءة أجهزته الأمنية والعسكرية والاستخبارية في مواجهة الإرهاب، وملاحقة عناصره، وتضييق مصادر تمويله، والحد من نشاطه. غير أن السيطرة على مظاهر التطرف لا تعني بالضرورة القضاء على جذوره؛ فالإجراءات الأمنية تستطيع ضبط السلوك الظاهر، لكنها لا تضمن تغيير القناعات الراسخة في عقول أصحابها.
فالتطرف ليس نبتة بلا جذور، بل شجرة تنمو في بيئة ملائمة، وتتغذى على الأفكار المنحرفة وسرديات رفض الآخر والشعور بالمظلومية. وتبلغ خطورتها حين يكتسب العنف غطاءً دينياً، فيتحول القتل لدى المتطرف من جريمة إلى واجب يتوهم أنه يتقرب به إلى الله.
وقد أدرك المفكر الجزائري مالك بن نبي أثر الأفكار في حياة المجتمعات، حين أوضح في كتابه (ميلاد مجتمع) أن المجتمع يستطيع إعادة بناء عالم الأشياء الذي دمرته الحروب، ما دام محتفظاً بعالم أفكاره، فقال: (أما إذا استطاع أن ينقذ أفكاره فإنه يكون قد أنقذ كل شيء).
ومن هذا المنطلق، نستطيع تفكيك التنظيمات الإرهابية ومصادرة أسلحتها واعتقال عناصرها، لكن الأفكار التي أنشأتها قد تبقى حية، تنتقل بين الأجيال وتنتظر ظروفاً مواتية للظهور من جديد. ولذلك لا بد من مواجهة الفكرة المتطرفة بمعرفة أعمق وحجة أقوى، قادرتين على تفكيك أسسها وتجريدها من مشروعيتها المزعومة.
وقد شهد الأردن عقب جريمة الكرك تحركات مهمة على المستويات العسكرية والأمنية والفكرية. فقد تمكنت الأجهزة المختصة من ملاحقة منفذي الاعتداء الثلاثة وإلقاء القبض عليهم، فيما نفذت القوات المسلحة ضربات داخل الأراضي السورية، أعلنت أنها استهدفت مجموعات إرهابية ربطتها بالاعتداء، رغم اختلاف الروايتين الأردنية والسورية بشأن نتائج تلك الضربات.
أما فكرياً، فقد حملت خطبة الجمعة في الثلاثين من تشرين الأول موقفاً مهماً حين استخدمت وصف (المواطنين المسيحيين)، وأكدت حقوقهم وشراكتهم الوطنية. وسبق ذلك تصريح لوزير الداخلية مازن الفراية، رفض فيه وصف المسيحيين الأردنيين (بالذميين)، مؤكداً أنهم مواطنون.
وهو موقف يستحق التقدير، لأنه يعيد العلاقة بين أبناء الوطن إلى مفهوم المواطنة والمساواة، بعيداً عن التصنيفات الفقهية التاريخية التي ارتبطت بظروف سياسية واجتماعية مختلفة.
وفي التاسع والعشرين من تشرين الأول، صدرت الإرادة الملكية بتعيين سمو الأمير هاشم بن الحسين مستشاراً لجلالة الملك. وأرى في تأهيل سموه العلمي في علوم القرآن والدراسات الدفاعية، وخبرته العسكرية، رصيداً مهماً يمكن الاستفادة منه في الملفات التي تتقاطع فيها المعرفة الدينية مع قضايا الأمن ومواجهة التطرف، دون أن يعني ذلك أن التعيين قد ارتبط رسمياً بمهمة محددة في هذا المجال.
وتعكس هذه التطورات تعدد أدوات المواجهة الأردنية، لكنها تضعنا أمام مسؤولية استكمالها بمشروع فكري يعالج المنابع التي يتغذى منها التطرف، بدلاً من الاكتفاء بالتصدي لنتائجه.
لقد قدم الأردن رسالة عمّان عام 2004، وأسهم في جهود دينية وفكرية لمواجهة التكفير وتعزيز الاعتدال، لكن المرحلة الراهنة تتطلب شجاعة أكبر في فتح الملفات الدينية والفقهية الحساسة، وإعادة دراسة المرويات والأحاديث النبوية وفق مناهج التحقيق العلمي، وفحص أسانيدها ومتونها ودلالاتها، ومراجعة الاجتهادات التي تشكلت في ظروف تاريخية مغايرة، ولا سيما ما يتعلق بمفاهيم التكفير والجهاد والعلاقة مع غير المسلمين.
وليست الغاية المساس بالثوابت الدينية أو اختراع أحكام جديدة، وإنما بناء فلسفة فقهية معاصرة متأصلة في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة وأصول الاجتهاد الإسلامي، تميز بين النص المقدس والفهم البشري القابل للمراجعة، وتعيد النظر في التفسيرات التي استخدمها المتطرفون لتبرير العنف وإقصاء الآخرين.
ولا شك أن هذه المراجعات ستثير جدلاً واعتراضات لدى بعض التيارات الدينية والسياسية، وربما تتعارض مع مصالح تنظيمات اعتادت توظيف الخطاب الديني لتعزيز نفوذها. ولا ينبغي أن يُستثنى من النقد العلمي خطاب جماعات الإسلام السياسي، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، أو غيرها من التنظيمات والتيارات.
لكن المسؤولية تقتضي التمييز بين المعارضة الفكرية المشروعة وبين تبرير العنف والتحريض عليه؛ فلا يجوز اتهام تيار بالتطرف لمجرد اختلافه، كما لا يجوز أن تتمتع أي فكرة أو جماعة بحصانة تحول دون مساءلتها ونقد خطابها.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل مسؤولية مكافحة الإرهاب لوزارة الداخلية أو الأجهزة الأمنية أو القوات المسلحة أو وزارة الأوقاف أو المؤسسات التعليمية وحدها. فالمواجهة تبدأ من الأسرة التي تربي أبناءها على احترام المختلفين عنهم، والمدرسة التي تعلم التفكير النقدي والتاريخ الصحيح، والجامعة التي تفتح أبواب البحث والمساءلة، ورجال الدين الذين تقع عليهم مسؤولية تصحيح المفاهيم، ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والشبابية التي ينبغي أن تواجه التحريض والكراهية وتمنع تحولهما إلى ثقافة اجتماعية.
غير أن هناك مسؤولية أرى أنها لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه، وهي مسؤولية المؤرخين والآثاريين عن إحياء التاريخ المسيحي القديم لشرق الأردن، باعتباره أحد المداخل المعرفية المهمة لمواجهة التطرف، وقد يكون أثره في تصحيح صورة الآخر أعمق من أثر بعض أشكال الوعظ الديني التقليدي.
فالمسيحية في الأردن ليست وجوداً طارئاً أو وافداً على تاريخ البلاد، وإنما جزء أصيل من تاريخها الديني والاجتماعي والحضاري. وتشهد على ذلك آثار المغطس وكنائس مادبا وأم الرصاص، وبقايا الأديرة والأسقفيات والفسيفساء والنقوش المنتشرة في أنحاء شرق الأردن، والتي توثق حضور المجتمعات المسيحية وإسهامها في تاريخ المنطقة عبر قرون طويلة.
إن إعادة كتابة التاريخ المسيحي لشرق الأردن، اعتماداً على المصادر الأصلية والنقوش والشواهد الأثرية، ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما تصحيح للوعي التاريخي الذي تستغله بعض الأفكار المتطرفة في تصوير المسيحي الأردني غريباً عن أرضه.
فحين يعرف الأردني أن المسيحية متجذرة في تاريخ بلاده، وأن أتباعها شاركوا في تشكيل حضارتها، يصبح أكثر قدرة على إدراك أن الاختلاف الديني لا يلغي الانتماء الوطني، وأن المسيحي الأردني ليس ضيفاً في وطنه، بل شريك في أرضه وتاريخه وحاضره ومستقبله.
ولهذا فإن مسؤولية المؤرخين والآثاريين يجب ألا تتوقف عند نشر الأبحاث المتخصصة، بل تمتد إلى تقديم هذا التاريخ للأردنيين من خلال المناهج الدراسية والجامعية، والبرامج الإعلامية والثقافية، والمتاحف والمواقع الأثرية. ومن الضروري أن يعرف الطالب الأردني تاريخ المسيحية في بلاده بالقدر الذي يعرف فيه سائر المراحل التاريخية التي مرت بها، دون انتقاء أو إقصاء.
ومن موقعي باحثاً متخصصاً في التاريخ القديم لشرق الأردن، أجد نفسي معنياً بهذه المسؤولية، وسأعمل خلال المرحلة المقبلة على إعداد سردية علمية خاصة بتاريخ المسيحية شرقي الأردن، تتناول نشأتها وانتشارها وتطور مؤسساتها الدينية، وشواهدها الأثرية وتحولاتها التاريخية، بالاعتماد على المصادر الأصلية والدراسات العلمية الموثقة.
وأعتبر هذا العمل جزءاً من واجبي العلمي والوطني في مواجهة التطرف؛ فالمؤرخ لا يحمل السلاح، لكنه يستطيع أن يفند بالوثيقة والنقش والشاهد الأثري سرديات الكراهية التي تنكر على الآخر جذوره التاريخية، أو تصور وجوده في وطنه حالة طارئة.
لقد أثبت الأردن قدرته على ملاحقة الإرهاب حين يتحول إلى فعل، وأظهرت التحركات الأخيرة إدراكاً لأهمية المواجهة الفكرية. لكن استكمال هذا المسار يحتاج إلى مراجعة دينية وفقهية شجاعة، وتعليم يعزز التفكير النقدي، ومعرفة تاريخية تصحح صورة الآخر، ومجتمع يدرك أن حماية وطنه من التطرف ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها.
إننا بحاجة إلى مواجهة الفكر الذي يصنع الإرهابي، لا الاكتفاء بملاحقة الإرهابي بعد أن يصنع جريمته.
فالحرب الحاسمة على الإرهاب لا تبدأ عند فوهة البندقية، بل عند الفكرة التي أقنعت صاحبها بأن من حقه توجيهها إلى صدر إنسان آخر.
الأردن والحرب على الإرهاب ومكافحة التطرف
يوم الأغذية العالمي .. الابتكار طريق نحو الأمن الغذائي والتنمية المستدامة
الزبن يتمسك بالترشح لرئاسة مجلس النواب ويرفض إقصاء الكتل النيابية
العربي يخطف فوزا ثمينا من الوحدات ويعزز رصيده في دوري المحترفين
الرمثا يفوز على البقعة في دوري المحترفين
قبل أن تتخلص منها .. أجزاء من الفواكه والخضروات قد تفيد صحتك والكوكب
تجمعات المياه في عمّان .. الأمانة تكشف الأسباب ومدة تصريفها
عبدالله دقامسة وعقيلته يهنئان عامر روحي دقامسة بخطوبة نجله سند
نقيب المطاعم يحذر من مخالفات الأسعار: وجبة بـ5 دنانير تباع بـ10
بينانس تعلق السحب 48 ساعة بعد اختراق سيبراني بقيمة 6.3 مليار دولار
الملك يفتتح الاثنين الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة
إضراب عاملين في شركة دواجن كبرى احتجاجا على تأخر رواتبهم
مجلس الامن يمدد ولاية البعثة الاممية في كولومبيا سنة كاملة
مصر توجه رسالة شديدة اللهجة للحوثيين بعد تهديدات طالت أمنها القومي
الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟
"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر
مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك
الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل
السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء
بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك
بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم
ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل
وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر
القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت
الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل
إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك
تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون
الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم
ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة