مجلس النواب بين إرادة الناخبين وهندسة المناصب
30-10-2026 12:40 AM
مع اقتراب انعقاد الدورة العادية الجديدة لمجلس النواب الأردني، تشهد أروقة المجلس حراكاً سياسياً وانتخابياً متسارعاً، تتداخل فيه طموحات النواب وتنافس الكتل الحزبية والمستقلين، استعداداً لانتخاب رئيس المجلس وأعضاء مكتبه الدائم، وتشكيل اللجان النيابية واختيار رؤسائها ومقرريها. وهو حراك يبدو في ظاهره ممارسة برلمانية اعتيادية، لكنه في جوهره يطرح سؤالاً سياسياً ودستورياً بالغ الأهمية: هل سيكون مجلس النواب سيد نفسه، وصاحب القرار الحر في اختيار قياداته، أم ستبقى هندسة المناصب والتفاهمات المسبقة أقوى من الإرادة الحرة للنواب؟
إن هذا السؤال ليس ترفاً سياسياً، ولا مجرد سجال حول أسماء المرشحين أو توزيع المواقع، بل يمس جوهر النظام البرلماني، ومكانة السلطة التشريعية، ومستقبل مشروع التحديث السياسي في الأردن. فالمجلس الذي لا يمارس استقلاليته في اختيار قياداته، يصعب عليه إقناع المواطنين بقدرته على ممارسة دوره الدستوري في التشريع والرقابة والمساءلة باستقلالية واقتدار.
لقد شهدت الحياة البرلمانية الأردنية خلال سنوات سابقة تجارب متعددة من التوافقات والترتيبات المسبقة المتعلقة بانتخابات رئاسة المجلس ومكتبه الدائم واللجان النيابية. ورغم أن التوافق السياسي بين النواب والكتل ممارسة مشروعة في الأنظمة الديمقراطية، فإن الإشكالية تبدأ عندما يتحول التوافق إلى هندسة مسبقة للنتائج، أو عندما يصبح توزيع المناصب غاية بحد ذاته، بعيداً عن معايير الكفاءة والخبرة والقدرة على القيادة والإنجاز.
ومن المشروع اليوم أن نتساءل: ماذا جنت الحياة البرلمانية من هذه الممارسات؟ وهل أسهمت في بناء مجلس أكثر استقلالاً وفاعلية؟ وهل عززت ثقة المواطنين بممثليهم؟ أم أنها ساهمت في تكريس الانطباع بأن بعض الانتخابات البرلمانية لا تعدو كونها إجراءات شكلية لإقرار تفاهمات حُسمت مسبقاً؟
إن التجارب السابقة، بما أثارته من انتقادات وتساؤلات حول آليات اختيار القيادات البرلمانية، تستدعي مراجعة جادة، لا بهدف إدانة أشخاص أو كتل، وإنما بهدف تصحيح المسار وتعزيز استقلال المؤسسة التشريعية. فالديمقراطية لا تُقاس بمجرد وجود صناديق الاقتراع، وإنما بمدى حرية الإرادة التي تقف خلفها، ونزاهة المنافسة التي تسبقها، واحترام النتائج التي تفرزها.
ولا معنى لانتخابات تُعرف نتائجها قبل أن تبدأ، ولا قيمة لتنافس تُصادر فيه حرية الاختيار، ولا مستقبل لبرلمان يُطلب منه أن يمثل إرادة الشعب إذا لم يكن قادراً على التعبير عن إرادته هو أولاً.
إن مشروع التحديث السياسي الذي أطلقه جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين يشكل فرصة تاريخية لتطوير الحياة السياسية الأردنية، والانتقال التدريجي نحو العمل الحزبي البرامجي، وتعزيز المشاركة الشعبية، وبناء مؤسسات تمثيلية أكثر فاعلية ومسؤولية. غير أن نجاح هذا المشروع لا يتحقق بالنصوص والتشريعات وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل يحتاج إلى تحول حقيقي في الثقافة السياسية والسلوك والممارسة.
فلا يجوز أن نتحدث عن تحديث سياسي في الخطاب، ثم نعيد إنتاج الممارسات التقليدية ذاتها في الواقع. ولا يستقيم أن ندعو المواطنين إلى الانخراط في الأحزاب والمشاركة في الانتخابات، بينما لا تعكس الممارسات داخل المؤسسة البرلمانية روح التنافس الديمقراطي الحر.
إن التحديث السياسي ليس مجرد قوانين جديدة وأحزاب أكثر عدداً، بل هو قبل كل شيء عقلية جديدة، وإرادة مستقلة، وثقافة مؤسسية تحترم التعددية والمنافسة والاختيار الحر.
ومن هنا، فإن انتخابات رئاسة مجلس النواب وأعضاء المكتب الدائم ورؤساء اللجان ومقرريها وأعضائها ينبغي أن تشكل نموذجاً عملياً لهذا التحول، وأن تكون مناسبة لترسيخ قواعد المنافسة الديمقراطية الشفافة، بعيداً عن أي تدخلات أو ضغوط أو إملاءات، أياً كان مصدرها.
وليس المطلوب إلغاء التفاهمات بين الكتل، فهي جزء طبيعي من العمل البرلماني، وإنما ضمان أن تنطلق هذه التفاهمات من إرادة النواب أنفسهم، وأن تقوم على برامج واضحة ومعايير موضوعية، لا على المحاصصة أو توزيع المكاسب والمواقع. كما أن اختيار رؤساء اللجان النيابية ومقرريها يجب ألا يقل أهمية عن انتخاب رئيس المجلس، فاللجان هي مطبخ العمل البرلماني الحقيقي، وفيها تُناقش التشريعات وتُمارس الرقابة وتُفحص السياسات العامة.
إن رئيس اللجنة النيابية ليس صاحب منصب تشريفي، بل قائد لفريق برلماني يفترض أن يمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على إدارة الحوار وصياغة المواقف والتوصيات. ولذلك فإن اختيار القيادات البرلمانية على أساس الكفاءة والتخصص والاستقلالية يمثل شرطاً أساسياً لتحسين الأداء المؤسسي للمجلس.
والأهم من ذلك كله أن مجلس النواب مطالب اليوم بإعادة بناء جسور الثقة مع المواطنين، وهي ثقة لا تُستعاد بالتصريحات والخطابات، وإنما بالمواقف والممارسات والإنجازات. فالمواطن الذي يُطلب منه أن يشارك في الانتخابات، وينتسب إلى الأحزاب، ويؤمن بجدوى العمل السياسي، يحتاج إلى أن يرى أمامه مؤسسة برلمانية تحترم إرادتها، وتمارس صلاحياتها بحرية، وتضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة.
فكيف نقنع الشباب بجدوى المشاركة السياسية إذا شعروا أن التنافس لا يفضي بالضرورة إلى اختيار حر؟ وكيف نرسخ الثقة بالأحزاب إذا اختُزل دورها في التفاوض على المناصب بدلاً من التنافس بالبرامج والرؤى؟ وكيف نعزز مكانة البرلمان إذا لم تكن استقلالية قراره واضحة في أبسط استحقاقاته الداخلية؟
إن استقلال مجلس النواب ليس امتيازاً يمنحه أحد، بل هو مسؤولية دستورية وسياسية يتحملها النواب أنفسهم. وهو لا يعني الصدام مع السلطات الأخرى، وإنما احترام مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، بما يحفظ لكل مؤسسة مكانتها وصلاحياتها الدستورية.
فالبرلمان القوي ليس خصماً للدولة، بل أحد أهم مصادر قوتها، والبرلمان المستقل ليس عبئاً على الاستقرار، بل ضمانة له، والبرلمان الذي يحترم إرادة أعضائه هو الأقدر على احترام إرادة المواطنين الذين انتخبوه.
ونحن على أعتاب هذا الاستحقاق البرلماني المهم، فإن الأمل معقود على أن يقدم النواب والكتل الحزبية نموذجاً مختلفاً، ينسجم مع روح التحديث السياسي وتطلعات الأردنيين، وأن تكون انتخابات رئاسة المجلس ومكتبه الدائم ولجانه انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، تتكافأ فيها الفرص، وتحترم فيها الإرادات، وتكون الكفاءة والقدرة على الإنجاز معياراً للاختيار.
فالأردن لا يحتاج إلى برلمان يكتفي بإدارة جلساته، وإنما إلى مؤسسة تشريعية قوية، تمتلك المبادرة، وتمارس الرقابة المسؤولة، وتنتج التشريعات النوعية، وتدافع عن مصالح المواطنين، وتساهم في تعزيز دولة القانون والمؤسسات.
وفي المحصلة، فإن الاختبار الحقيقي لمشروع التحديث السياسي لا يكمن فقط في عدد الأحزاب التي تصل إلى البرلمان، ولا في عدد المقاعد التي تحصل عليها، وإنما في طبيعة الممارسات السياسية التي تنتجها هذه الأحزاب، وفي مدى قدرتها على تكريس ثقافة ديمقراطية جديدة تقوم على الحرية والمسؤولية والتنافس النزيه.
إن مجلس النواب الذي نطمح إليه هو مجلس سيد نفسه، حر الإرادة، مستقل القرار، لا تُفرض عليه قياداته، ولا تُصادر خيارات أعضائه، ولا تتحول فيه الانتخابات إلى مجرد إجراء شكلي.
ولعل انتخابات الدورة المقبلة تكون بداية حقيقية لتكريس هذا النهج، وفرصة لاستعادة الثقة بالبرلمان والأحزاب والعملية الديمقراطية برمتها.
فالديمقراطية تبدأ من داخل المؤسسات قبل أن نطالب المجتمع بالإيمان بها، ومن لا يمارس الديمقراطية في بيته البرلماني، يصعب عليه أن يقنع الناس بجدواها في الوطن.
حين تقتل الدولة: من احتكار العنف المشروع إلى احتكار تبريره
آيزنكوت لا يُسقط نتنياهو، بل يُكمل مشروعَه
حصاد الأردن اليوم .. أبرز التطورات الرسمية والاقتصادية والخدمية
مجلس النواب بين إرادة الناخبين وهندسة المناصب
حركة وطنية أردنية داعمة للملك وللهوية الوطنية الأردنية: ضرورة المرحلة
الحوثيون يعلنون تنفيذ 6 عمليات عسكرية ضد أهداف في السعودية
الدفاع المدني السعودي يباشر حادث سقوط شظايا صاروخين في الرياض
النقل البري تطلق مسارا جديدا بين إربد وعمّان بأجرة 2.25 دينار
1.8مليون دينار عطاء تعبيد لبلدية إربد الكبرى
قبل طلب قرض .. المركزي الأردني يحذر من التعامل مع هذه الجهات
بسبب 6 ثوان من أغنية .. محمد رمضان يواجه دعوى قضائية
عقوبات بحق برشلونة بعد شغب جماهيره في الكلاسيكو
مستشفى السلط الجديد يجري عملية دقيقة صعبة لفتاة عمرها 18 عاما
الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟
"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر
الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل
مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك
قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل
السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء
بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك
الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا
بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم
ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل
وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر
القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت
الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل
إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك
تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون