حين تقتل الدولة: من احتكار العنف المشروع إلى احتكار تبريره

حين تقتل الدولة: من احتكار العنف المشروع إلى احتكار تبريره

30-10-2026 01:20 AM

تُروى حكاية أوردها القديس أوغسطين في كتابه مدينة الله، واستحضرها نعوم تشومسكي في كتابه قراصنة وأباطرة: الإرهاب الدولي في العالم الحقيقي، عن قرصان وقع أسيرًا في يد الإسكندر الأكبر. سأله الإسكندر مستنكرًا كيف يجرؤ على الإفساد في البحار والاعتداء على المبحرين. فأجابه القرصان بما يقلب السؤال على صاحبه: وكيف تجرؤ أنت على الإفساد في العالم بأسره والاعتداء عليه؟ ثم أردف، في معنى الحكاية، أن الفارق بينهما يكمن في حجم القوة التي يمتلكها كل منهما؛ فهو، إذ يفعل ذلك بسفينة صغيرة، يُسمّى قرصانًا، أما الإسكندر، إذ يفعله بأسطول عظيم، فيُسمّى إمبراطورًا.


لا تكمن أهمية الحكاية في إثبات التطابق بين القرصان والإمبراطور، ولا في التسوية المسبقة بين عنف الأفراد وعنف الدول، وإنما في كشف السؤال الذي يختبئ خلف الأسماء والألقاب: هل تتحدد القيمة الأخلاقية للفعل بطبيعته وآثاره ومشروعيته، أم تتغير تبعًا لهوية مرتكبه ومقدار القوة التي يمتلكها؟ وهل يكفي أن يصدر العنف عن سلطة سياسية حتى يتحول، بمجرد صدوره عنها، من جريمة محتملة إلى ضرورة أمنية، أو من اعتداء إلى عملية مشروعة، أو من قتل يستوجب المساءلة إلى فعل يُقدَّم بوصفه دفاعًا عن الدولة والنظام؟


يستحضر تشومسكي هذه الحكاية في سياق نقد ازدواجية المعايير في الخطاب الدولي بشأن الإرهاب والعنف السياسي، حيث يمكن أن تتأثر تسمية الأفعال وتقييمها بموقع الفاعل في موازين القوة. وتتيح الحكاية، في هذا السياق، مدخلًا إلى مساءلة العلاقة بين القوة واللغة والشرعية: فمن يمتلك القدرة على استخدام العنف قد يمتلك أيضًا قدرة أوسع على وصفه، وتحديد خصومه، وتقديم روايته باعتبارها الرواية الرسمية المقبولة.


ومن هنا تبدأ المشكلة التي تعالجها هذه الدراسة. فالدولة الحديثة تُقدَّم بوصفها الجهة التي تحتكر استخدام القوة المشروعة، وتُمنح سلطات واسعة لحماية المجتمع وصون النظام العام وإنفاذ القانون. غير أن هذا الاحتكار، مهما كانت ضرورته التنظيمية، لا يمنحها حصانة أخلاقية أو قانونية مطلقة، ولا يجعل كل فعل يصدر عن أجهزتها مشروعًا لمجرد أنه صدر باسمها. فاحتكار الدولة للقوة ليس تفويضًا مفتوحًا بالقتل، والقدرة على إصدار الأوامر ليست دليلًا على عدالتها، والصفة الرسمية للعملية لا تحسم وحدها الحكم على قانونيتها أو مشروعيتها.


ولا يتمثل السؤال الذي تنهض عليه الدراسة في ما إذا كانت الدولة تستخدم العنف؛ فذلك واقع تاريخي وسياسي لا يمكن فهم نشأة الدولة الحديثة ووظائفها بمعزل عنه. السؤال الأعمق هو: متى يكون استخدام الدولة للقوة مشروعًا، ومتى يتحول إلى اعتداء أو قتل تعسفي؟ ومن يملك سلطة التمييز بين الحالتين، وما الضمانات التي تمنع السلطة من أن تكون الخصم والحَكَم في آن واحد؟


تزداد أهمية هذا السؤال لأن الدولة لا تمارس القوة المادية وحدها، بل تشارك أيضًا في إنتاج اللغة التي يُفهم بها فعل القوة. فقد يُقدَّم القتل باعتباره دفاعًا عن النفس، أو إنفاذًا للقانون، أو حماية للأمن القومي، أو ضرورة استثنائية؛ وقد تُستخدم أوصاف مثل «الإرهابي» و«المجرم» و«العدو» لتحديد كيفية النظر إلى الفاعل والضحية. لكن هذه الأوصاف لا يجوز أن تحل محل فحص الوقائع والأدلة، ولا أن تعفي الفاعل من إثبات الضرورة والتناسب واحترام القواعد القانونية ذات الصلة. فالتبرير الرسمي ادعاء يحتاج إلى اختبار، وليس حكمًا نهائيًا يصدر عن السلطة في شأن أفعالها.


ولا تعني هذه المساءلة أن كل قتل ترتكبه الدولة جريمة، أو أن القوة التي تستخدمها في مواجهة اعتداء مسلح تعادل تلقائيًا عنف الجماعات والأفراد. فالقانون يميز بين حالات متعددة، منها استخدام القوة لإنفاذ القانون، والدفاع عن النفس، والعمليات التي تقع في سياق النزاعات المسلحة، ولكل حالة قواعدها وقيودها. لكن وجود هذه الفروق لا يبرر افتراض مشروعية فعل الدولة سلفًا؛ بل يجعل التدقيق في شروط استخدام القوة، والضرورة والتناسب، وحماية الحق في الحياة، واستقلال التحقيق والمساءلة، أكثر إلحاحًا.


وعليه، تسعى الدراسة إلى تفكيك العلاقة بين احتكار الدولة للعنف واحتكارها المحتمل لتبريره، من خلال الجمع بين فلسفة السلطة والأخلاق السياسية والقانون. وتنطلق من فرضية قابلة للفحص مفادها أن امتلاك الدولة للقوة القانونية والمؤسسية قد يمنحها قدرة واسعة على صياغة الرواية العامة لأفعالها، وتحديد الأوصاف التي تُلصق بالضحايا والفاعلين، وتوسيع نطاق المقبول سياسيًا من خلال خطاب الأمن والضرورة والاستثناء. ولا تفترض الدراسة أن هذه القدرة تؤدي دائمًا إلى التبرير الزائف أو الإفلات من المساءلة؛ بل تبحث في الشروط التي تجعلها أداة مشروعة لحماية المجتمع، أو تحولها إلى وسيلة لحجب المسؤولية وتطبيع العنف.


إشكالية الدراسة
تتمثل الإشكالية المركزية في التوتر بين احتكار الدولة للقوة بوصفه شرطًا من شروط النظام السياسي، وبين احتمال تحول هذا الاحتكار إلى امتياز في تعريف العنف وتبريره، بحيث يصبح الفعل قابلًا للقبول العام بسبب هوية فاعله، لا بسبب استيفائه الشروط الأخلاقية والقانونية اللازمة.
وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة عدة:
1. ما الأساس الفلسفي والقانوني لاحتكار الدولة استخدام القوة؟
2. هل تنشأ مشروعية العنف من الصفة الرسمية للفاعل، أم من استيفاء الفعل شروطًا محددة؟
3. كيف تسهم اللغة السياسية والخطابات الأمنية في تبرير القتل أو نزع الصفة الإنسانية عن الضحايا؟
4. ما أثر حالة الاستثناء في توسيع صلاحيات الدولة وتقليص الضمانات المقررة لحماية الحق في الحياة؟
5. ما المعايير التي يمكن اعتمادها للتمييز بين الاستخدام المشروع للقوة والقتل التعسفي؟
6. كيف يمكن الحد من ازدواجية المعايير من خلال استقلال القضاء والتحقيق والرقابة العامة؟


فرضيات الدراسة
تنطلق الدراسة من أربع فرضيات رئيسية:
الفرضية الأولى: إن احتكار الدولة للقوة لا يؤدي، في ذاته، إلى مشروعية كل استخدام لها؛ فالمشروعية تتوقف على طبيعة الفعل وسياقه والقيود القانونية والأخلاقية المنظمة له.
الفرضية الثانية: كلما تركزت سلطة استخدام القوة وسلطة تفسيرها وتقييمها داخل المؤسسات نفسها، ازدادت مخاطر تضارب المصالح وتراجع المساءلة، ما لم توجد رقابة مستقلة وفعالة.
الفرضية الثالثة: تؤثر اللغة السياسية والأمنية في تشكيل الإدراك العام للعنف، وقد تسهم في تبريره أو تطبيعه، لكنها لا تغير بذاتها الحكم القانوني على الفعل.
الفرضية الرابعة: تمثل الضرورة والتناسب والتحقيق المستقل والشفافية والمساءلة شروطًا أساسية للحد من تحول احتكار القوة إلى امتياز في تبرير القتل.


أهمية الدراسة وأهدافها
تنبع أهمية الدراسة من تجاوزها السؤال الثنائي المبسط: هل الدولة عنيفة أم لا؟ إلى سؤال أكثر دقة: كيف تُمارَس القوة، وبأي شروط، ومن يراقبها، ومن يمتلك سلطة تفسيرها؟ وتكمن أهميتها أيضًا في الربط بين البنية المؤسسية للعنف واللغة التي تمنحه معناه السياسي والقانوني.
وتهدف إلى:
● توضيح الفروق بين احتكار القوة وشرعنة كل استخدام لها.
● تحليل العلاقة بين السلطة السياسية والتصنيف الأخلاقي والقانوني للعنف.
● اختبار قدرة المفاهيم الفلسفية على تفسير التوتر بين الأمن والحرية.
● صياغة مفهوم تحليلي أولي يساعد في دراسة آليات تبرير القتل.
● تحديد الضمانات القانونية والمؤسسية التي تحد من التعسف والإفلات من المساءلة.


ثانيًا: الإطار المفاهيمي — هل يختلف القتل باختلاف هوية القاتل؟
1. القتل بوصفه فعلًا، والقتل بوصفه حكمًا قانونيًا
من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات عند تحليل القتل السياسي.
المستوى الأول هو المستوى الواقعي: ما الذي حدث؟ ومن استخدم القوة؟ وما النتائج التي ترتبت على ذلك؟ يتطلب هذا المستوى التحقق من الوقائع والأدلة، وتحديد دور الفاعلين، والتمييز بين الروايات المتعارضة.
والمستوى الثاني هو المستوى القانوني: كيف يُصنَّف الفعل في ضوء القواعد الواجبة التطبيق؟ فليس كل إزهاق للروح جريمة بالمعنى القانوني ذاته، كما أن صدور الفعل عن جهة رسمية لا يستبعد احتمال عدم مشروعيته. ويتطلب التكييف القانوني تحديد السياق والاختصاص والقواعد ذات الصلة.
أما المستوى الثالث فهو المستوى الأخلاقي والسياسي: هل كان الفعل مبررًا؟ وهل احترم كرامة الإنسان وحقوقه؟ وهل كان ممكنًا تحقيق الغرض المشروع بوسيلة أقل ضررًا؟ وهل خضعت القوة المستخدمة للرقابة والمساءلة؟


إن الخلط بين هذه المستويات يؤدي إلى استنتاجات غير سليمة. فقد يُستخدم وصف رسمي مثل «عملية أمنية» وكأنه إثبات لشرعية الفعل، مع أن هذا الوصف لا يثبت وحده توافر شروط المشروعية. وقد يُدان فعل سياسي أخلاقيًا من دون أن يكون ذلك بديلًا عن التحقيق اللازم لتحديد المسؤولية القانونية.


كذلك ينبغي التمييز بين تفسير الفعل وتبريره. فتفسير استخدام القوة بالخوف أو الضرورة أو الظروف الاستثنائية لا يعني بالضرورة تبريره. وقد تساعد الظروف في فهم دوافع الفاعل، لكنها لا تلغي تلقا

ئيًا مسؤولياته أو القيود القانونية المفروضة عليه.
2. الشرعية القانونية والمشروعية الأخلاقية
قد يصدر فعل عن مؤسسة مخولة قانونًا، لكن ذلك لا يعني أن كل تفصيل فيه مشروع. فالاختصاص المؤسسي يجيب عن سؤال: من يملك صلاحية اتخاذ القرار؟ أما مشروعية القرار فتتطلب الإجابة عن أسئلة إضافية: هل استند إلى أساس قانوني صحيح؟ هل احترم الحقوق الأساسية؟ هل استوفى شروط الضرورة والتناسب؟ وهل أمكن الطعن فيه أو التحقيق بشأنه؟
ولا يعني ذلك أن الحكم الأخلاقي يستطيع أن يحل محل القانون أو أن كل خلاف أخلاقي يثبت وقوع جريمة. إنما المقصود أن الصفة القانونية الشكلية ليست وحدها كافية لإغلاق النقاش الأخلاقي والسياسي، كما أن الاعتراض الأخلاقي لا يغني عن إثبات الوقائع والعناصر القانونية للجريمة.
ومن ثم، فإن السؤال «هل يصبح القتل فضيلة إذا ارتكبته الدولة؟» لا يُجاب عنه بإطلاق حكم واحد على جميع الحالات، بل بتفكيك العلاقة بين هوية الفاعل وطبيعة الفعل والقواعد التي تحكمه. قد يكون استخدام القوة مشروعًا في ظروف محددة، وقد يصبح في ظروف أخرى تعسفيًا أو مجرمًا. الذي يحدد ذلك ليس مجرد انتماء الفاعل إلى الدولة، بل مدى انطباق القواعد والقيود القانونية والأخلاقية.


3. من احتكار العنف إلى احتكار التبرير
يمكن التمييز تحليليًا بين نوعين من الاحتكار.
الأول هو احتكار استخدام القوة، وهو ما يرتبط بتصور الدولة الحديثة باعتبارها الجهة التي تدعي حق استخدام القوة المادية المشروعة داخل إقليمها ضمن نظام قانوني ومؤسسي.
أما الثاني فهو احتكار تبرير القوة، ويشير إلى وضع تصبح فيه الدولة صاحبة التأثير الأكبر في تعريف أفعالها، وتحديد طبيعة خصومها، وصياغة الرواية العامة لما حدث، مع ضعف إمكانات التحقق المستقل أو مساءلة الرواية الرسمية.
ولا يعني المفهوم الثاني أن الدولة تحتكر التفسير احتكارًا كاملًا في كل المجتمعات؛ فوسائل الإعلام المستقلة، والقضاء، ومنظمات حقوق الإنسان، والبرلمانات، والمجتمع المدني، والهيئات الدولية قد تنازع الرواية الرسمية وتكشف تناقضاتها. لذلك يُستخدم المفهوم هنا بوصفه أداة تحليلية لفحص اختلال ميزان القدرة على التفسير، لا وصفًا ثابتًا لجميع الدول.
ويصبح هذا الاختلال أكثر خطورة عندما تجتمع في جهة واحدة سلطة استخدام القوة، وسلطة جمع الأدلة، وسلطة تحديد المعلومات التي تُتاح للجمهور، والقدرة على التأثير في التحقيق أو المحاسبة. ففي هذه الحالة لا تكون المشكلة في وجود رواية رسمية، بل في غياب الوسائل المستقلة القادرة على اختبارها.


ثالثًا: الدولة واحتكار القوة — من فيبر إلى هوبز ولوك
1. ماكس فيبر: الاحتكار لا يعني العصمة
في محاضرته الشهيرة «السياسة بوصفها حرفة»، عرّف ماكس فيبر الدولة الحديثة من خلال مطالبتها الناجحة باحتكار الاستخدام المشروع للعنف المادي داخل إقليم معين. ويُفهم هذا التعريف باعتباره وصفًا لسمة مميزة للدولة الحديثة، لا حكمًا أخلاقيًا يمنحها شرعية مطلقة في كل ما تفعله.
ففيبر يتحدث عن مطالبة الدولة بالاحتكار المشروع، وليس عن كون كل فعل يصدر عنها مشروعًا بالضرورة. وهذا التمييز أساسي؛ إذ لا يصح الانتقال من القول إن الدولة هي الجهة التي تنظّم استخدام القوة إلى القول إن استخدام القوة يصبح مشروعًا بمجرد صدوره عنها.
كما أن التعريف الفيبري يفتح بابًا للسؤال عن مصادر الاعتقاد بشرعية السلطة: كيف يقبل الناس حق المؤسسات في إصدار الأوامر؟ وكيف يتحول هذا الاعتقاد إلى امتثال؟ وما حدود الامتثال حين تتعارض الأوامر مع القانون أو مع مبادئ أخلاقية أساسية؟
إن استحضار فيبر لا يبرر العنف، بل يساعد على فهم البنية التي تجعل الدولة قادرة على ممارسته. وتبقى مشروعية الاستخدام الفعلي للقوة مسألة تحتاج إلى تحليل مستقل.


2. توماس هوبز: الأمن ضرورة، لكنه ليس جوابًا عن كل شيء
ينطلق توماس هوبز في كتابه اللفياثان من تصور يرى أن غياب سلطة عامة قادرة على فرض قواعد مشتركة قد يقود إلى انعدام الأمن وتفاقم الصراع. ومن هذا المنطلق، تصبح السلطة السياسية ضرورة لحماية الحياة وإقامة النظام.
غير أن الاستناد إلى هوبز لتبرير أي استخدام للقوة يختزل فلسفته في نتيجة لا تبررها مقدماتها. فالحاجة إلى سلطة قادرة على منع العنف الأهلي لا تعني أن كل عنف تمارسه تلك السلطة يخدم الأمن، أو أن كل إجراء تصفه بأنه ضروري يصبح كذلك.
وهنا يظهر التوتر بين الأمن بوصفه غاية للدولة، وبين تحول الأمن نفسه إلى مبرر مفتوح لتوسيع صلاحياتها. فإذا كان الغرض من السلطة هو حماية الحياة، فإن استخدام القوة على نحو تعسفي قد يقوض الغاية التي يُفترض أن السلطة أُنشئت من أجلها.
والسؤال الحاسم ليس ما إذا كان الأمن مهمًا، بل كيف يُعرَّف، ومن يحدد تهديداته، وما الحدود التي لا يجوز تجاوزها باسم تحقيقه.
3. جون لوك: السلطة المقيدة والحق في المقاومة
يقدم جون لوك في المقالة الثانية في الحكم تصورًا للسلطة السياسية بوصفها سلطة ائتمانية، تقوم على حماية الحقوق ولا تملك التصرف فيها بلا حدود. وعندما تتحول السلطة إلى أداة للاعتداء على الحقوق التي أُنشئت لحمايتها، فإنها تقوض أساس الثقة السياسية التي تستند إليها.
وتتيح هذه الفكرة التمييز بين الدولة باعتبارها مؤسسة عامة وبين كل قرار تتخذه الحكومة أو كل إجراء تنفذه أجهزتها. فالدولة لا تختزل في إرادة المسؤول، والحكومة لا تصبح معصومة لأن قراراتها صدرت عن مؤسسة رسمية.
ومن هذا المنظور، لا يُقاس نجاح السلطة بمجرد قدرتها على فرض الأوامر، بل أيضًا بمدى خضوعها للقيود التي تمنعها من تحويل القوة إلى أداة اعتداء. فالقانون لا يقيّد الأفراد وحدهم؛ بل يضع كذلك حدودًا لممارسة السلطة نفسها.
ويكشف لوك بذلك أن مشروعية الحكم لا تنفصل عن الغاية التي يُفترض أن يخدمها، وعن الضمانات التي تحول دون استغلاله.


رابعًا: حنة آرنت — هل تستطيع القوة أن تحل محل السلطة؟
تميّز حنة آرنت في كتابها في العنف بين السلطة والعنف، وترفض التعامل معهما باعتبارهما مفهومين مترادفين. فالسلطة ترتبط، في تحليلها، بقدرة الناس على الفعل المشترك وبوجود دعم جماعي للمؤسسات، في حين يمثل العنف أداة يمكن استخدامها لفرض الامتثال.
وتكمن أهمية هذا التمييز في أنه يحد من الاعتقاد بأن زيادة القدرة على الإكراه تعني بالضرورة زيادة الشرعية. فقد تنجح الدولة في فرض قرار بالقوة، لكن نجاحها في الإكراه لا يثبت أن القرار عادل أو أن السلطة تتمتع بقبول سياسي مستقر.
كما أن الإفراط في استخدام العنف قد يكون مؤشرًا على أزمة في العلاقة بين المؤسسات والمجتمع، خصوصًا حين يُستخدم الإكراه لتعويض ضعف الثقة أو غياب المشاركة أو انعدام قنوات الاعتراض.
لكن لا ينبغي تحويل هذا التمييز إلى قاعدة مطلقة تقول إن كل استخدام للعنف يدل على غياب السلطة، أو إن السلطة المشروعة لا تحتاج مطلقًا إلى أدوات الإكراه. فالمؤسسات القانونية قد تحتاج إلى استخدام القوة في ظروف محددة. ما يهم هو عدم الخلط بين القدرة على الإكراه وبين الحق غير المحدود في استخدامه.
وفي سياق هذه الدراسة، تساعد آرنت على طرح سؤال مهم: هل تُستخدم القوة لحماية نظام قانوني يتمتع بضمانات ومؤسسات رقابية، أم تُستخدم لإخضاع المجتمع ومنع مساءلة السلطة؟ والجواب لا يُستخلص من التصريحات الرسمية وحدها، بل من طبيعة الممارسة، وإمكانات الاعتراض، ومدى استقلال المؤسسات.


خامسًا: ميشيل فوكو — السلطة التي تصنّف وتنتج المعنى
لا تقتصر ممارسة السلطة، في تحليل ميشيل فوكو، على إصدار الأوامر أو استخدام القوة المباشرة؛ فهي تعمل أيضًا عبر المؤسسات والخطابات والمعرفة والتصنيفات التي تحدد ما يُعد طبيعيًا أو منحرفًا، وما يُنظر إليه باعتباره خطرًا أو تهديدًا.
وتتيح هذه المقاربة فهم الطريقة التي يمكن بها للخطاب الأمني أن يسهم في تشكيل إدراك الجمهور للعنف. فعندما يُصوَّر شخص ما باعتباره تهديدًا مطلقًا، قد يتراجع الاهتمام بالضمانات الإجرائية المقررة له. وعندما تُقدَّم حالة ما باعتبارها استثنائية، قد يصبح توسيع صلاحيات السلطة مقبولًا على نحو لم يكن ليُقبل في الظروف العادية.


لكن تحليل الخطاب لا يعني أن الكلمات وحدها تصنع الحقيقة القانونية أو أن كل وصف أمني كاذب. فقد تكون هناك تهديدات فعلية، وقد تكون بعض الأوصاف صحيحة. المسألة هي أن التصنيف لا ينبغي أن يعفي المؤسسات من تقديم الأدلة أو من احترام القواعد التي تنظم استخدام القوة.


وتبرز هنا ثلاث آليات تستحق الفحص:
1. التصنيف: تحديد الأشخاص أو الجماعات باعتبارهم خطرًا أو عدوًا أو مجرمين.
2. تحديد ما يُعرف: التحكم في المعلومات المتاحة للجمهور، أو حجب الأدلة بحجة السرية، أو تقديم رواية أحادية للحدث.
3. تطبيع الاستثناء: تحويل الإجراءات التي تُقدَّم بوصفها مؤقتة إلى ممارسات متكررة، بحيث يتراجع الحد الفاصل بين الاستثناء والقاعدة.
وتتطلب دراسة هذه الآليات التمييز بين وجود خطاب رسمي وبين نجاحه الفعلي في التأثير في الرأي العام أو في نتائج التحقيق والمحاسبة. فالتأثير ليس افتراضًا يُسلَّم به، وإنما مسألة يمكن فحصها من خلال الخطاب الإعلامي، والقرارات المؤسسية، ونتائج التحقيقات، واستجابات الجمهور.
سادسًا: كارل شميت وحالة الاستثناء — من يقرر متى تتوقف القواعد؟
ترتبط فلسفة كارل شميت بفكرة السيادة من خلال قدرته على اتخاذ القرار بشأن حالة الاستثناء. وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في دراسة اللحظات التي تُقدَّم فيها الظروف الأمنية بوصفها تهديدًا وجوديًا يستدعي تعليق بعض الإجراءات المعتادة أو توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية.
ولا تتمثل المشكلة بالضرورة في أن كل حالة استثنائية وهمية؛ فقد تواجه الدول بالفعل حروبًا أو اضطرابات أو تهديدات خطيرة. لكن الخطر ينشأ عندما تصبح الجهة التي تعلن الاستثناء هي نفسها الجهة التي تحدد نطاقه ومدته، وتراقب تنفيذ قراراته، وتقيّم ضرورتها، من دون رقابة مستقلة كافية.
وفي هذه الظروف، قد يتحول الاستثناء من إجراء محدد لمواجهة خطر معلوم إلى نمط دائم من الحكم. وقد تُستخدم مفردات مثل «الضرورة» و«التهديد» لتبرير إجراءات لا تتناسب مع الخطر الفعلي، أو لاستبعاد فئات من الناس من ضمانات يفترض أن يتمتعوا بها.
ولا يعني تحليل شميت تبني تصوره للسيادة، بل استخدامه لتحديد سؤال نقدي: ماذا يحدث حين تصبح السلطة قادرة على تحديد الحالات التي ترى فيها أن القواعد المعتادة لا تكفي، من دون أن تخضع قراراتها لاختبار مستقل؟
إن منع إساءة استخدام الاستثناء يتطلب تحديد أساس قانوني واضح، ومدة زمنية معلومة، ونطاق محدد للإجراءات، ورقابة قضائية وبرلمانية فعالة، وآليات لمراجعة الضرورة والتناسب. كما يتطلب ضمان ألا تتحول حالة الطوارئ إلى ذريعة لإلغاء الحماية الأساسية للحق في الحياة أو لتبرير القتل التعسفي.


سابعًا: والتر بنيامين — العنف الذي ينشئ القانون ويحميه
يناقش والتر بنيامين، في مقالته «نقد العنف»، العلاقة المعقدة بين العنف والقانون، مميزًا بين العنف الذي يؤسس نظامًا قانونيًا والعنف الذي يحافظ عليه. وتفتح هذه المقاربة مجالًا للتساؤل عما إذا كان القانون يكتفي بتقييد العنف، أم أن نشأته وتطبيقه يرتبطان أيضًا بأشكال من القوة التي تستمد منها المؤسسات قدرتها على الإنفاذ.
ولا ينبغي قراءة هذه الفكرة باعتبارها إثباتًا أن القانون ليس إلا عنفًا مقنّعًا. فالقانون يمكن أن يشكل أداة لحماية الحقوق، وتقييد السلطة، وتنظيم الخلافات بوسائل سلمية. لكن بنيامين يدفعنا إلى عدم التعامل مع الصفة القانونية باعتبارها نهاية التحليل، وإلى التساؤل عن علاقة القواعد التي تنظم استخدام القوة بالبنية السياسية التي تنتجها وتنفذها.


ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين القانون بوصفه إطارًا معياريًا يقيّد السلطة، والقانون بوصفه خطابًا قد تستند إليه السلطة لتبرير ممارساتها. فالاستناد إلى نص قانوني لا ينهي النقاش بشأن تفسيره أو انطباقه، كما أن وجود قواعد قانونية لا يغني عن التحقق من الالتزام بها.
ويصبح هذا التمييز مهمًا على نحو خاص عندما يُستخدم القانون لإضفاء صفة رسمية على إجراءات قسرية، أو عندما تكون آليات الطعن والتحقيق ضعيفة. فالمعيار ليس مجرد وجود نص، وإنما مدى احترام القواعد، واستقلال الجهات التي تطبقها، ووجود وسائل فعالة للانتصاف.
ثامنًا: جورجيو أغامبن والحياة التي تصبح قابلة للاستباحة


يبحث جورجيو أغامبن، في مشروعه المتعلق بالسيادة وحالة الاستثناء، في الكيفية التي يمكن بها للسلطة أن تُنتج أوضاعًا تصبح فيها حماية بعض الأشخاص أقل استقرارًا، أو تُعلَّق فيها الضمانات المعتادة باسم الضرورة السياسية والأمنية.


ويفيد هذا التحليل في فهم مخاطر تقسيم المجتمع إلى فئات متفاوتة في مستوى الحماية العملية، بحيث يُنظر إلى بعض الأشخاص بوصفهم مواطنين يتمتعون بحقوق كاملة، بينما يُعامل آخرون باعتبارهم تهديدًا لا يستحق الدرجة نفسها من الضمانات.


ومع ذلك، ينبغي عدم استخدام مفهوم «الحياة العارية» بوصفه وصفًا جاهزًا لكل ضحية أو لكل إجراء أمني. فالمفهوم يحتاج إلى ربطه بحالات محددة، مثل تعليق الضمانات، أو الاحتجاز خارج الرقابة الفعالة، أو استبعاد فئة من الناس من الحماية القانونية، أو تعطيل سبل الانتصاف.


وتكمن قيمة أغامبن في تنبيهنا إلى أن حالة الاستثناء لا تتعلق فقط بتوسيع سلطات الدولة، بل قد تمس أيضًا موقع الفرد داخل النظام القانوني. فالسؤال يصبح: هل يظل الشخص قادرًا على التمسك بحقوقه واللجوء إلى جهة مستقلة، أم يصبح مصيره خاضعًا لتقدير السلطة التي تصنفه تهديدًا؟
ومن منظور الحق في الحياة، تظل الحماية القانونية واجبة، ولا يؤدي وصف شخص بأنه عدو أو خطر إلى إلغاء حقوقه تلقائيًا. وحتى في النزاعات المسلحة، تظل قواعد القانون الدولي الإنساني ذات صلة، بما في ذلك التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات الواجبة.


تاسعًا: نحو مفهوم «الامتياز السيادي في تبرير القتل»
تقترح الدراسة مفهومًا تحليليًا أوليًا هو «الامتياز السيادي في تبرير القتل»، ويُقصد به القدرة غير المتكافئة التي قد تتمتع بها الدولة أو مؤسساتها في تعريف استخدام القوة وتفسيره وإضفاء الشرعية عليه، مقارنةً بالأفراد والجماعات الذين لا يمتلكون الموارد المؤسسية أو الإعلامية نفسها.
ولا يعني هذا المفهوم أن الدولة تتمتع فعلًا بامتياز مطلق في جميع السياقات، أو أن كل رواية رسمية تهدف إلى إخفاء الحقيقة. إنه فرضية تحليلية يمكن اختبارها من خلال دراسة الوقائع والمؤسسات والخطابات ونتائج المساءلة.
ويتكون المفهوم، في صيغته الأولية، من أربعة أبعاد مترابطة:
1. البعد التصنيفي
يتعلق بقدرة السلطة على تحديد الأوصاف التي يُقدَّم بها الفعل والفاعل: هل يوصف الحدث بأنه جريمة، أم عملية أمنية، أم دفاع عن النفس، أم ضرورة عسكرية؟ وهل يستند هذا التصنيف إلى أدلة وقواعد قانونية قابلة للفحص، أم يُستخدم قبل اكتمال التحقيق لتوجيه فهم الجمهور؟
لا تكمن المشكلة في وجود تصنيفات قانونية؛ فهي ضرورية لتنظيم المسؤولية. بل في احتمال استخدام التصنيف الرسمي لإغلاق باب التساؤل بدلًا من فتحه.
2. البعد المعلوماتي
يتعلق بالقدرة على التحكم في المعلومات التي تصل إلى الجمهور أو إلى جهات التحقيق، بما في ذلك الأدلة والوثائق والتسجيلات والشهادات.
وقد تكون هناك أسباب قانونية مشروعة لحماية بعض المعلومات، لكن السرية لا ينبغي أن تصبح وسيلة لمنع التحقيق المستقل أو تعطيل حق الضحايا في معرفة الحقيقة. ويتطلب التقييم تحديد المعلومات التي حُجبت، والأساس القانوني لذلك، والجهة التي راجعت قرار الحجب، وما إذا كانت هناك وسائل بديلة تتيح التحقق من الوقائع.
3. البعد الإجرائي
يتعلق بمدى استقلال التحقيق، وفاعلية الرقابة القضائية، وإمكان الوصول إلى الانتصاف، وتكافؤ فرص الأطراف في تقديم الأدلة والاعتراض على القرارات.
ويُعد هذا البعد حاسمًا؛ لأن التبرير الرسمي لا يكون موضع اختبار حقيقي إذا كانت الجهة التي استخدمت القوة هي نفسها التي تتحكم في التحقيق فيها، أو إذا تعذر على الضحايا الوصول إلى آلية مستقلة وفعالة للمساءلة.
4. البعد الرمزي
يتعلق بالقدرة على التأثير في اللغة العامة التي يُفهم بها العنف، وفي تحديد الأفعال التي تُعد مقبولة أو ضرورية أو مستهجنة.
وقد يُقدَّم استخدام القوة باعتباره تضحية من أجل الوطن، أو دفاعًا عن النظام، أو ضرورة لا بديل عنها. وقد تكون بعض هذه الأوصاف صحيحة في حالات محددة، لكن صدقيتها لا تُستمد من قوتها العاطفية، بل من الأدلة ومدى انطباق القواعد القانونية.
ويؤثر هذا البعد في البيئة التي تجري فيها المساءلة؛ فحين يُصوَّر الاعتراض على فعل أمني باعتباره خيانة أو تواطؤًا، قد يضيق المجال العام اللازم لفحص الأدلة ومناقشة القرارات.


5. كيف يمكن اختبار المفهوم؟
لكي لا يبقى المفهوم مجرد استعارة نقدية، يمكن تحويله إلى إطار قابل للاستخدام في دراسات الحالة من خلال مؤشرات قابلة للملاحظة، منها:
● مدى اتساق التصريحات الرسمية مع نتائج التحقيق المستقل.
● سرعة إتاحة المعلومات الأساسية المتعلقة بالحادث.
● وجود تحقيق مستقل وفعّال في حالات الوفاة الناتجة عن استخدام القوة.
● قدرة المتضررين على الوصول إلى القضاء والانتصاف.
● وجود مراجعة قضائية لقرارات استخدام القوة أو تقييد المعلومات.
● مدى تطابق التكييف القانوني مع الوقائع المثبتة.
● وجود تفاوت في معالجة وقائع متشابهة بحسب هوية الفاعل أو الضحية.
ولا يُفترض أن مؤشرًا منفردًا يثبت وجود «امتياز سيادي في تبرير القتل». بل ينبغي جمع الأدلة ومقارنتها، مع مراعاة اختلاف الأنظمة القانونية والظروف السياسية وطبيعة الحوادث.
وبذلك يتحول المفهوم من حكم مسبق على الدولة إلى أداة لفحص مدى خضوع استخدام القوة لمعايير عامة، ومدى قدرة المؤسسات المستقلة على مراجعة التبريرات الرسمية.
عاشرًا: القانون الدولي والحق في الحياة — ما الذي يجعل استخدام القوة مشروعًا؟
لا يمكن حسم السؤال عن قتل الدولة بالاستناد إلى الفلسفة السياسية وحدها؛ إذ يتطلب الأمر التمييز بين الأطر القانونية التي تنظم استخدام القوة في سياقات مختلفة.


  1. الحق في الحياة وحظر الحرمان التعسفي منه
    تنص المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وأنه لا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفًا. وتؤكد اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في تعليقها العام رقم 36 لعام 2018، أن حماية الحق في الحياة تفرض التزامات على الدول تتجاوز الامتناع عن القتل غير المشروع، وتشمل اتخاذ تدابير للحماية والتحقيق والمساءلة في الحالات التي تستدعي ذلك.
    وتكمن أهمية وصف الحرمان من الحياة بأنه «تعسفي» في أن التقييم القانوني لا يقتصر على هوية الفاعل أو وجود قرار رسمي، بل يتطلب فحص الظروف والقاعدة القانونية ومدى الالتزام بالقيود ذات الصلة.
    كما أن واجب حماية الحق في الحياة يستدعي إجراء تحقيق فعال ومستقل عندما توجد أسباب معقولة للاشتباه في وقوع حرمان غير مشروع من الحياة. ولا يكفي أن تصدر المؤسسة المعنية بيانًا يبرر الفعل؛ بل يجب أن تكون الرواية قابلة للتحقق.
    2. استخدام القوة في إنفاذ القانون
    في سياق إنفاذ القانون، تُعد مبادئ الضرورة والتناسب والاحتياط والمساءلة من الضوابط الأساسية لاستخدام القوة. وتؤكد المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أهمية اللجوء، قدر الإمكان، إلى الوسائل غير العنيفة قبل استخدام القوة، وقصرها على ما تقتضيه الضرورة.
    أما القوة القاتلة، فتخضع لقيود أشد صرامة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها وسيلة اعتيادية لضبط النظام أو معاقبة المخالفين. ويجب تقييمها في ضوء الخطر الفعلي والظروف المحيطة، والقواعد القانونية المنطبقة، وما إذا كان استخدامها متوافقًا مع حماية الحياة.
    ولا يعني ذلك أن كل وفاة وقعت أثناء عملية أمنية تثبت وحدها وقوع جريمة؛ فالمسؤولية القانونية تحتاج إلى تحقيق في الوقائع والسياق والأدلة. لكن النتيجة المميتة، ولا سيما عند وجود مؤشرات على استخدام غير مشروع للقوة، تستدعي فحصًا مستقلًا وفعّالًا.
    3. استخدام القوة في النزاعات المسلحة
    يختلف الإطار القانوني الذي يحكم العمليات في النزاعات المسلحة عن الإطار المنظم لإنفاذ القانون. ففي النزاعات المسلحة، ينظم القانون الدولي الإنساني سلوك أطراف النزاع، ويضع قواعد تتعلق بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين، والأهداف العسكرية، والتناسب في الهجمات، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين.
    ولا يجوز نقل معايير أحد السياقين إلى الآخر بصورة آلية. كما لا يكفي أن تصف دولة عملية بأنها عسكرية أو أن تعلن أن هدفها أمني حتى يُحسم التكييف القانوني. بل يجب تحديد طبيعة النزاع، وصفة الأشخاص والأهداف، والقواعد المنطبقة على الواقعة المحددة.
    ويظل الالتزام بالقانون واجبًا على جميع الأطراف المعنية، ولا يمنح انتهاك أحد الأطراف للقانون الطرف الآخر ترخيصًا بانتهاكه.
    4. عقوبة الإعدام والقتل خارج نطاق القضاء
    يجب التمييز بين عقوبة الإعدام، حيثما كانت قائمة، وبين القتل خارج نطاق القضاء، وبين حالات استخدام القوة التي تؤدي إلى الوفاة أثناء إنفاذ القانون أو النزاعات المسلحة. فهذه حالات مختلفة من حيث الأساس القانوني والشروط والإجراءات.
    ومع ذلك، فإن مجرد صدور قرار رسمي لا يعفي الدولة من الالتزام بالمعايير القانونية المنطبقة. كما أن إقرار القانون بعقوبة معينة في نظام ما لا يعني أن كل وفاة تتسبب فيها الدولة يمكن تصنيفها ضمن تنفيذ تلك العقوبة.
    وتتطلب دراسة كل حالة تحديد الإطار القانوني، والجهة صاحبة الاختصاص، والإجراءات التي اتُّبعت، والضمانات التي أُتيحت، ومدى توافق التنفيذ مع الالتزامات الوطنية والدولية.
    5. الضرورة والتناسب والمساءلة
    يمكن إجمال ثلاثة أسئلة أساسية عند تقييم استخدام الدولة للقوة:
    أولًا: الضرورة. هل كان استخدام القوة مطلوبًا لتحقيق غرض مشروع في الظروف القائمة؟ وهل كانت هناك وسائل بديلة أقل ضررًا يمكن أن تحقق الغرض نفسه؟
    ثانيًا: التناسب. هل كانت القوة المستخدمة متناسبة مع طبيعة الخطر والهدف المشروع، وفقًا للقواعد القانونية المنطبقة على السياق؟ثالثًا: المساءلة. هل خضع الفعل لتحقيق مستقل وفعّال؟ وهل أمكن للجهات المختصة مراجعة الأدلة وتحديد المسؤوليات، وتوفير سبل الانتصاف عند ثبوت الانتهاك؟
    ولا تُغني هذه الأسئلة عن التحليل القانوني الخاص بكل واقعة، لكنها تمنع اتخاذ هوية الدولة أساسًا وحيدًا للحكم على مشروعية أفعالها.
    الحادي عشر: ازدواجية المعايير — هل تختلف تسمية العنف باختلاف ميزان القوة؟
    تعود حكاية القرصان والإمبراطور إلى الواجهة عندما يُلاحظ أن الخطاب السياسي قد يستخدم معايير مختلفة لتوصيف أفعال متشابهة، تبعًا لهوية الفاعل أو موقعه في النظام الدولي. فقد يوصف فعل عنيف صادر عن جماعة ضعيفة بأنه إرهاب، بينما يُقدَّم فعل آخر صادر عن دولة قوية بوصفه دفاعًا عن الأمن أو استعادةً للنظام.
    لكن إثبات ازدواجية المعايير لا يتطلب افتراض أن الأفعال متطابقة. فقد تختلف الوقائع في أهدافها وسياقاتها ووسائلها والجهات التي استهدفتها، وقد تكون هذه الفروق حاسمة قانونيًا. لذلك فإن المقارنة المنهجية لا تبدأ من افتراض التساوي بين الفاعلين، بل من تحديد عناصر التشابه والاختلاف ذات الصلة.
    وتتمثل المشكلة في أن الاختلاف في المعاملة قد يستند أحيانًا إلى فروق قانونية حقيقية، وقد يستند أحيانًا أخرى إلى اعتبارات سياسية أو تحالفات أو تفاوت في القوة. وللتمييز بين الاحتمالين، ينبغي فحص الوقائع والقواعد المطبقة ودرجة اتساق المعايير.
    ويمكن دراسة ازدواجية المعايير من خلال أربعة مستويات:
    1. مستوى اللغة: هل تُستخدم أوصاف مختلفة لأفعال متقاربة دون تفسير موضوعي كافٍ؟
    2. مستوى القواعد: هل تُطبق القواعد القانونية نفسها على الحالات المتشابهة؟
    3. مستوى الإجراءات: هل تتمتع جميع الحالات بفرص متقاربة للتحقيق المستقل والمساءلة؟
    4. مستوى النتائج: هل يؤدي التفاوت في القوة السياسية إلى اختلاف ملحوظ في فرص المساءلة أو الانتصاف؟
    وتساعد هذه المستويات في تحويل نقد ازدواجية المعايير من اتهام عام إلى سؤال قابل للفحص. فليس كل اختلاف في التسمية دليلًا على الانحياز، لكن الاختلاف غير المفسر في تطبيق المعايير على وقائع متشابهة يستحق التدقيق.
    كما أن ازدواجية المعايير ليست مشكلة دولية فحسب؛ إذ يمكن أن تظهر داخل الدولة الواحدة عندما تختلف الاستجابة المؤسسية باختلاف مكانة المتضرر أو انتمائه أو قدرته على الوصول إلى الإعلام والقضاء. ولذلك فإن المساءلة لا تتعلق فقط بما تفعله الدولة خارج حدودها، بل أيضًا بكيفية تطبيق القانون على الجميع داخلها.
    الثاني عشر: المنهجية وحدود الاستدلال
    تعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا نقديًا، يجمع بين تحليل المفاهيم الفلسفية وفحص المبادئ القانونية المنظمة لاستخدام القوة. ويُستخدم التحليل الفلسفي لتوضيح طبيعة العلاقة بين السلطة والعنف والشرعية، بينما يُستخدم التحليل القانوني لتحديد الفروق بين السياقات التي يجوز فيها استخدام القوة والقيود التي تحكمها.
    وتقوم الدراسة على ثلاثة مسارات منهجية:
    المسار الأول: التحليل المفاهيمي. ويهدف إلى التمييز بين القوة والسلطة والعنف والشرعية والمشروعية، ومنع استخدام هذه المفاهيم بوصفها مترادفات.
    المسار الثاني: التحليل النظري المقارن. ويقارن بين تصورات فيبر وهوبز ولوك وآرنت وفوكو وشميت وبنيامين وأغامبن، لاستخلاص ما تقدمه من أدوات لفهم العلاقة بين استخدام القوة وتبريرها.
    المسار الثالث: التحليل القانوني المعياري. ويستند إلى الحق في الحياة والقواعد المنظمة لاستخدام القوة في إنفاذ القانون والنزاعات المسلحة، مع التشديد على ضرورة تحديد السياق القانوني قبل إصدار حكم على أي واقعة.
    أما المفهوم المقترح، «الامتياز السيادي في تبرير القتل»، فيُعامل بوصفه فرضية تحليلية أولية، وليس نتيجة تجريبية مكتملة. ويتطلب اختباره لاحقًا اختيار حالات محددة، وجمع بيانات موثوقة، ومقارنة الخطابات الرسمية بنتائج التحقيقات والأحكام القضائية، وقياس مدى استقلال آليات المساءلة.
    وتقر الدراسة بحدودها. فهي لا تقدم قاعدة بيانات شاملة عن حالات القتل التي ترتكبها الدول، ولا تزعم إثبات أن جميع الحكومات تستخدم الخطاب الأمني لتبرير أفعال غير مشروعة. كما لا يمكن حسم المسؤولية القانونية في واقعة معينة دون الاطلاع على الأدلة والظروف والقواعد ذات الصلة. وتهدف الدراسة، في هذه المرحلة، إلى بناء إطار نظري يساعد على طرح الأسئلة الصحيحة وتحديد المؤشرات التي يمكن اختبارها في دراسات لاحقة.
    الثالث عشر: من يراقب مَن يملك القوة؟
    إذا كانت الدولة تمتلك صلاحيات واسعة في استخدام القوة، فإن الحاجة إلى المساءلة لا تنبع من افتراض أن الدولة شريرة بطبيعتها، بل من مبدأ مؤسسي عام: كل سلطة قادرة على إحداث ضرر جسيم تحتاج إلى قيود وآليات مراجعة تمنع إساءة استخدامها.
    ولا تكفي الرقابة الداخلية وحدها دائمًا؛ لأن المؤسسة التي استخدمت القوة قد تواجه تضاربًا في المصالح عند التحقيق في أفعالها. ولذلك تكتسب استقلالية القضاء والنيابة وجهات التحقيق والرقابة البرلمانية أهمية خاصة، إلى جانب حرية الإعلام وقدرة المجتمع المدني على الوصول إلى المعلومات.
    وتشمل الضمانات الأساسية:
    ● وجود قواعد واضحة لاستخدام القوة وتحديد المسؤوليات.
    ● إجراء تحقيق مستقل وفعّال في حالات الوفاة التي تستدعي التحقيق.
    ● حماية الأدلة والشهود وضمان عدم العبث بالمعلومات.
    ● تمكين المتضررين وذويهم من الوصول إلى العدالة والانتصاف.
    ● إخضاع قرارات تقييد المعلومات لمراجعة قانونية مناسبة.
    ● نشر نتائج التحقيقات بالقدر الذي يسمح به القانون ويحمي الحقوق ذات الصلة.
    ● توفير رقابة قضائية وبرلمانية فعالة على الصلاحيات الاستثنائية.
    ● ضمان عدم استخدام الخطاب السياسي لإدانة الأشخاص أو تبرئة المؤسسات قبل اكتمال الإجراءات المختصة.
    ولا تعني المساءلة أن كل قرار أمني ينبغي أن يخضع لتقدير الجمهور وحده، أو أن كل عملية استخدام للقوة يجب أن تُدان مسبقًا. بل تعني أن الدولة مطالبة بإظهار الأساس القانوني والوقائعي لأفعالها، وأن القرارات التي تمس الحق في الحياة يجب ألا تكون بمنأى عن المراجعة المستقلة.
    وتظهر هنا أهمية الفصل بين الدفاع عن الدولة والدفاع عن كل قرار تتخذه الحكومة. فالمؤسسات العامة لا تضعف بالضرورة عندما تُحاسَب؛ بل قد تتعزز شرعيتها حين تثبت قدرتها على الاعتراف بالخطأ، والتحقيق فيه، وتصحيح آثاره، ومنع تكراره.
    وفي المقابل، فإن اعتبار مساءلة السلطة تهديدًا للدولة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة للهدف المعلن: إذ تصبح حماية صورة المؤسسة أهم من حماية الحقوق التي وُجدت المؤسسة لخدمتها. عندئذٍ تتحول المساءلة من عنصر في الشرعية إلى خصم يُراد إقصاؤه باسمها.
    الرابع عشر: من احتكار القوة إلى خضوع القوة للمعيار
    تكشف المقاربات الفلسفية والقانونية التي تناولتها الدراسة أن الدولة لا تُقاس مشروعيتها بمجرد امتلاكها أدوات الإكراه، بل بالطريقة التي تستخدم بها هذه الأدوات وبالقيود التي تقبل الخضوع لها.
    ففيبر يساعد على فهم ادعاء احتكار العنف المشروع، لكنه لا يمنح كل استخدام للقوة صكًا بالشرعية. وهوبز يوضح أهمية الأمن والسلطة العامة، لكنه لا يحول كل إجراء أمني إلى ضرورة. ولوك يذكّر بأن السلطة مقيدة بالحقوق والغاية التي أُنشئت من أجلها. وآرنت تميز بين السلطة والعنف وتدفع إلى مساءلة العلاقة بين الإكراه والقبول السياسي. أما فوكو وشميت وبنيامين وأغامبن، فيتيحون تحليل التصنيف والخطاب والاستثناء والعلاقة بين القانون والقوة، من دون أن تغني هذه المقاربات عن التحقق من الوقائع أو تطبيق القواعد القانونية المحددة.
    ويترتب على ذلك أن السؤال عن قتل الدولة لا يمكن حسمه بعبارة عامة من قبيل «الدولة صاحبة الحق في العنف»، كما لا يمكن حسمه بالقول إن كل عنف صادر عنها جريمة. فكلتا العبارتين تختزلان المسألة: الأولى تمنح السلطة امتيازًا غير محدود، والثانية تلغي الفروق بين سياقات قانونية مختلفة.
    إن المعيار الأكثر دقة هو أن استخدام الدولة للقوة يخضع لقواعد وشروط يمكن فحصها، وأن الصفة الرسمية لا تعفي من إثبات المشروعية. فإذا كان استخدام القوة ضروريًا ومتناسبًا ومسموحًا به قانونًا، وخضع للضمانات الواجبة، أمكن تمييزه عن الاستخدام التعسفي. أما إذا استُخدمت القوة خارج القيود القانونية، أو حُرم الأشخاص من الحماية الواجبة، أو جرى تعطيل التحقيق والمساءلة، فإن تسمية الفعل «عملية أمنية» لا تحسم الحكم عليه.
    وبهذا المعنى، لا تتمثل القضية في نزع حق الدولة في حماية المجتمع، بل في رفض تحويل هذا الحق إلى تفويض مطلق. فالدولة التي تحمي الحياة لا تستطيع أن تجعل مجرد إعلانها عن الضرورة دليلًا على مشروعيتها، ولا أن تحل إرادتها محل القواعد التي يُفترض أن تقيدها.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون