البحث العلمي وصناعة القرار في الأردن :الحلقة المفقودة
29-10-2026 03:58 PM
تمتلك الدول اليوم مصادر متعددة للقوة والتقدم، غير أن قدرتها على إنتاج المعرفة وتوظيفها في صناعة القرار أصبحت من أهم مقومات التنمية المستدامة. فلم يعد التحدي مقتصراً على امتلاك الجامعات ومراكز البحث أو زيادة أعداد الدراسات والمنشورات العلمية، بل أصبح مرتبطاً بمدى قدرة الدولة على تحويل هذه المعرفة إلى سياسات عامة تعالج المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وترفع كفاءة المؤسسات، وتحسن نوعية حياة المواطنين.
وفي الأردن، الذي يمتلك رصيداً مهماً من الكفاءات الأكاديمية والبحثية داخل المملكة وخارجها، تبرز الحاجة إلى التفكير في آليات مؤسسية أكثر فاعلية لربط البحث العلمي بعملية صنع السياسات العامة. فبينما تنتج الجامعات ومراكز البحث دراسات في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والمياه والطاقة والتنمية الاجتماعية وغيرها، يبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى تجد نتائج هذه الدراسات طريقها إلى المؤسسات المعنية بصناعة القرار؟ وهل توجد آلية وطنية متكاملة تضمن الاستفادة من هذا الإنتاج المعرفي بصورة منهجية ومستمرة؟
أود بداية الإشارة إلى أنني لست متخصصاً في دراسات السياسات العامة أو في النظم المؤسسية المرتبطة بها، ولا أدعي الإحاطة بجميع الجهود الوطنية المبذولة في هذا المجال. غير أن اطلاعي على بعض التجارب الدولية المرموقة، وما حققته من نتائج في تقريب المسافة بين المؤسسات البحثية وصناع القرار، دفعني إلى إثارة هذه الفكرة بوصفها مقترحاً يستحق النقاش من المختصين والأكاديميين والمسؤولين عن تطوير المؤسسات الوطنية.
تقوم الفكرة على تأسيس معهد وطني أردني للسياسات العامة، يكون بمثابة حلقة وصل مؤسسية بين الجامعات ومراكز البحث من جهة، والوزارات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص من جهة أخرى، بحيث يتولى توظيف المعرفة العلمية والأدلة البحثية في تحليل التحديات الوطنية، وتقييم البدائل المتاحة، وتقديم توصيات عملية تساعد على اتخاذ قرارات أكثر كفاءة واستناداً إلى المعرفة.
ولا تنطلق هذه الدعوة من افتراض غياب المؤسسات البحثية في الأردن؛ فهناك المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، والمركز الوطني للبحث والتطوير، ومؤسسات وطنية أخرى تؤدي أدواراً مهمة في دعم البحث العلمي والتنمية. ولذلك فإن المقترح لا يستهدف إضافة مؤسسة موازية تكرر الأدوار القائمة، وإنما يدعو إلى دراسة إمكانية بناء وظيفة وطنية متخصصة في ترجمة البحث العلمي إلى سياسات عامة، سواء من خلال معهد جديد أو إطار مؤسسي يستند إلى البنى الوطنية القائمة.
وتقدم التجارب الدولية نماذج تستحق التأمل. ففي الولايات المتحدة، تؤدي مؤسسة بروكينغز دوراً بارزاً في تقديم بحوث وتحليلات مستقلة حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسات الحكومية، بما يسهم في إثراء النقاش العام وتزويد صناع القرار ببدائل تستند إلى البحث العلمي. وفي المملكة المتحدة، تمثل شبكة «ما الذي ينجح؟» (What Works Network) تجربة مهمة في جمع الأدلة العلمية وتقييم فاعلية البرامج والسياسات العامة، ومساعدة المؤسسات الحكومية على الاستفادة من نتائج الأبحاث عند تصميم الخدمات وتطويرها.
أما مختبر عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر (J-PAL)، المرتبط بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فيقدم نموذجاً آخر للتعاون بين الباحثين والحكومات في تقييم البرامج الاجتماعية والتنموية باستخدام مناهج علمية دقيقة، بهدف تحديد التدخلات الأكثر فاعلية قبل التوسع في تطبيقها.
ورغم اختلاف هذه التجارب في هياكلها المؤسسية وطبيعة عملها، فإنها تلتقي عند فكرة جوهرية مفادها أن البحث العلمي لا ينبغي أن ينتهي عند نشر نتائجه، بل يجب أن يمتد أثره إلى تحسين القرارات والسياسات التي تمس حياة الناس.
وفي الحالة الأردنية، يمكن لمعهد وطني من هذا النوع أن يركز على القضايا ذات الأولوية، مثل البطالة وتشغيل الشباب، وتطوير التعليم، وإدارة الموارد المائية، والأمن الغذائي، والرعاية الصحية، والحماية الاجتماعية، والتحول الرقمي، وكفاءة الإنفاق العام. فهذه القضايا تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، ولا يمكن معالجتها دائماً من خلال منظور قطاعي منفرد.
ولعل من أهم الاعتبارات التي ينبغي التأكيد عليها أن يكون المعهد المقترح مؤسسة وطنية واحدة تخدم الدولة بمختلف قطاعاتها، وليس مشروعاً لإنشاء معهد مستقل في كل جامعة . فالجامعات الأردنية، على اختلاف إمكاناتها وتخصصاتها، تمتلك خبرات بحثية يمكن توظيفها ضمن شبكة وطنية متكاملة. أما تعدد المعاهد المتشابهة داخل الجامعات فقد يؤدي إلى تشتت الجهود والموارد المالية والبشرية، وإلى ازدواجية في الاختصاصات، وربما إلى منافسة مؤسسية لا تخدم الهدف الوطني المنشود.
والأجدى، في تقديري، هو إنشاء مظلة وطنية تنسق هذه القدرات وتستفيد منها دون أن تنتزع من الجامعات استقلاليتها البحثية أو تحد من مبادراتها العلمية. ويمكن للمعهد أن يعتمد على فريق متخصص محدود العدد، يستعين بالباحثين والخبراء من مختلف الجامعات والمؤسسات وفق طبيعة القضايا المطروحة، بما يحقق الكفاءة في استخدام الموارد ويضمن تنوع الخبرات والتخصصات.
ومن المهم أيضاً ألا يقتصر عمل المعهد على إعداد الدراسات والتقارير المطولة، بل أن يتبنى أدوات عملية تناسب احتياجات صناع القرار، مثل أوراق السياسات المختصرة، وتحليل البدائل، ودراسات الأثر الاقتصادي والاجتماعي، وتقييم البرامج الحكومية، واستشراف التحديات المستقبلية. كما يمكن أن يشكل منصة للحوار المنتظم بين الباحثين والمسؤولين وممثلي القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
فعلى سبيل المثال، إذا كانت إحدى المؤسسات الحكومية بصدد تطوير سياسة لمعالجة بطالة الشباب، يمكن للمعهد أن يجمع الدراسات الوطنية والدولية ذات الصلة، ويحلل البيانات المتاحة، ويقارن بين البدائل الممكنة، ويقدر آثارها وتكاليفها، ثم يقدم توصيات واضحة تستند إلى الأدلة، مع مراعاة الخصوصية الاقتصادية والاجتماعية للأردن. وبعد تنفيذ السياسة، يمكن أن يسهم في تقييم نتائجها ومدى تحقيقها للأهداف المعلنة.
وهنا تظهر قيمة هذا النموذج؛ إذ ينقل البحث العلمي من موقع المراقب والمحلل إلى موقع الشريك المعرفي في تطوير السياسات، دون أن يحل الباحث محل المسؤول المنتخب أو المكلف باتخاذ القرار. فدور المعهد ليس صناعة القرار نيابة عن المؤسسات الدستورية والتنفيذية، وإنما تحسين جودة المعلومات والبدائل المتاحة أمامها.
ولكي ينجح هذا المشروع، لا بد من ضمان استقلاليته المهنية والعلمية، ووضوح علاقته بالمؤسسات الحكومية، وشفافية مصادر تمويله وآليات عمله. فمصداقية المعهد يجب أن تقوم على جودة الأدلة والمنهجيات، لا على توافق نتائجه مع التوجهات المسبقة لأي جهة. كما ينبغي أن يخضع إنتاجه البحثي لمعايير المراجعة العلمية، وأن يتيح للجمهور الاطلاع على نتائجه غير السرية، بما يعزز الثقة العامة ويثري النقاش الوطني.
وقد يكون من المناسب البدء بدراسة مؤسسية شاملة لتقييم الأدوار القائمة، وتحديد الفجوات الفعلية بين البحث العلمي وصناعة القرار، قبل اعتماد الشكل التنظيمي النهائي. كما يمكن إطلاق مرحلة تجريبية تركز على عدد محدود من الأولويات الوطنية، وقياس نتائجها قبل التوسع في مجالات العمل.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية إضافية في ضوء مسارات التحديث الاقتصادي والإداري التي يشهدها الأردن. فنجاح خطط التحديث لا يعتمد فقط على جودة الأهداف المعلنة، وإنما أيضاً على قدرة المؤسسات على اختيار السياسات المناسبة، ومتابعة تنفيذها، وتقييم نتائجها، وتصحيح مسارها عند الحاجة. وهذه جميعها مجالات يمكن أن يسهم فيها البحث العلمي بصورة مباشرة إذا توافرت الآليات المؤسسية المناسبة.
إن ما يحتاجه الأردن ليس بالضرورة مزيداً من الدراسات التي تنتهي في الأرشيف، ولا مزيداً من المؤسسات التي تتشابه في وظائفها، بل منظومة قادرة على تحويل المعرفة المتاحة إلى قيمة عامة ملموسة. ومن هنا تأتي أهمية التفكير في معهد وطني للسياسات العامة يستثمر الكفاءات العلمية الأردنية، ويجمع الخبرات المتفرقة، ويضعها في خدمة الأولويات الوطنية.
قد تكون هذه الفكرة مطبقة جزئياً من خلال مؤسسات ومبادرات قائمة، وقد يرى المختصون أن تطوير إحدى هذه المؤسسات أجدى من تأسيس كيان جديد. وهذا في حد ذاته جزء من النقاش المطلوب. فالمهم ليس الاسم أو الشكل الإداري، وإنما وجود إطار وطني فاعل ومستدام يربط بين إنتاج المعرفة واستخدامها في صناعة السياسات.
وفي النهاية، فإن قيمة البحث العلمي لا تقاس فقط بعدد الدراسات المنشورة أو مراتب الجامعات في التصنيفات الدولية، بل أيضاً بقدرته على الإسهام في حل مشكلات المجتمع وتحسين أداء مؤسسات الدولة. وإذا كان الأردن قد استثمر لعقود في بناء الإنسان وتعليمه وتأهيله، فقد يكون من الأجدى اليوم تعزيز استثماره في توظيف ما ينتجه هذا الإنسان من معرفة وخبرة.
فالدولة التي تحسن إنتاج المعرفة تمتلك مورداً مهماً، أما الدولة التي تحسن تحويل المعرفة إلى سياسات وقرارات، فإنها تحول هذا المورد إلى قوة حقيقية للتنمية والتقدم.
أمين محمد غوانمه
ghawanmehameen@gmail.com
وزير النقل يتابع تنفيذ مشاريع القطاع ضمن رؤية التحديث الاقتصادي
الأجواء تتغير في بلاد الشام .. وهذه حظوظ الأردن من الأمطار
الملك يعزي العاهل الإسباني ورئيس الوزراء بضحايا حادث تصادم قطارين
مؤسسة ومركز الحسين للسرطان يكرمان زين تقديرا لدعمها المتواصل كـ "متبرّع متميّز"
سرقة حذاء تنتهي بمأساة .. الأشغال 15 عاما لوالد لاعب كرة قدم أردني ناشئ
مشادة بسبب الصوت المرتفع تنتهي بجريمة قتل بالكرك .. والأشغال 30 عاما للجاني
الملك يهنئ الرئيس تبون بعيد الثورة الجزائرية
البحث العلمي وصناعة القرار في الأردن :الحلقة المفقودة
تغطية وحلول اتصالات متكاملة .. "أورنج الأردن" تواصل شراكتها التقنية مع "جودبي"
"الأمانة" تغير اتجاه السير داخل نفق الصرح أسفل شارع الأردن
عبدالله السدحان يكشف عن ميزانية الأجزاء الأولى من "طاش ما طاش"
الملك يهنئ العاهل المغربي بعيد الوحدة
لبنان: تحت الخطر وفي حماية الجيش .. مزارعون يخوضون موسم حصاد الزيتون
اختتام ورشة تحكيم معايير الاعتماد الأردني للمدارس ورياض الأطفال في الجنوب
رئيس مجلس النواب يرعى ملتقى قبة الابتكار الدولي للذكاء الاصطناعي
الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟
"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر
متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟
الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل
قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل
السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء
بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك
الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا
بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم
ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل
وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر
القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت
الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل
تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون