جُهُودُ المَلِكِ فِي مُكَافَحَةِ الفِكْرِ المُمُتَطَرِّفِ

جُهُودُ المَلِكِ فِي مُكَافَحَةِ الفِكْرِ المُمُتَطَرِّفِ

27-10-2026 09:29 PM

مُنْذُ تَوَلِّي جَلَالَةِ المَلِكِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّانِي سُلُطَاتِهِ الدُّسْتُورِيَّةَ، انْتَفَضَ جَلَالَتُهُ وَجَابَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، لِتَبْيَانِ أَنَّ الإِسْلَامَ هُوَ دِينُ الرَّحْمَةِ وَالتَّسَامُحِ وَالوَسَطِيَّةِ، مُؤَكِّداً أَنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ الإِسْلَامِيَّةَ تَمَيَّزَتْ عَنْ غَيْرِهَا مِنَ الأُمَمِ بِكَوْنِهَا أُمَّةَ الوَسَطِيَّةِ، وَالتَّسَامُحِ وَالرَّحْمَةِ وَالعَدْلِ وَالاعْتِدَالِ. وَمَعَ هَذَا التَّوْصِيفِ المَلَكِيِّ الدَّقِيقِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وَالدِّينِ القَوِيمِ، إِلاَّ أَنَّ أَقْوَاماً قَدْ خَالَفُوا مَقَاصِدَ الشَّارِعِ الحَكِيمِ، وَخَرَجُوا عَنِ المَنْهَجِ الصَّحِيحِ، وَنَزَعُوا إِلَى الغُلُوِّ وَالتَّشَدُّدِ وَالإِرْهَابِ، مِمَّا أَعْطَى فُرْصَةً لأَعْدَاءِ الإِسْلَامِ لِشَنِّ حَمْلَةٍ مِنَ الاِفْتِرَاءَاتِ وَالمَزَاعِمِ الَّتِي أَرَادَتْ أَنْ تُلْصِقَ بِالإِسْلَامِ تُهْمَةَ التَّعَصُّبِ وَالإِرْهَابِ وَعَدَمِ التَّسَامُحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الاِدِّعَاءَاتِ الَّتِي لاَ أَصْلَ لَهَا بِدِينِ الإِسْلَامِ وَلاَ سَنَدَ لَهَا مِنَ العِلْمِ وَلاَ مِنَ الوَاقِعِ التَّارِيخِيِّ، فَكَانَ هَؤُلاَءِ بِقَصْدٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ عَوْناً لأَعْدَاءِ الأُمَّةِ عَلَى تَحْقِيقِ مُرَادِهَا فِي النَّيْلِ مِنَ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ.
وَقَدْ حَذَّرَ جَلَالَةُ المَلِكِ عَبْدُ اللَّهِ الثَّانِي مِرَاراً وَتَكْرَاراً أَنَّ التَّطَرُّفَ وَالتَّعَصُّبَ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ عُنْفٍ وَإِرْهَابٍ كَانَ وَمَا زَالَم سَبَباً فِي تَشْوِيهِ سُمْعَةِ الإِسْلَامِ، وَبَالَتَالِي الإِضْرَارِ بِمَصَالِحِ الدَّعْوَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ، كَمَا كَانَتْ سَبَبَ زَعْزَعَةِ اسْتِقْرَارِ المُجْتَمَعِ المُسْلِمِ وَتَهْدِيدِ كِيَانِهِ وَإِلْحَاقِ أَضْرَارٍ جَسِيمَةٍ بِاقْتِصَادِيَّاتِ البُلْدَانِ الإِسْلَامِيَّةِ وَأَهْدَافِهَا التَّنْمَوِيَّةِ.
وَلَفَتَ جَلَالَتُهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مُنَاسَبَةٍ أَنَّ التَّطَرُّفَ لَخَطَرٌ عَظِيمٌ عَلَى كِيَانِ الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ، مُسْتَشْهِداً بِمَا وَصَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آثَارَهُ بِجُمْلَةٍ جَامِعَةٍ بَلِيغَةٍ بِقَوْلِهِ: «إِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ فِي الدِّينِ»، فَهُوَ هَلَاكٌ عَلَى مُسْتَوَى الأَفْرَادِ وَعَلَى مُسْتَوَى الجَمَاعَاتِ، إِنَّهُ هَلَاكٌ لِلأَنْفُسِ وَالمُمْتَلَكَاتِ وَالبِلَادِ وَالعِبَادِ.
ومن المعلوم أن جلالة الملك عبدالله الثاني هو أول من تبنى منذ مطلع الألفية الثالثة نهج مُحَارَبَةُ التَّطَرُّفِ بِوَسَائِلَ شَتَّى، وَبِنَاءُ ثَقَافَةِ الحِوَارِ وَأَدَبِ الاِخْتِلَافِ وَتَعْوِيدُ النُّفُوسِ عَلَى قَبُولِ الآخَرِ وَاحْتِرَامِ الرَّأْيِ المُخَالِفِ وَتَجْسِيدُ قِيَمِ التَّعَدُّدِيَّةِ وَالتَّعَايُشِ السِّلْمِيِّ وَالتَّسَامُحِ وَالاِعْتِرَافِ بِالآخَرِ فِي المُجْتَمَعِ.
وَلَعَلَّ جَلَالَةَ المَلِكِ عَبْدَ اللَّهِ الثَّانِيَ قَدِ اسْتَشْرَفَ أَنَّ الوَسَائِلَ النَّاجِحَةَ وَالمُؤَثِّرَةَ لِلْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الأَهْدَافِ هِيَ الحِوَارُ مَعَ المُمُتَطَرِّفِينَ، فَقَدْ لَجَأَتْ بَعْضُ الحُكُومَاتِ فِي الآوِنَةِ الأَخِيرَةِ إِلَى اسْتِخْدَامِ القُوَّةِ ضِدَّ جَمَاعَاتِ التَّطَرُّفِ وَالعُنْفِ، بَيْنَمَا اخْتَارَتْ أُخْرَى أُسْلُوبَ الحِوَارِ، وَقَدْ بَرْهَنَتِ التَّجْرِبَةُ أَنَّ الحِوَارَ كَانَ أَكْثَرَ تَأْثِيراً وَفَعَالِيَّةً مِنَ اسْتِخْدَامِ القُوَّةِ، حَيْثُ إِنَّ القُوَّةَ تَأْتِي أَحْيَاناً بِنَتَائِجَ سَلْبِيَّةٍ وَتَزِيدُ الفِكْرَ المُمُتَطَرِّفَ صَلَابَةً وَمَتَانَةً بَدَلاً مِنَ القَضَاءِ عَلَيْهِ.
وَاسْتَذْكَرَ جَلَالَةُ المَلِكِ عَبْدُ اللَّهِ الثَّانِي مَوَاقِفَ تَارِيخِيَّةً تُدَلِّلُ عَلَى صِحَّةِ مَا دَعَا إِلَيْهِ، مُسْتَشْهِداً أَنَّ سَيِّدَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» قَدْ حَاوَرَ الخَوَارِجَ وَبِسَبَبِ هَذَا الحِوَارِ عَدَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ مَوْقِفِهِمُ التَّطَرُّفِيِّ وَانْضَمُّوا إِلَى صُفُوفِ جَمَاهِيرِ المُسْلِمِينَ.
وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ إِدْرَاكَ جَلَالَتِهِ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، أَنَّ هُنَاكَ حَاجَةً مَاسَّةً إِلَى تَفْعِيلِ آلِيَّاتِ الحِوَارِ الهَادِفِ وَالبَنَّاءِ مَعَ المُمُتَطَرِّفِينَ لِتَصْحِيحِ أَفْكَارِهِمُ الخَاطِئَةِ وَمَفَاهِيمِهِمُ المُنْحَرِفَةِ وَبَالَتَالِي تَحْوِيلِهِمْ إِلَى شَرِيحَةٍ صَالِحَةٍ فِي المُجْتَمَعِ.
وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يَنْبَغِي لَفْتُ الاِنْتِبَاهِ إِلَى أَنَّ جَلَالَتَهُ اعْتَبَرَ أَنَّ التَّطَرُّفَ فِي الدِّينِ هُوَ فَهْمُ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ بَعِيداً عَنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ، وَهَذَا التَّطَرُّفُ يُؤَدِّي إِلَى إِحْدَى النَّتِيجَتَيْنِ المَكْرُوهَتَيْنِ وَهُمَا الإِفْرَاطُ وَالتَّفْرِيطُ.
مُبَيِّناً جَلَالَتُهُ أَنَّ مَظَاهِرَ التَّطَرُّفِ تَتَمَثَّلُ فِي تَعَصُّبِ الشَّخْصِ لِرَأْيِهِ وَعَدَمِ الاِعْتِرَافِ بِالرَّأْيِ الآخَرِ، وَجُمُودِهِ عَلَى فَهْمِهِ جُمُوداً لاَ يَسْمَحُ بِرُؤْيَةٍ وَاضِحَةٍ لِمَصَالِحِ الخَلْقِ، فَالْمُتَطَرِّفُ كَثِيراً مَا يَجْعَلُ الأُمُورَ الاِجْتِهَادِيَّةَ أُمُوراً مَقْطُوعاً بِهَا وَيَقِينِيَّةً لَيْسَ فِيهَا إِلاَّ قَوْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ قَوْلُهُ وَرَأْيُهُ.
وَقَدْ تَوَصَّلَ جَلَالَةُ المَلِكِ عَبْدُ اللَّهِ الثَّانِي إِلَى تَوْصِيفٍ دَقِيقٍ حِينَمَا قَالَ إِنَّ التَّطَرُّفَ هُوَ الاِنْحِيَازُ إِلَى طَرَفَيِ الأَمْرِ، فَيَشْمَلُ الغُلُوَّ، لَكِنَّ الغُلُوَّ أَخَصُّ مِنْهُ فِي الزِّيَادَةِ وَالمُجَاوَزَةِ، لَيْسَ بِمُجَرَّدِ البُعْدِ عَنِ الوَسَطِ إِلَى الأَطْرَافِ، أَوْ بِمَعْنَى آخَرَ، كُلُّ غُلُوٍّ فَهُوَ تَطَرُّفٌ، وَلَيْسَ كُلُّ تَطَرُّفٍ غُلُوّاً.
وَالغُلُوُّ أَخَصُّ مِنَ التَّطَرُّفِ إِذْ أَنَّ التَّطَرُّفَ هُوَ مُجَاوَزَةُ الحَدِّ، وَالبُعْدُ عَنِ التَّوَسُّطِ وَالاِعْتِدَالِ إِفْرَاطاً أَوْ تَفْرِيطاً، قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِ كِتَابِهِ العَزِيزِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، أَيْ لاَ تَتَجَاوَزُوا المِقْدَارَ.
وَأَخِيراً وَلَيْسَ آخِراً اخْتَتَمَ بِمَا قَالَ جَلَالَةُ المَلِكِ أَنَّ الإِرْهَابَ هُوَ العُدْوَانُ الَّذِي يُمَارِسُهُ أَفْرَادٌ أَوْ جَمَاعَاتٌ أَوْ دُوَلٌ بَغْياً عَلَى الإِنْسَانِ فِي دِينِهِ وَدَمِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ، وَيَشْمَلُ صُنُوفَ التَّخْوِيفِ وَالأَذَى وَالتَّهْدِيدِ وَالقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَكُلَّ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ العُنْفِ أَوْ التَّهْدِيدِ يَقَعُ تَنْفِيذاً لِمَشْرُوعٍ إِجْرَامِيٍّ فَرَدِيٍّ أَوْ جَمَاعِيٍّ، وَيَهْدِفُ إِلَى إِلْقَاءِ الرُّعْبِ وَالذَّعَرِ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ تَرْوِيعِهِمْ بِإِيذَائِهِمْ، أَوْ تَعْرِيضِ حَيَاتِهِمْ، أَوْ حُرِّيَّاتِهِمْ أَوْ أَمْنِهِمْ لِلْخَطَرِ، لَكِنَّ الَّذِي كَانَ يُؤَكِّدُ عَلَيْهِ جَلَالَتُهُ هُوَ أَنَّ الدِّفَاعَ الشَّرْعِيَّ عَنِ النَّفْسِ وَرَدَّ المُعْتَدِي لَيْسَ إِرْهَاباً وَلاَ تَطَرُّفاً، بَلْ هُوَ فِي حَقِّ المُسْلِمِينَ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِذَا كَانَتْ خَاضِعَةً لِلضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي قَرَّرَهَا عُلَمَاءُ الأُمَّةِ.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟

قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل

تغيير مواعيد الطابور والحصص المدرسية اعتبارا من الأحد المقبل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

تحديد موعد العطلة الشتوية للمدارس

قطار كهربائي من عمان إلى المطار .. موعد التشغيل المتوقع وعدد الركاب

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

النجداوي يكشف معلومات مهمة عن شحنة زيت بني كنانة المضبوطة

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

قضية زيت بني كنانة .. متى يصبح الخبر والتعليق مخالفة قانونية؟