على صهيل الفجر في الكرك تبدّد ظلام الغدر

على صهيل الفجر في الكرك تبدّد ظلام الغدر

27-10-2026 07:39 AM

مع تباشير فجر أمس، حين لامست خيوط النور الأولى قمم جبال الكرك الأبية، تنفس الأردن الصعداء على إيقاع نصر أمني مؤزر، سطر فصوله نشامى الأمن ببسالتهم وعزيمتهم. فلم تكن المداهمة مجرد عملية أمنية عابرة، بل برهان ساطع على أن هذا الوطن عصي على الانكسار، وأن ذراعه الأمنية لا تلويها قوى الظلام، ولا تثني عزيمتها حماقات الإرهاب.
وكانت الرسالة حاسمة بأن العدالة لا تتهاون مع من يستمرئ الغدر، ويستبيح الحرمات، وأن حماية الوطن وأهله عهد لا يقبل المساومة. وجاء الرد الميداني من نشامى مديرية الأمن العام والأجهزة الاستخباراتية سريعا، وحاسما، مستهدفا وكر الإرهاب في بلدة الجديدة بالكرك، في مواجهة ثلة باغية حاولت العبث بأمن الوطن واستقراره، على خلفية الاستهداف الآثم لكنيسة بلدة حمود. وبهذا الرد، ترسخت حقيقة لا تقبل الجدل أن الأمن الأردني ليس درعا يحمي الحدود فحسب، بل منظومة احترافية متكاملة، قوامها عقيدة صلبة ويقظة دائمة، تحبط المخططات قبل أن يتطاير شررها، أو يمتد لهيبها إلى نسيج المجتمع.
سطر أشاوس قوات الأمن العام والقوات المشتركة الباسلة ملحمة ميدانية تستحق الفخر؛ إذ أداروا اشتباكًا مسلحًا حمى وطيسه ثلاث ساعات متواصلة، في بيئة سكنية ذات طبيعة جغرافية معقدة، ضد مجموعة متطرفة مدججة بالأسلحة والعتاد، وكان التحدي الأكبر في ظل الاشتباك الحفاظ على أرواح رجال الأمن والمدنيين في المنطقة وألا تراق قطرة دم واحدة من رجال الأمن أو المساس بأرواح المدنيين؛ وكان ذلك بعد جهد وسهر ومتابعة بالحصول على معلومات استخبارية دقيقة، وتخطيط محكم، ومهارة تكتيكية رفيعة، وانضباط عالٍ في إدارة غرف العمليات والميدان معًا.
وهكذا حمل فجر الكرك رسالة واضحة أن لهذا الوطن رجالًا يصونون عهده ويحرسون أمنه، ليبقى الأردن آمنًا منيعًا، عصيًّا على البغاة، ويجسد هذا الأداء درسا قاسيا لقوى الظلام والفكر المتطرف، ورسالة إلى أبواق التطرف العابرة للحدود بأن تعيد حساباتها ألف مرة قبل أن تراودها فكرة الاقتراب من حمى الأردن، أو التجرؤ على مؤسسات الدولة، أو ترويع المصلين الآمنين في دور العبادة، الإسلامية والمسيحية.
فالأردن لا يقبل القسمة على الفتن، ولم تزد المحاولات البائسة لزعزعة نسيجه الوطني بين المسلمين والمسيحيين إلا تلاحمًا في خندق الوطن الواحد؛ فالتعايش هنا ليس شعارًا طارئًا، بل إرثٌ تاريخي ومكوّنٌ أصيل في الشخصية الأردنية، تصونه القيادة الهاشمية برعايتها للمقدسات الإسلامية والمسيحية، ويشهد تاريخ هذه الأرض أنّ الإرهاب لم يجد فيها موطئ قدم راسخًا، وأنّ مصيره عليها إلى البوار. غير أنّ حسم المعركة في الميدان، على أهميته، ليس إلا نصف الطريق؛ فالرصاصة تُسقط إرهابيًّا، أما الفكرة المنحرفة فلا يهزمها إلا وعيٌ مضاد، ومن هنا تبرز الحاجة إلى معركة موازية تُخاض في المدرسة والجامعة، والمسجد والكنيسة، وعبر المنابر الإعلامية، وفي الفضاء الرقمي الذي بات ساحةً مفتوحة لتجنيد الصغار وتسميم العقول.
إنّ تحصين الشباب بخطاب ديني وسطي رصين، وترسيخ ثقافة قبول الآخر، وتمكين الأسرة والمجتمع المحلي من أداء دورهما في رصد المؤشرات المبكرة والإبلاغ عن أي سلوك مشبوه، تشكّل جميعها خطوط دفاع لا تقلّ أهمية عن الجهد الأمني. فالجبهة الداخلية المتماسكة هي السياج الأول لحماية الوطن، والمواطن الواعي شريك أصيل في معادلة الأمن الوطني.
وتتجاوز الرسالة الأردنية اليوم حدود العملية الأمنية الناجحة، لتؤكد للمجتمع الدولي والشركاء الاستثماريين أنّ ما جرى لن يوقف عقارب الساعة، ولن يعطّل مسيرة التحديث الشامل. فبينما كان نشامى الأجهزة الأمنية يتصدّون للخلية الإرهابية على ثرى الكرك، كانت القيادة وصنّاع القرار يواصلون صياغة فصول النهضة الأردنية، مؤكدين أنّ أمن الوطن ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل واقع راسخ رسوخ جبال شيحان.
ويمضي الأردن بثقةٍ وعزمٍ في مساراته الكبرى بالتحديث السياسي الساعي إلى توسيع قاعدة المشاركة الديمقراطية وتعزيز التمكين الحزبي؛ والتحديث الاقتصادي الهادف إلى ترسيخ الاعتماد على الذات؛ وتحديث القطاع العام بما يرفع كفاءة المؤسسات ويعزز سيادة القانون؛ والمسار الاستثماري المرتكز على جذب رؤوس الأموال إلى بيئةٍ آمنةٍ ومحفزةٍ للابتكار والإنتاج. وليعلم القاصي والداني أنَّ البيئة الاقتصادية والاستثمارية في المملكة ليست مجرد أرقامٍ في موازين التبادل التجاري، بل منظومةٌ متكاملة تسندها جبهةٌ داخليةٌ صلبة، وتحرسها عينٌ ساهرةٌ لا تغفل، وتحميها دولةٌ قادرةٌ على إنفاذ القانون. فالضربة الاستباقية الخاطفة في الكرك، وما حققتْه من حسمٍ دون خسائر في صفوف قواتنا، تحمل في جوهرها رسالة طمأنينةٍ واضحة أن الاستثمار في ربوع الأردن خيارٌ استراتيجيٌ آمنٌ ومستدام.
سيمضي الأردن قدمًا في مشاريعه الكبرى، مستندًا إلى وعي شعبه الأبيّ، وحكمة قيادته الهاشمية، وبسالة جيشه، ويقظة أجهزته الأمنية؛ ليبقى نموذجًا للدولة الحديثة المنيعة، التي تبني بيدٍ وتصنع الحضارة، وتحمل بالأخرى السلاح لتحمي منجزاتها وتصون مكتسباتها. وستبقى دماء ضحايا الاعتداء الآثم أمانةً في وجدان الوطن، تزيد الأردنيين إصرارًا على إعلاء الحق وتحقيق العدالة، وستظلّ راية الأردن خفّاقةً عزيزةً مكرّمةً في وجه كلّ من تسوّل له نفسه العبث بأمنه أو النيل من استقراره، وسيبقى الأردن وفيًّا لدماء شهدائه، ثابتًا في الدفاع عن أمنه، ماضيًا بثقةٍ نحو مستقبلٍ يصون كرامة الإنسان ويحفظ للوطن عزّته ومنعته.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟

قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل

تغيير مواعيد الطابور والحصص المدرسية اعتبارا من الأحد المقبل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

تحديد موعد العطلة الشتوية للمدارس

قطار كهربائي من عمان إلى المطار .. موعد التشغيل المتوقع وعدد الركاب

زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

النجداوي يكشف معلومات مهمة عن شحنة زيت بني كنانة المضبوطة

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

قضية زيت بني كنانة .. متى يصبح الخبر والتعليق مخالفة قانونية؟