في السودان… من قرأ كارل ماركس؟

في السودان… من قرأ كارل ماركس؟

27-10-2026 07:29 AM

نقاش طريف أحدثته اعترافات القيادي الشيوعي السوداني صديق يوسف، التي قال فيها، إنه لم يقرأ كتاب كارل ماركس الشهير «رأس المال»، ولم يهتم بالاطلاع على كتب الشيوعية ومراجعها الأساسية. شعر البعض بالغرابة في هذا الحديث، الذي أدلى به يوسف في برنامج «بودكاست» مؤخرا. هذه لم تكن المرة الأولى، التي يقول فيها صديق يوسف، الذي تمتد تجربته كناشط شيوعي لأكثر من سبعين عاما، إنه لم تكن له اهتمامات بالتعرف على الفكر الشيوعي، وأنه يترك تلك «الفلسفة» للأكاديميين.
يقول يوسف، الذي هو اليوم الرمز الأهم للحزب الشيوعي السوداني، الذي يعد أحد أعرق الأحزاب اليسارية في المنطقة، إن ما يهمه لم يكن الكتب المعقدة، ولا التجربة الشيوعية الغربية نفسها، وإنما «الثورة السودانية».
إذا حاولنا الفهم فربما كان المقصود هو الاهتمام بالنضال المحلي، وليس التجارب العالمية، إلا أن هذا أيضا يبدو غريبا، فعلى أي أساس سوف يبنى هذا النضال المحلي؟ وهل المقصود هو الوصول لمثال اشتراكي فضفاض، أم تحقيق النموذج الشيوعي، بل هل يمكن أن يدرك المرء من دون أن يجد الفرصة الكافية للاطلاع الفوارق بين مفهومي الاشتراكية والشيوعية؟ ولماذا يختار المرء أن يسمى شيوعيا، إذا كان لم يقرأ ماركس ولا لينين، ولا يعرف كيف بنيت هذه الفكرة، وما هي تصوراتها للثورة وللحياة السياسية والاقتصادية؟ نترك هذه الأسئلة لعلها تجد إجابة شافية عند المناضلين المتحمسين، الذين ما يزالون يتمسكون بفخر باللافتة الشيوعية رافضين تغيير الاسم، أو الانتماء لأي حزب أو حركة أخرى صاعدة، كما فعل كثيرون.
في إجابة ثانية عن سؤال حول ما إذا كان ينصح الشباب من الحزب بقراءة الكتب الشيوعية والماركسية قال، إنه لا ينصحهم بذلك، وهو يجد أن كتبا أخرى، كتلك التي تتحدث عن تاريخ الثورات ربما تكون أكثر فائدة.
يقلل يوسف من شأن الكتب التأسيسية مثل «رأس المال»، بل يعتبر أنه مجرد كتاب اقتصاد قد لا يكون مفيدا إلا لفئة الاقتصاديين، وهي مفارقة لافتة، فبينما يتحدث فلاسفة وسياسيون ومثقفون بعضهم مناهض للشيوعية، عن «رأس المال»، وكتب ماركسية أخرى باهتمام ويقتلونها بحثا وتفنيدا، يتفاجأ المرء بأن أحد أهم رموز اليسار الراديكالي ينصح بالاتجاه لقراءة كتب أكثر فائدة. يحمد ليوسف بكل تأكيد تواضعه واعترافه بأنه رجل بسيط لا يقوى على المناقشات الفلسفية العميقة، لكن إذا كان الأمر هو مجرد نشاط سياسي، أو مجرد دعوة للمساواة والعدالة الاجتماعية، فلماذا أصر هو ورفاقه على «النضال» بهذا الاتجاه، حاملين لافتة لا يفهمونها ولا يستوعبون كل حمولاتها الفلسفية والسياسية؟ ما اعترف به يوسف، وما ينطبق على كثير من رفاقه، يفسر لنا الكثير من التناقضات، التي تبدو عصية على الفهم، والتي لا تعد نادرة في مجتمعاتنا، كظاهرة الشيوعي المتدين، أو الشيوعي المتصوف، الذي يظل يدافع عن إيمانه رافضا أن يتم الربط بينه وبين الإلحاد. يظن البعض أن هذه الشخصيات تدعي أنها مؤمنة، حتى تنال الاحترام في مجتمع يغلب عليه التدين، لكن ما سيفاجئك هو أنها قد تكون متدينة فعلا من دون أن تجد في ذلك غضاضة.
هذا النوع من المناضلين يأخذ الأمر ببساطة، من دون اطلاع جاد على الفكر الفلسفي الشيوعي، لذلك فهم لا يرون تناقضا بين ممارسة الدين والانتماء للشيوعية، التي لا تعني عند هؤلاء سوى الثورة ومحاولة تغيير الواقع عبر خلق نوع من المساواة بين أفراد المجتمع.
لا يتقتصر الأمر على يوسف، الذي يرى أنه رجل عمل، وليس رجل اطلاع ولا بحث، وإنما يتعداه لكثير من رفاقه من فئة الكتاب والمثقفين المنتمين سياسيا للمدرسة الشيوعية، الذين تقرأ لهم فلا تشعر بأن في كتاباتهم انعكاسا للفكرة الماركسية اللينينية. أعني أنه لا حديث مكثف عن الصراعات الطبقية في هذه الكتابات، ولا استخدام للتفسير المادي للتاريخ والوجود في تحليل الوقائع، ولا حتى استعانة بالمصطلحات، التي ارتبطت بتاريخ الفلسفة الشيوعية.
تتضح الأزمة أكثر حينما تتفاجأ بعشرات المنشورات، التي تمجد الجهل، والتي تعتبر، دفاعا عن هذه الإفادات وعن صاحبها، أنه لا يشترط على المرء أن يكون مثقفا أو قارئا حتى ينتمي للشيوعية، وأنه يكفيه أن يكون «مؤمنا بالنضال».
الحقيقة هي أن «البيان الشيوعي» لم يكن مجرد نظرية اقتصادية، ولا مجرد دعوة لتحقيق نظام أكثر عدالة، بل كان بحثا عميقا جمع بين التاريخ والفلسفة ليتتبع منبع الثروات ومساراتها مكونا قراءة معاكسة لنموذج الرأسمالية الصاعد، المتهم بتقسيم المجتمع إلى طبقات. النقاش حول هذه الرؤية التحليلية لقوى الإنتاج وعلاقتها بالمنتجين، الذين هم الآلاف من العمال، الذين تظلمهم التجربة الرأسمالية وتجعلهم يعيشون حياة صعبة، هو ما يجعل الماركسية في موضع النقاش حتى يومنا الحالي، بل إنها كانت حاضرة حتى في تظاهرات فرنسا الأخيرة، التي أنشد فيها بعض المتظاهرين أناشيد شيوعية.
لا يمكن تكفير شيوعي بعينه، أو نفي الإيمان عنه، لكن لا يمكن، في الوقت ذاته، إنكار حقيقة ارتباط الشيوعية بالإلحاد، فليس من المصادفة أن تُحارب الأنظمة الشيوعية في كل مكان وصلت فيه أحزاب ماركسية إلى السلطة الدين، وبالذات الدين الإسلامي. لن يتطلب منك الأمر تبحرا عميقا في البحث والقراءة حتى تعرف أن السبب في هذا الارتباط هو أن الماركسية اللينينية كانت تقدم قراءة بديلة للعالم وللحياة، وهي قراءة تقدم تصورات مناقضة للقراءات الدينية، بل إنها حتى وإن تصالحت على مضض مع الأديان الروحانية محاولة التعايش معها، فإنها لا يمكن أن تقبل أو تحتوي الإسلام، الذي يتجاوز فيه الدين ما يتعلق بالصلوات الفردية إلى وضع أطر تفصيلية للتعاملات المالية والاجتماعية، بل حتى لأدق الخصوصيات الشخصية.
المشكلة في نظري هي أكبر من محاولات الدفاع أو التبرير المتعلقة بالحزب الشيوعي ومدى قراءة منسوبيه واستيعابهم للفكرة، التي يدافعون عنها، ويعملون تحت مظلتها. الأمر يتعلق باستسهال عام وزهد في الإطلاع والقراءة. بإنصاف يمكننا أن نقول، إن هذا لا ينطبق فقط على الشيوعيين، وإنما على سياسيين آخرين أيضا من بينهم كثير من الإسلاميين، الذين يتعاملون مع المسألة أيضا على طريقة الشيوعيين بتبسيط كبير ويتخذون من شعار الإسلام لافتة يمارسون خلفها نضالا سياسيا، من دون أن يكونوا قد اطلعوا بالضرورة على كثير من الكتب، سواء القديمة التراثية، أو حتى التي خطها إسلاميون معاصرون.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟

قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل

تغيير مواعيد الطابور والحصص المدرسية اعتبارا من الأحد المقبل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

تحديد موعد العطلة الشتوية للمدارس

قطار كهربائي من عمان إلى المطار .. موعد التشغيل المتوقع وعدد الركاب

زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

النجداوي يكشف معلومات مهمة عن شحنة زيت بني كنانة المضبوطة

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

قضية زيت بني كنانة .. متى يصبح الخبر والتعليق مخالفة قانونية؟