حبيبي تشرين الذي قرر أن يكون ثورة
27-10-2026 07:29 AM
لم يكن «تشرين الأول» في تقويمي الشخصي على الأقل سوى شهر عابر يتغير فيه التوقيت الصيفي إلى الشتوي وتعود عقارب الساعة ستين دقيقة إلى الوراء، كأن الزمن يمنحنا فرصة صغيرة لاستعادة ساعة ضاعت من أعمارنا. وربما كان يعني العودة إلى المدارس حين تنتشر القمصان البيضاء و»الصداري» الزرق في شوارع المدينة ويستيقظ الصباح على كسل الأيام المقتطعة من الصيف. قد نصادف في هذا الشهر مطرا خجولا ومفاجئا فنلوذ بالجدران القريبة، وربما يكون شرطي المرور قد تخلى عن قميصه الأبيض وارتدى قميصه الكحلي الداكن، مستبقا شتاء قد يتأخر قليلا. لم يكن لتشرين امتياز خاص على بقية الشهور، حتى قرر ذات يوم ألا يكون شهرا في التقويم، بل يكون حدثاً في التاريخ.
في نهار ذلك الثلاثاء، الأول من تشرين الأول عام 2019، تدافع شباب عراقيون نحو الشوارع، ولم يكونوا يعرفون على الأرجح، أنهم ذاهبون إلى كتابة فصل جديد من تاريخ بلادهم. لم يحملوا معهم سوى أجسادهم وأحلامهم البسيطة، وهي أحلام تبدو متواضعة إلى حد الإهانة حين نتذكر أن أصحابها لم يطالبوا بالمستحيل وإنما بوطن يستطيع الإنسان أن يعيش فيه دون أن يضطر إلى الاعتذار عن وجوده. كانوا يريدون عملا وكرامة ومستقبلا لا يحتاج إلى معجزة، غير أن المطالبة بالحياة في بلد اعتاد توزيع الموت تحولت إلى مغامرة شديدة الخطورة. أفكر كثيراً في تلك المفارقة التاريخية التي تجعل بعض الأجيال تولد في زمن عادي ثم تجد نفسها فجأة مسؤولة عن المعنى الأخلاقي لبلاد كاملة. لم يكن شباب تشرين ملائكة ولا أبطالا خرجوا من الأساطير وإنما كانوا بشرا عاديين، وربما تكمن عظمتهم في هذه العادية تحديدا. كانوا يضحكون ويحبون ويتشاجرون ويحلمون بالسفر، ولعل بعضهم خرج من بيته وهو يعد أمه بالعودة قبل العشاء. لكن التاريخ حين يفتح بابه على نحو مفاجئ لا يخبر الداخلين إليه بأنهم قد لا يعودون.
لقد أعاد تشرين إلى العراقيين اكتشاف فكرة الوطن بعد سنوات طويلة من اختزالها في السلطة والطائفة والحزب والشعار. ففي ساحات الاحتجاج، لم يعد الوطن خريطة معلقة على جدار مدرسة، ولا نشيدا نؤديه واقفين قبل أن نعود إلى حياة لا تشبه كلماته، بل صار علاقة أخلاقية بين غرباء قرروا أن مصير أحدهم يعني الآخرين. كان الشاب الذي يركض لإنقاذ مصاب لا يسأله عن مذهبه، والفتاة التي تعدّ الطعام للمتظاهرين لا تطلب منهم إثبات انتمائهم. هكذا استعاد العراقيون ولو للحظة، ذلك المعنى الأول للجماعة البشرية، حين يكون التضامن سابقا على الهوية، وتكون حياة الإنسان أهم من جميع التعريفات التي اخترعناها له.
ولعل أكثر ما أرعبني في تلك الأيام أن الموت لم يكن احتمالا بعيدا، بل صار جزءا من المشهد اليومي، ومع ذلك استمر الناس في الخروج. لم تكن تلك شجاعة ناتجة عن الاستهانة بالحياة كما قد يتصور البعض، وإنما عن التعلق العميق بها. فالإنسان الذي يخاطر بحياته من أجل مستقبل أفضل لا يحب الموت، بل يرفض أن تكون حياته مجرد انتظار طويل له. ومن هنا تبدو لي لحظة تشرين واحدة من أكثر لحظات العراق حباً بالحياة، رغم أن صورها امتلأت بالفقد الذي لا يحتمل.
ثمة خطأ نرتكبه حين نقيس الثورات بالنتائج السياسية المباشرة وحدها، كأن التاريخ مؤسسة محاسبية لا تعترف إلا بالأرباح والخسائر. فقد تخفق ثورة في تحقيق مطالبها، لكنها تنجح في تغيير الإنسان الذي خرج إليها وتبدل إلى الأبد طبيعة الأسئلة التي يطرحها المجتمع على نفسه. قبل تشرين، كان الخوف يبدو جزءا طبيعيا من شروط العيش، أما بعده فقد أصبح الخوف نفسه موضع مساءلة. وهذا تحول لا تستطيع صناديق الاقتراع وحدها قياسه ولا تستطيع الحكومات إلغاءه بقرار. لا أريد أن أكتب عن شهداء تشرين بوصفهم أرقاما في سجل الخسارات العراقية، فلكل واحد منهم حياة كاملة لم تكتمل. كانت هناك أم تنتظر صوت المفتاح في الباب، وحبيبة تؤجل عتابها إلى المساء، وكتب مفتوحة على صفحات لن يكمل أصحابها قراءتها. إن فداحة الموت لا تكمن في توقف القلب وحده، بل في انقطاع المستقبل الذي كان يسكن صاحبه. كل شهيد هو سنوات لم تعش، وأطفال لم يولدوا، ورسائل لم تكتب، وأعياد ميلاد لن يأتي أصحابها إليها. ولهذا فإن العدالة ليست ترفاً سياسياً نطالب به في المناسبات، ولا سيما أن الحد الأدنى من الوفاء لأولئك الذين دفعوا ثمن الحلم نيابة عنا هو أن نظل نكتب عنهم حتى اللحظة الأخيرة من حياتنا، نحن العاديين الحقيقيين، في معادلة الوطن، كما يجب أن يكون.
واليوم حين يعود تشرين إلى التقويم، لا أستطيع النظر إليه بوصفه ذكرى انتهت. إن بعض الأحداث تنقضي في الزمن، لكنها تظل مفتوحة في الضمير. ولعل الثورات لا تحتاج دائما إلى أن تنتصر كي تترك أثرها، فحسبها أحيانا أن تجعل العودة إلى الصمت القديم مستحيلة.
حبيبي تشرين؛ لقد كنت شهرا نستعيد فيه ساعة من الزمن ثم أصبحت شهرا خسرنا فيه أعمارا لا يمكن استعادتها. وما أقسى هذه المفارقة، وما أعظم معناها: أن الذين خرجوا يطالبون بمستقبلهم منحوا العراق، من داخل أعمارهم القصيرة، مستقبلا آخر للذاكرة وللأمل ولو بعد حين. ومنذ ذلك الثلاثاء؛ لم تعد عقارب الساعة العراقية قادرة على العودة إلى الوراء بالطريقة نفسها، لأن الزمن الذي يمر فوق دماء الأبرياء لن يعود، في كل الأحوال، بريئاً أبداً.
برعاية ملكية .. انطلاق معرض "سوفكس 2026" اليوم بالعقبة
1972 طنا من الخضار ترد السوق المركزي .. أسعار
رسالة وفاء للراحلة حياة الفهد في احتفالية إعادة تطوير مسرح "الدسمة"
الإسبانية ألكسيا بوتياس تتوج بالكرة الذهبية لعام 2026 للمرة الثالثة في مسيرتها
"بومة" محطة فارقة في المسيرة الفنية للأردنية ركين سعد
منع فلافيو بولسونارو من السفر وتصاعد التوتر السياسي في البرازيل
الثنائيات الزائفة في نقد احتكار العلمانية لتعريف الدولة والقانون والمواطنة
أمطار غزيرة ورعدية وتحذيرات من السيول اليوم وغدا
على صهيل الفجر في الكرك تبدّد ظلام الغدر
آيزنكوت لا يُسقط نتنياهو، بل يُكمل مشروعَه
حبيبي تشرين الذي قرر أن يكون ثورة
الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟
متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟
قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل
تغيير مواعيد الطابور والحصص المدرسية اعتبارا من الأحد المقبل
السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء
تحديد موعد العطلة الشتوية للمدارس
قطار كهربائي من عمان إلى المطار .. موعد التشغيل المتوقع وعدد الركاب
زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.
بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك
الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا
ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل
القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت
النجداوي يكشف معلومات مهمة عن شحنة زيت بني كنانة المضبوطة
الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم
قضية زيت بني كنانة .. متى يصبح الخبر والتعليق مخالفة قانونية؟