ابن خلدون والعرب: هل كان مؤرخ العمران يذمّ العرب أم يحلّل شروط تكوّن الدولة وسقوطها؟

ابن خلدون والعرب: هل كان مؤرخ العمران يذمّ العرب أم يحلّل شروط تكوّن الدولة وسقوطها؟

30-10-2026 11:55 PM

ليس غريباً أن يُستدعى ابن خلدون كلما أُريد تقديم تفسير تاريخي لما يُوصف بأنه إخفاق العرب في بناء الدولة أو المحافظة على العمران، لكن الغريب أن الاستشهاد به يجري غالباً من خلال جملة واحدة، تُنتزع من سياقها النظري، ثم تُقدّم باعتبارها خلاصة موقفه من العرب: «العرب إذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب».


وقد تحوّلت هذه العبارة في بعض الخطابات المعاصرة إلى ما يشبه الشهادة التاريخية على وجود عيب أصيل في الشخصية العربية، أو إلى دليل على أن العرب بطبيعتهم عاجزون عن بناء الدولة، وأن الفوضى والتنازع والتخريب سمات متأصلة فيهم.


غير أن هذه القراءة تتجاهل ثلاثة أمور أساسية:
● أن ابن خلدون كان يدرس أنماط الاجتماع البشري، لا يصدر أحكاماً عرقية بالمعنى الذي نستخدمه اليوم.
● أن مصطلح «العرب» في عدد من فصول المقدمة مرتبط بالعربان وأهل البادية، وفي سياق المقابلة بين البداوة والحضارة.
● أن ابن خلدون نفسه يقرر خصائص إيجابية لأهل البدو، ويجعلهم أصل العمران، ويتحدث عن قربهم من الخير والشجاعة وسرعة قبول الحق.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين: لا يصح إنكار أن ابن خلدون أطلق تعميمات قاسية على العرب في بعض المواضع، ولا يصح كذلك تحويل تلك التعميمات إلى وصف أبدي لجميع العرب في كل الأزمنة والأحوال.
إن التحقيق الحقيقي يقتضي قراءة النص كاملاً، ومقارنة فصوله بعضها ببعض، وفهم المصطلحات داخل بنية الكتاب، ثم اختبار مدى اتساق الاستنتاج الشائع مع مجموع نظرية ابن خلدون.


أولاً: ماذا كان يقصد ابن خلدون بالعرب؟
هذه هي المسألة المفتاحية التي تتوقف عليها قراءة موقف ابن خلدون.
فكلمة «العرب» في الاستعمال التاريخي الوسيط لم تكن دائماً مطابقة لمفهوم الأمة العربية الحديث. فقد استُخدمت أحياناً للدلالة على العربان وأهل البادية، في مقابل أهل الأمصار والحضر.


وهذا التمييز ليس افتراضاً دفاعياً مستحدثاً؛ بل تؤيده بنية أبواب المقدمة نفسها.
فابن خلدون وضع حديثه عن العرب في الباب الثاني المعنون بـ«العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل وما يعرض في ذلك من الأحوال»، وجعل فيه فصولاً تتناول طبيعة البداوة، والعصبية، والقبائل، وعلاقة البدو بالحضر، ثم أفرد فصولاً للعرب وعلاقتهم بالملك والعمران. ويكي مصدر +1
والأكثر دلالة أن الأستاذ ساطع الحصري تناول هذه المسألة في دراسته «هل الشقاق طبع في العرب؟»، المنشورة في مجلة الرسالة، وذهب إلى أن ابن خلدون كان يقصد بالعرب في تلك المواضع العربان وأهل البادية، لا جميع أفراد الأمة العربية بمفهومها العام.


واستند الحصري إلى قرائن داخلية من نص المقدمة؛ منها أن ابن خلدون يتحدث عن الرحلة والخيام وتفكيك المباني للحصول على الأخشاب والحجارة، وهي أوصاف تتعلق بمجتمع رعوي متنقل، ولا يمكن إسقاطها على سكان المدن العربية المستقرة في دمشق والقاهرة وتونس وفاس.
بل إن ابن خلدون نفسه يقابل في مواضع أخرى بين العرب والحضر، ويتحدث عن ابتعاد العرب عن الصنائع والعلوم باعتبارها من منتحل الحضر، وهو ما يعزز أن المصطلح في هذا السياق اجتماعي وعمراني، لا قومي شامل. ويكي مصدر +1
وهذا لا يعني أن ابن خلدون لم يدرس العرب بوصفهم جماعة تاريخية، وإنما يعني أن فهم موضوعه يقتضي التمييز بين العرب باعتبارهم جماعة لغوية وتاريخية واسعة، والعربان باعتبارهم نمطاً من أنماط الاجتماع البدوي.


ثانياً: ما الذي انتقده ابن خلدون فعلاً؟
لنقرأ العبارة الشهيرة في سياقها.
يقول ابن خلدون في الفصل السادس والعشرين:
«والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلقاً وجبلة، وكان عندهم ملذوذاً لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة».
ثم يشرح أسباب فساد العمران، ويذكر منها:
● الرحلة والتنقل، وما يترتب عليهما من ضعف الاستقرار العمراني.
● الاستيلاء على أموال الناس دون ضوابط تحفظ الملكية.
● إهدار قيمة أعمال أصحاب الحرف والصنائع وعدم إعطائهم أجورهم.
● ضعف العناية بالأحكام وتنظيم المصالح العامة.
● التنافس على الرئاسة وتعدد مراكز السلطة.
● اضطراب الجباية والأحكام نتيجة تنازع الحكام.

لاحظ هنا أمراً بالغ الأهمية: ابن خلدون لا يفسر خراب العمران بنقص الذكاء أو العجز العقلي أو فساد عرقي متوارث، وإنما يقدّم سلسلة من الآليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
إنه يتحدث عن مشكلة في العلاقة بين نمط الاجتماع البدوي ومتطلبات الدولة المستقرة.
فالدولة، وفق تصوره، تحتاج إلى استقرار، وحماية للملكية، وتنظيم للعمل، وإنفاذ للأحكام، وتوزيع واضح للسلطة، وضبط للتنافس على الرئاسة.
أما الجماعة التي تقوم حياتها على التنقل والغلبة والغارة، وتحتفظ بعلاقات سياسية قائمة على العصبية والمنافسة الشخصية، فإن انتقالها إلى الحكم قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أنماطها الاجتماعية داخل المجال السياسي.
وهنا تكمن الفكرة الأهم: المشكلة عند ابن خلدون ليست في الأصل العربي، بل في انتقال منطق البداوة إلى ممارسة السلطة دون التحول إلى مقتضيات العمران السياسي.
وهذا تفسير قابل للنقاش والنقد، لكنه يختلف جذرياً عن الادعاء بأن العرب يحملون في تكوينهم العرقي استعداداً فطرياً لتدمير الدول.
ثالثاً: المفارقة التي يتجاهلها أصحاب القراءة السلبية: ابن خلدون لم يكن يفضّل أهل الحضر على أهل البدو في كل شيء
من أبرز الأدلة على قصور القراءة الشائعة أن من يقتطع الفصل الخاص بخراب العمران يتجاهل الفصول السابقة التي يتحدث فيها ابن خلدون عن خصائص أهل البدو.
ففي الباب الثاني نفسه، وضع فصلاً بعنوان:
«في أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر».
ووضع فصلاً آخر بعنوان:
«في أن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر».

وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل.
فابن خلدون الذي يصف بعض عادات البداوة بأنها منافية للعمران، يرى في أهل البدو أيضاً خصائص أخلاقية وإنسانية تتراجع لدى بعض أهل الحضر بفعل الترف والانغماس في الملذات والاعتماد على أجهزة الحماية.
إنه لا يرسم صورة أحادية للبدوي باعتباره إنساناً أدنى من الحضري، بل يميز بين مزايا البداوة ومساوئها، كما يميز بين مزايا الحضارة ومخاطرها.
فالبدوي عنده أقرب إلى الشجاعة والاعتماد على النفس، وأهل الحضر أكثر تعرضاً لما ينشأ عن الترف من ضعف البأس والاتكال على الحماية الخارجية.


وهذا يعني أن البداوة والحضارة ليستا عنده تصنيفاً عرقياً، وإنما مرحلتان أو نمطان من الاجتماع، لكل منهما شروطه وخصائصه ومشكلاته.
والأهم أن البادية ليست نقيض العمران من حيث الوجود، بل هي أصله التاريخي والاقتصادي؛ فالأمصار تعتمد في معاشها على البادية، والضروري سابق على الحاجي والكمالي.


وبذلك تصبح العلاقة بين البداوة والحضارة علاقة تكامل تاريخي، وإن كانت تتضمن توتراً وصراعاً في مراحل الانتقال السياسي.
رابعاً: العرب والملك: لماذا ربط ابن خلدون قيام الدولة بالدين؟
من أكثر الفصول التي تكشف طبيعة تحليل ابن خلدون الفصل السابع والعشرون، وعنوانه:
«في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة».
يذهب ابن خلدون إلى أن العرب، بسبب قوة العصبية والمنافسة على الرئاسة وصعوبة انقياد بعضهم لبعض، يحتاجون إلى وازع يتجاوز المصالح القبلية المباشرة، ويجمعهم حول غاية مشتركة.
ويشرح أن الوازع الديني يخفف من التنافس، ويوحد الاتجاه، ويمنح الجماعة قدرة على تجاوز الانقسامات الداخلية، بما يسمح بتحول العصبية إلى قوة سياسية قادرة على تأسيس الملك. ويكي مصدر +1
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر أفكار ابن خلدون أهمية: الدين ليس مجرد عنصر تعبدي في حياة الجماعة، بل يمكن أن يؤدي وظيفة تاريخية في تأسيس التضامن السياسي وتجاوز الانقسامات العصبية.

 


ولعل المثال الأبرز الذي كان حاضراً في ذهنه هو انتقال العرب بالإسلام من حالة التفرق القبلي إلى بناء دولة واسعة تجاوزت حدود الجزيرة العربية.
فلو كان ابن خلدون يرى أن العرب عاجزون بطبيعتهم عن تأسيس الملك، لما أمكن تفسير تخصيصه هذا الفصل لتحليل الشروط التي جعلت اجتماعهم ممكناً، ولا سيما الأثر التاريخي للنبوة والدين في توحيدهم.
إنه لا ينفي قدرتهم على بناء الدولة، بل يفسر الشروط التي تجعل هذه القدرة ممكنة في تصوره.
خامساً: هل كان ابن خلدون يصف العرب وحدهم أم يصف ظاهرة اجتماعية عامة؟
هذه النقطة من أهم ما ينبغي التوقف عنده؛ لأنها تكشف حدود القراءة القومية للنص.
إن ابن خلدون لم يحصر ظاهرة البداوة والعصبية في العرب، بل درسها باعتبارها ظاهرة اجتماعية تتكرر لدى جماعات مختلفة.
وفي سياق حديثه عن العصبيات والقبائل، يذكر جماعات من البربر وزناتة والأكراد والتركمان والترك وغيرهم، ويقارن بينها من حيث أنماط الاجتماع والقدرة على التغلب وتأسيس الملك.
فالمتغير الأساسي في تحليله ليس الانتماء العربي، وإنما نمط الاجتماع، وقوة العصبية، وطبيعة العلاقة بين الجماعة والسلطة والعمران. مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية +1
وهنا تظهر مشكلة القراءة التي تحوّل كلامه إلى إدانة للعرب: لماذا تُستحضر ملاحظاته عن العرب بوصفها حقائق جوهرية ثابتة، بينما تُهمل تحليلاته المماثلة للجماعات الأخرى؟
إذا كانت العصبية القبلية، والتنافس على الرئاسة، وضعف المؤسسات، والاستيلاء على موارد الآخرين، ظواهر يمكن أن تنتجها أنماط اجتماعية متعددة، فإن تحويلها إلى خصائص عربية أبدية يُعد خروجاً على المنهج المقارن الذي أسس له ابن خلدون.
فهو لم يقل إن الاستبداد أو التنازع أو خراب العمران حكر على العرب، وإنما وضع هذه الظواهر ضمن نظرية عامة في الاجتماع البشري.
سادساً: المفارقة الكبرى: العرب الذين وصفهم ابن خلدون بصعوبة الانقياد هم أنفسهم الذين أسسوا إمبراطوريات كبرى
إذا أردنا اختبار القراءة السائدة تاريخياً، فعلينا ألا نتوقف عند نص ابن خلدون، بل أن نضعه أمام الوقائع التاريخية التي سبقت عصره وعاصرته.
فالتاريخ العربي الإسلامي يقدم نماذج لا يمكن تجاوزها:
1. التجربة النبوية والخلافة الراشدة
شهدت الجزيرة العربية تحولاً سياسياً واجتماعياً عميقاً مع ظهور الإسلام؛ إذ انتقلت جماعات قبلية متفرقة إلى وحدة سياسية ودينية استطاعت تأسيس دولة توسعت خارج الجزيرة.
وهذا المثال ينسجم مع ملاحظة ابن خلدون عن الدور الجامع للدين، لكنه يكشف أيضاً أن العصبية ليست قدراً ثابتاً يمنع العرب من الاجتماع السياسي.
2. الدولة الأموية
أسس العرب في العصر الأموي دولة امتدت من حدود الصين شرقاً إلى الأندلس غرباً، وأقامت جهازاً إدارياً وسياسياً، وطورت الدواوين والنظم المالية، وأسهمت في بناء مدن ومراكز حضارية كبرى.
لم تكن هذه التجربة مجرد غلبة قبلية عابرة، بل كانت تجربة في بناء سلطة إقليمية واسعة، وإن ظلت تعاني من تناقضات سياسية واجتماعية داخلية.
3. الدولة العباسية
تطورت في العصر العباسي مؤسسات الإدارة والمال والترجمة والعلوم، وازدهرت بغداد بوصفها مركزاً حضارياً عالمياً.
وهنا من المهم ملاحظة أن الحضارة الإسلامية لم تكن إنجازاً عرقياً عربياً خالصاً، بل شاركت في بنائها جماعات وأعراق متعددة، لكنها أيضاً لم تكن منفصلة عن الدور السياسي والثقافي الذي اضطلع به العرب.
4. الأندلس
تمثل التجربة الأندلسية دليلاً آخر على قدرة المجتمعات العربية الإسلامية على تأسيس مدن ومؤسسات واقتصادات حضرية معقدة، امتدت آثارها قروناً.
ولا يعني استحضار هذه التجارب أن الدول العربية الإسلامية كانت مثالية أو خالية من الصراعات، بل يعني أن تعميم فكرة العجز العربي عن بناء العمران لا يصمد أمام التاريخ نفسه.
ومن ثم، فإن السؤال الصحيح ليس: هل استطاع العرب بناء الحضارة؟
فهذا أمر تثبته الوقائع.
بل السؤال: ما الشروط التي جعلت بعض التجارب العربية قادرة على بناء الدولة والعمران، وما العوامل التي أدت إلى تراجعها أو تفككها؟
وهذا بالضبط هو نوع الأسئلة الذي ينبغي أن نطرحه انطلاقاً من منهج ابن خلدون، لا أن نحول عباراته إلى أحكام نهائية على أمة بأكملها.
سابعاً: ابن خلدون ليس معصوماً من التعميم، ولكن لا يجوز أن نحاكمه باقتطاع عباراته
من الإنصاف العلمي ألا نذهب إلى الطرف المقابل، فنحوّل ابن خلدون إلى مدافع عن العرب، أو ندعي أنه لم يطلق أحكاماً سلبية عليهم.
فالنص واضح في أنه يستخدم لغة حادة، ويعمم بعض الصفات على العرب في سياق تحليله، كما أن تصوره عن العرب وأهل البادية يتضمن أحكاماً تاريخية قابلة للنقد والمراجعة.
لكن ثمة فرقاً بين ثلاثة مستويات:
● النص: ما قاله ابن خلدون بالفعل عن العرب في بعض الفصول.
● السياق: الموضع الذي وردت فيه هذه الأقوال، وعلاقته بموضوع البداوة والعصبية والعمران.
● التأويل: تحويل تلك الأقوال إلى حكم على العرب بوصفهم أمة وعرقاً وحضارة عبر التاريخ.
والخطأ يقع حين ننتقل من المستوى الأول إلى الثالث دون المرور بالثاني.
كما أن ابن خلدون نفسه لم يكن يقدم وصفاً إحصائياً محايداً بالمعايير الحديثة، ولا دراسة تجريبية بالمعنى المعاصر؛ بل كان يبني نظرية تفسيرية انطلاقاً من ملاحظاته التاريخية والاجتماعية، وقد تتضمن بعض تعميماته حدود عصره ومصادر معرفته.
ولذلك فإن الدفاع العلمي عن ابن خلدون لا يكون بإنكار نصوصه، وإنما بإعادة وضعها في مواضعها الصحيحة، ثم مناقشة صلاحيتها التفسيرية.
ثامناً: من ابن خلدون إلى واقعنا المعاصر: هل المشكلة في العرب أم في بنية السلطة؟
هنا يمكن الانتقال من التحقيق التاريخي إلى السؤال السياسي المعاصر.
فإذا أخذنا ابن خلدون بجدية، فإن علينا أن نستخدم أدواته لتحليل واقعنا، لا أن نستعمله لإنتاج خطاب جلد الذات الحضاري.
إن أبرز ما يلفت الانتباه في تحليله لخراب العمران هو تركيزه على عناصر لا تزال حاضرة في كثير من أزمات الدول المعاصرة:
● غياب المؤسسات القادرة على ضبط السلطة.
● تحول الحكم إلى مجال للتنافس الشخصي والعائلي والفئوي.
● تغليب الجباية على تنمية الإنتاج.
● إضعاف أصحاب الحرف والأعمال ومصادرة قيمة عملهم.
● عدم حماية الأموال والحقوق من تغول السلطة.
● غياب السياسة التي تحقق المصالح العامة وتضبط النزاعات.
● تحول الدولة إلى أداة للغلبة بدلاً من كونها إطاراً لتنظيم الاجتماع البشري.
تأمل هذه العناصر: أليست أقرب إلى وصف أزمات سياسية ومؤسسية معاصرة منها إلى وصف خصائص عرقية؟
إن الحاكم الذي يصادر أموال الناس، ويستنزف موارد المجتمع، ويضعف المؤسسات، ويجعل الولاء الشخصي معياراً لتوزيع المنافع والسلطة، يمارس من الناحية الوظيفية بعض الآليات التي ربط ابن خلدون بينها وبين فساد العمران، بصرف النظر عن أصله العرقي أو قوميته.
وهنا يمكن تطوير قراءة معاصرة لابن خلدون تقوم على نقل مركز التحليل من الهوية إلى المؤسسة، ومن العرق إلى بنية السلطة، ومن الأحكام الثقافية العامة إلى الآليات السياسية والاقتصادية التي تنتج التخلف والانهيار.
ليس السؤال إذن: لماذا العرب هكذا؟
بل: ما أنماط الحكم والمؤسسات والحوافز السياسية التي تجعل مجتمعات معينة عاجزة عن تحويل مواردها البشرية والاقتصادية إلى عمران مستقر؟
وهذا انتقال من التفسير الجوهري الذي يردّ الظواهر إلى طبيعة الشعوب، إلى التفسير البنيوي الذي يبحث في شروط إنتاج الظواهر واستمرارها.
ومن المفارقات أن هذا الانتقال أقرب إلى روح المشروع الخلدوني من القراءات التي تستشهد به لتبرير أحكام مسبقة على العرب.
تاسعاً: القراءة التي ينبغي أن نخرج بها من مقدمة ابن خلدون
إن القيمة الحقيقية لمشروع ابن خلدون لا تكمن في أنه وصف العرب بصفات سلبية أو إيجابية، وإنما في أنه حاول اكتشاف القوانين التي تحكم الاجتماع البشري، وتفسر نشوء الدول وتحولاتها.
لقد رأى أن العصبية يمكن أن تؤسس الملك، لكنها لا تكفي وحدها لاستمرار الدولة. ورأى أن الغلبة قد تنشئ سلطة، لكنها لا تضمن قيام العمران. ورأى أن الجماعة التي تنتقل من البداوة إلى الملك تحتاج إلى التحول من منطق الغلبة إلى منطق السياسة، ومن التنافس على الرئاسة إلى تنظيم السلطة، ومن الاستيلاء على الموارد إلى حمايتها وتنميتها.
وهذه أفكار تتجاوز العرب إلى الإنسان والمجتمع والدولة في كل زمان ومكان.
ولذلك فإن استدعاء ابن خلدون اليوم ينبغي ألا يكون لاستنساخ أحكامه التاريخية، بل لاستعادة منهجه في مساءلة السلطة، وفهم العصبية، وتحليل العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وتفسير أسباب صعود الدول وانهيارها.
خاتمة: ابن خلدون لم يكن محكمة لإدانة العرب
إن القول إن ابن خلدون كان يذم العرب قول يحتاج إلى تفصيل، أما تقديمه باعتباره صاحب نظرية تقول إن العرب بطبيعتهم مفسدون للعمران وعاجزون عن بناء الدولة، فهو اختزال مخلّ بنصوصه وبمشروعه الفكري.
لقد انتقد ابن خلدون بعض أنماط الاجتماع البدوي، وربط بينها وبين الغلبة وضعف الاستقرار وتنازع الرئاسة وفساد العمران. لكنه تحدث أيضاً عن مزايا أهل البدو، وعن دور الدين في تجاوز الانقسامات، وعن قدرة العصبية على تأسيس الملك، وجعل البادية أصلاً تاريخياً للعمران الحضري.
والأهم أنه لم يحصر آليات العصبية والبداوة في العرب وحدهم، بل درسها في جماعات وأمم متعددة.
إن المفارقة أن بعض من يستشهدون بابن خلدون لإثبات عجز العرب عن بناء الدولة يتجاهلون أن الرجل نفسه وضع نظرية لتفسير كيفية بناء الدول، وأنه جعل الاجتماع والعصبية والوازع الديني والملك والعمران عناصر متفاعلة في حركة التاريخ.
فليس ابن خلدون شاهداً على عيب أبدي في الشخصية العربية، وإنما هو شاهد على أن الدول لا تقوم بمجرد الغلبة، ولا تستمر بالعصبية وحدها، ولا تزدهر حين تتحول السلطة إلى وسيلة للنهب والاستئثار وإهدار العمل والحقوق.
وإذا كان ثمة درس خلدوني يستحق أن نستحضره في واقعنا العربي، فهو أن أزمة المجتمعات لا تُفسَّر بالبحث عن عيوب أبدية في شعوبها، وإنما بفهم البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تنتج أزماتها وتعيد إنتاجها.
ولعل السؤال الأكثر جدارة بأن نضعه أمام أنصار القراءة السلبية لابن خلدون هو:
إذا كان العرب عاجزين بطبيعتهم عن بناء العمران، فكيف نفسر قيام الدول والإمبراطوريات والمدن والمؤسسات العلمية والحضارية التي شهدها تاريخهم؟ وإذا كانت المشكلة في طبيعة العرب، فلماذا تتكرر آليات خراب العمران نفسها في أمم وشعوب غير عربية؟ أليست الإجابة الأقرب إلى منهج ابن خلدون أن نبحث عن طبيعة السلطة والعصبية والمؤسسات، بدلاً من اختراع عيوب عرقية تفسر كل شيء ولا تفسر في الحقيقة شيئاً؟
المصادر والمراجع الأساسية:
1. ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. المقدمة. ولا سيما:
● الباب الثاني: في العمران البدوي.
● الفصل الرابع: في أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر.
● الفصل الخامس: في أن أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر.
● الفصل السادس والعشرون: في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب.
● الفصل السابع والعشرون: في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية.
● الفصل الثامن والعشرون: في أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك.
النص الأصلي للفصل السادس والعشرين – ويكي مصدر⁠.
2. الحصري، ساطع. «هل الشقاق طبع في العرب؟»، مجلة الرسالة، العدد 820. وهو من أهم النصوص التي تناولت إشكالية تحديد المقصود بمصطلح العرب عند ابن خلدون.
النص الكامل للدراسة – ويكي مصدر⁠.
3. الحصري، ساطع. دراسات عن مقدمة ابن خلدون. للاستفادة من مناقشته للمصطلحات الاجتماعية والتاريخية الواردة في المقدمة.
دراسات عن مقدمة ابن خلدون – مؤسسة هنداوي⁠.
4. البداوة والحضارة. متحف الإسلام، عرض تحليلي لمفاهيم البداوة والحضارة والعصبية في المقدمة.
البداوة والحضارة – متحف الإسلام⁠.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

ابن خلدون والعرب: هل كان مؤرخ العمران يذمّ العرب أم يحلّل شروط تكوّن الدولة وسقوطها؟

الأردن والحرب على الإرهاب ومكافحة التطرف

يوم الأغذية العالمي .. الابتكار طريق نحو الأمن الغذائي والتنمية المستدامة

الزبن يتمسك بالترشح لرئاسة مجلس النواب ويرفض إقصاء الكتل النيابية

العربي يخطف فوزا ثمينا من الوحدات ويعزز رصيده في دوري المحترفين

الرمثا يفوز على البقعة في دوري المحترفين

قبل أن تتخلص منها .. أجزاء من الفواكه والخضروات قد تفيد صحتك والكوكب

تجمعات المياه في عمّان .. الأمانة تكشف الأسباب ومدة تصريفها

عبدالله دقامسة وعقيلته يهنئان عامر روحي دقامسة بخطوبة نجله سند

ما سر علاقة البرد بطول العمر؟

نقيب المطاعم يحذر من مخالفات الأسعار: وجبة بـ5 دنانير تباع بـ10

بينانس تعلق السحب 48 ساعة بعد اختراق سيبراني بقيمة 6.3 مليار دولار

الملك يفتتح الاثنين الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة

إضراب عاملين في شركة دواجن كبرى احتجاجا على تأخر رواتبهم

مجلس الامن يمدد ولاية البعثة الاممية في كولومبيا سنة كاملة

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة