المسألة اليهودية وشتاتها في الكنيست الجديد

المسألة اليهودية وشتاتها في الكنيست الجديد

31-10-2026 05:48 AM

ينقسم الحلف المؤيد لبنيامين نتنياهو بين خط يميني صهيوني محافظ، إنما علماني في أصوله، يمثله حزب الليكود، وبين كوكبة من الأحزاب الدينية التي لا يجمعها فهم واحد للصهيونية، ولا تصور واحد للعلاقة بين اليهودية والدولة. نال الليكود 27 مقعداً في انتخابات 27 اكتوبر، أي ناقص خمسة مقاعد قياساً بانتخابات 2022. وتراجعت أحزاب دينية أيضاً، ولا سيما «شاس»، فيما انتهى معسكر نتنياهو إلى 53 مقعداً، دون الأكثرية البرلمانية. بانتظار متابعة بازار ودراما ما بعد الفرز لا بأس من التأمل قليلا في مآلات التعددية السياسية الإسرائيلية.
أعجب ما في اللعبة السياسية الإسرائيلية أن أفيغدور ليبرمان، أحد أكثر ساستها تشدداً في القومية اليهودية وفي الموقف من الفلسطينيين، وجد نفسه في المعسكر الذي يُشار إليه، اختزالاً، بوصفه «اليسار»، فيما ينضوي تحت راية نتنياهو حزب «يهدوت هتوراه» الذي ينكر على الصهيونية مسوغاتها. ولم يكن انتقال ليبرمان إلى صفوف مناهضي نتنياهو ثمرة مراجعة لمواقفه القومية، بل نتيجة خصومة مع الأحزاب الحريدية، تتقدم عنده على التقارب الذي يجمعه بالليكود في مسائل الأمن والسيادة والهوية القومية.
فليبرمان، الذي استقال من وزارة الدفاع في تشرين الثاني 2018 احتجاجاً على التهدئة مع حماس والجهاد الإسلامي في غزة، وسبق أن دعا إلى اشتراط الولاء للدولة في مقابل المواطنة بالنسبة إلى العرب، يزايد على نتنياهو في الموضوع الفلسطيني منذ نهاية التسعينيات. إنما هو اقترب من خصوم الليكود بسبب الخلاف على طبيعة الدولة اليهودية نفسها: هل تقوم هذه على انضباط قومي يفرض الواجبات على جميع مواطنيها اليهود، أم تتسع لجماعات دينية تحتفظ بامتياز إعفاء أبنائها من بعض هذه الواجبات؟
برز هذا التناقض بصورة حاسمة سنة 2019، عندما رفض ليبرمان الدخول في حكومة نتنياهو بسبب الخلاف على تجنيد الحريديم. ولم تكن مسألة التجنيد سوى الوجه الأظهر لنزاع أشمل حول سلطة المؤسسات الحاخامية، وتمويل التعليم الديني، وقوانين الأحوال الشخصية، وحدود استقلال الجماعات الدينية عن مقتضيات الدولة الحديثة.
وهذا يرتبط بخصوصية ليبرمان. المنحدر من الهجرة اليهودية السوفياتية. يتبنى قومية يهودية علمانية لا ترى في المؤسسة الدينية مصدراً لشرعية الدولة. ويريد دولة صهيونية لا تكون فيها الصهيونية مجرد امتياز في الانتماء، بل التزاماً بالخدمة العسكرية وبمقتضيات السيادة. لذلك دعا إلى ائتلاف يقتصر على الأحزاب الصهيونية، مستبعداً الأحزاب العربية والحريدية معاً، وهو الآن يأخذ على حلفائه في القومة الانتخابية على نتنياهو اتصالهم بالعرب.
والمفارقة ان ائتلاف نتنياهو نفسه يضم ثلاثة تصورات متباينة، بل متنافرة أحياناً، لمعنى الدولة اليهودية.
أولها تصور الليكود، وريث الصهيونية التنقيحية لفلاديمير جابوتنسكي، الذي يجعل الدولة تجسيداً للسيادة القومية، ويرى في القوة والأرض والأمن مقومات وجودها السياسي.
وثانيها تصور الصهيونية الدينية، التي لا تكتفي بوصل القومية بالدين، بل تجعل السيطرة على الأرض والاستيطان جزءاً من تكليف ديني.
ويمثل هذا الاتجاه، في صيغته الراهنة، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، مع اختلاف أسلوبيهما. فالأول وريث الكاهانية، التي حُظرت حركتها بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي سنة 1994، ويغلب على ممارسته الاشتباك الميداني والتحريض والتعبئة. أما الثاني فينصرف إلى توظيف التشريعات والميزانيات والصلاحيات الإدارية لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، والسير نحو ضم فعلي لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان رسمي.
ويختلف هذا الاتجاه عن التراث الأقدم للصهيونية الدينية الذي مثله حزب «المفدال». فقد ارتبط الأخير، طوال عقود، بالتوفيق بين التدين والمؤسسات العلمانية للدولة، وتحالف تاريخياً مع حزب العمل قبل انتقاله التدريجي إلى اليمين وتعاظم ارتباطه بالاستيطان بعد 1967. ومن امتداداته خرج نفتالي بينيت، الذي انفصل عن «البيت اليهودي» وأقام «اليمين الجديد»، ثم استطاع سنة 2021 رئاسة حكومة ضمت قوى متباعدة سياسياً، بينها حزب عربي.
أما التصور الثالث فيمثله الحريديم، وبالأخص «يهدوت هتوراه»، بتكوينه الأشكينازي الحسيدي والليتواني. فهذا الحزب التوليفي لا يعتبر الصهيونية العلمانية تحقيقاً لوعد ديني، بل أقرب هو الى الطعن في مبررات وجودها. لكنه يشارك في مؤسساتها ويستفيد من مواردها ويعمل على حماية الاستقلال النسبي لمجتمعاته الدينية.
أما «شاس»، ذو القاعدة السفاردية والمزراحية، فيجمع المرجعية الحريدية بتجربة اجتماعية وسياسية أشد اندماجاً في مؤسسات الدولة ورمزيتها القومية.
هكذا يجتمع في معسكر نتنياهو من يرى في قيام الدولة تحقيقاً لإرادة إلهية، ومن لا يعترف لها بمثل هذه المشروعية الدينية، ومن يتعامل معها أساساً بوصفها دولة قومية حديثة. ولا يمنع اختلافهم حول المبدأ المؤسس للدولة من اتفاقهم على ممارسة السلطة فيها. في المقابل، يجد ليبرمان نفسه إلى جانب قوى يعارض كثيراً من توجهاتها، لأن خلافه مع الحريديم حول التزامات المواطنة اليهودية بات أقوى من خلافه مع تلك القوى حول مسائل أخرى.
والأمر لا ينفصل عن التحولات الاجتماعية الأعمق داخل إسرائيل. فقد تأسست الدولة بهيمنة أشكينازية أوروبية، لكن تكوين مجتمعها اليهودي تبدل مع تعاظم حضور المزراحيم والسفارديم، القادمين من بلدان عربية وإسلامية، ومع الهجرة السوفياتية الكبرى واختلاط الأصول عبر الأجيال. ولم تعد الثنائية بين الأشكيناز والمزراحيم كافية وحدها لرسم خريطة المجتمع، وإن بقيت آثارها في البنية الاجتماعية والسياسية.
وللمفارقة أن قسماً أكبر من الأشكيناز يعيش في الولايات المتحدة، لا في الدولة التي تصورتها الصهيونية التاريخية حلاً قومياً للمسألة اليهودية الأوروبية.
من هنا أيضاً قصور النظر إلى إسرائيل حصراً باعتبارها امتداداً غربياً استيطانياً، بمعزل عن التاريخ المركب للمسألة اليهودية في أوروبا وروسيا والعالم الإسلامي. فالتحليل الاستعماري، على أهميته لفهم العلاقة بالفلسطينيين والأرض، لا يستنفد وحده تفسير التكوين الداخلي للمجتمع الإسرائيلي وتناقضاته.
وليست المسألة أن إسرائيل تتجه إلى تجاوز الصهيونية، بل أن الصهيونية لم تعد تكفي، بمفردها، لتنظيم التناقضات داخل المجتمع الذي قامت الدولة باسم توحيده. فالتعدد الديموغرافي والاجتماعي والمذهبي الذي استوعبته الدولة الإسرائيلية لم يُفضِ إلى تصور مشترك للعلاقة بين الشعب والدولة والدين. وإذا كانت المسألة الفلسطينية تظل المجال الأشد وضوحاً لممارسة السيادة الإسرائيلية الاحلالية والاعتدائية، فإن الخلاف بين ليبرمان والحريديم يتعلق بما هو سابق، منطقياً، على ممارسة هكذا سيادة: تحديد الجماعة التي تمارسها، والأساس الذي تستمد منه مشروعيتها، والالتزامات المترتبة على الانتماء إليها.
هكذا، فإن وجود ليبرمان في معسكر «اليسار»، ووجود غير الصهيونيين في معسكر نتنياهو، ليسا مجرد مفارقتين انتخابيتين. إنهما تعبيران عن حقيقة أن الدولة التي قامت لتكون حلاً قومياً للمسألة اليهودية أعادت إنتاج هذه المسألة، على نحو مختلف، في داخل بنيانها السياسي والاجتماعي نفسه. ومن هنا، ربما، ينبغي أن يبدأ التفكير في مآلات التعددية السياسية الإسرائيلية، بدلاً من الاكتفاء بإحصاء المقاعد وتوقع التحالفات. وهذا يتعلق أيضا بمعنى التقدم في التمثيل العربي، فمن مصلحة العرب الابتعاد تماما عن كل محاولة ايهام بأنهم باتوا الآن «صناع الملوك» في إسرائيل والعمل بدلا من ذلك في الاتجاه الذي من شأنه بلورة السؤال اولا عن كيفية بناء تسوية تاريخية بين شعبين على أرض واحدة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة