لقد إجتاحت العالم الكثير من التطورات والتغيرات المتسارعة خلال السنوات القليلة الماضية وفي جميع المجالات،ومن أبرزها العولمة وثورة الجودة الشاملة, والثورة المعرفيّة وما تضمنته من تطورات تكنولوجيّة واتصالاتيّة متسارعة, والتجارة العالمية من خلال الاسواق المفتوحة والشركات عابرة القارات, مما أبرز فجوات بين الدول النامية والمتقدمة كان أبرزها الفجوة الإداريّة, حيث أثبتت الدراسات الحديثة أن هذه الفجوة الإداريّة كبيرة لحد أجبر الكثير من المؤسسّات في الكثيرمن الدول الإنخراط والإنصهار في حركات إصلاحيّة تنبع من بيئتها المحليّة متوافقة ومتناسقة مع الحركات الإصلاحيّة العالميّة ضمن الخصوصيات لكل كيان وضمن معايير الألفية الثالثة, وذلك للّحاق بركب الحضارة العالمية المتقدمة بشكل متسارع وشامل, من أجل إستشراف مستقبل هذه المؤسسات. والمقصود بالفجوة الإداريّة هي ندرة الكوادر والكفاءات الإداريّة القادرة علي ممارسة مهنة الإدارة بكفاءة وفعاليّة وإنتاجيّة بجودة, فالمتمعن بالوثيقة الخاصة بالعالم العربي والتي تمثل رؤية (2010) والتي قام على اعدادها مجموعة من المفكرين والخبراء العرب,يلاحظ جلياً إستنادها على ثلاثة محاور هي: الاقتصاد والتعليم والحاكمية الرشيدة حيث نصت:" أن على المواطن العربي المشاركة بشكل أكثر فعالية وجديّة في عملية صنع القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية". من هنا نلاحظ التركيز على مفهوم الحاكمية الرشيدة التي تستند على عناصر الشراكة ما بين القطاعات الثلاث الرئيسية في أي مجتمع وهي : القطاع الحكومي، القطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني، حيث تقوم العلاقة بينهما على اعتبار الحاكمية الرشيدة مسؤولية إدارية تتسم بالشفافية والمساءلة من أجل تحقيق الكفاءة الإدارية المعتمدة على المشاركة من قبل الجميع في صنع القرار.
إن الحاكمية الرشيدة والتي تُبنى على اسس متعددة منها : الديمقراطية، واللامركزية الإدارية، والحوار وتقبل الرأي والرأي الآخر، والمجتمع المدني، والشفافية والافصاح، والمساءلة، وحقوق الإنسان، والعدالة، وتوفير المعلومات، والتمكين، وبناء القدرات الإنسانية والمؤسسية، والإدارة التنموية،...وغيرها، من هنا نستطع القول أن الحاكمية أو الحوكمة الرشيدة: " هي الحكم الذي يدعم ويصون رفاه الإنسان ويقوم على توسعة قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ونظراً للأثر الإيجابي الذي أحدثته الحاكميّة الرشيدة عند تطبيقها في الشركات والمؤسسّات التي تعتبر رائدة في مجال عملها من حيث الأرباح والإدارة, فقد انتقل هذا النهج الاداري الحديث الى مؤسسات التعليم العالي (الجامعات), ليعتمد علية في إدارتها وتسيير شؤونها.
إن المتابع لحركة التعليم الجامعي في الوطن العربي بشكل عام وفي الأردن بشكل خاص يلاحظ فيه توسعاً كميّاً متسارعاً خلال العقود الثلاثة الماضية, إلا أن هذا التوسع لم يواكبه تحسن في نوعيّتة وجودته بل حافظ علي تقليديّته وجموده، مما أدى الى توجيه بعض الإنتقادات له بسبب تدني فاعليّته وكفاءته وعدم قدرته على الإستجابة للمتطلّبات الإجتماعيّة والإقتصاديّة والثقافيّة, فضلاً عن عدم تمكّنه من مواكبة الثورات العلميّة والمعلوماتيّة والتكنولوجيّة والإداريّة, وقد تسبب ذلك في تراجع مخرجاته ونوعيّتة, وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلت لايجاد حلول لتلك التحديات والمشكلات إلا أنها لم تفي بالغرض المطلوب، فهناك الكثير من الأبعاد التي تحتاج الى معالجة وفي مقدمتها حاكميّة تلك الجامعات وأثرها ودورها في النهوض بجودة التعليم الجامعي ومخرجاته. ونظراً لما حظيت به الحاكميّة الرشيدة من الإهتمام الكبير من قبل الباحثين في المجتمع المحلي والاقليمي والعالمي من خلال القرارات التي توفر الأفكار وتدعم الحريّة والمساواة والعدالة الاجتماعية, من خلال معاييرها من شفافية ومساءلة وعدالة ومشاركة زاد الإهتمام بها بُغية تحقيق نقلة نوعية بالإدارة الجامعية من التقليديّة الى الإدارة الإستراتيجية المستشرفة للمستقبل من أجل تحسين الأداء لضمان جودة وتميّز المخرجات, لهذا فالحاكمية الجامعية تساعد وتساهم ايجابياً في النهوض بالتعليم الجامعي, من خلال منظومتها المبنية على الشفافية والمسؤولية والمساءلة الإداريّة والاستجابة والعدالة، فضلاً عن المشاركة الحقيقيّة والمؤسسّيّة لجميع أصحاب العلاقة من العاملين والطلبة والمجتمع.
أهداف الحاكمية الرشيدة في مؤسسات التعليم العالي(الحاكمية الجامعية) :
ان للحاكمية الجامعية التي برزت كضرورة عملية نتيجة للخلل الذي اصاب الهياكل التنظيمية للكثير من الجامعات والتي تفجرت عنها مشاكل تتعلق بالفساد وعدم الشفافية والعدالة مثل المحسوبية والشللية التي تمخض عنها ظواهر سلبية كتدني الاداء والعنف الجامعي الذي اصبح يؤرق القائمون على ادارة الجامعات والمجتمع. من هنا يمكن توضيح أهداف الحاكمية الجامعية, بما يلي:
1-محاربة الفساد في الجامعات بكل صوره من خلال تطبيق معايير الحاكمية الرشيدة .
2-تحقيق النزاهة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص امام الجميع من خلال مباديء الحاكمية الرشيدة في كافة اعمال وانشطة واجراءات الجامعة.
3-تحقيق الاستقرار والمصداقية ورفع درجة التنافسية للجامعات وعلى جميع المستويات المحلية والعالمية.
4-تدعيم عنصري الشفافية والمساءلة في كافة معاملات الجامعة بشكل يضبط الفساد في اي مرحلة من مراحل الاداء الجامعي.
5-تحسين وتطوير اداء الجامعات ومساعدة مجالس حاكميتها على بناء استراتيجيات سليمة لضمان عملية صنع للقرار بناءاً على اسس علمية سليمة وعلى المشاركة من قبل جميع اصحاب العلاقة,من أجل رفع كفاءة الاداء وتميز المخرجات, مما يزيد الثقة بها محلياً وخارجياً.
6-العمل على تعميق ثقافة الجودة والمسؤولية والالتزام الاخلاقي بالمباديء والمعايير المتفق عليها, وخلق انظمة للرقابة الذاتية ضمن اطار اخلاقي من العمل واخلاق المجتمع ومبادئه.
7- زيادة قدرة الادارة الجامعية على تحفيز الموظفين لتقليل معدلات دوران العمل والعمل على استقراره لتنمية الصورة الايجابية عن الجامعات سواء لدى العاملين او المتعاملين معها.
8-زيادة مقدرة الجامعات على النمو والتطور بأدائها ومخرجاتها نتيجة الدور الايجابي للحاكمية في زيادة المعلومات والخبرات والمهارات وصقل المواهب .
9- محاربة الكثير من الظواهر والمشكلات والتحديات الجامعية,كظاهرة العنف الجامعي ،معايير الحاكمية الرشيدة في الجامعات ( الحاكمية الجامعية) :
1-الشفافية :Transparancy, هي حرية تدفق المعلومات بحيث تكون المعلومات والعمليات سواء كانت ادارية او مالية في متناول أيدي المعنيين بها وأصحاب العلاقة وتكون المعلومات المتوفرة كافية لفهم ومتابعة أنشطة وعمليات الجامعات.
2-المسؤولية : Responsebility, وتعني تحمل المسؤولية أي( الالتزام الاخلاقي بأداء الواجبات ) من قبل الجميع من مجالس حاكمية وعاملين وطلبة .
3- المساءلة :Accountability , أي ان يكون متخذو القرارات في الجامعات مسؤولين أمام العاملين والطلبة والمجتمع.
4-المشاركة : Partisipation, وتعني حق الجميع في المشاركة باتخاذ القرار.
5-الاستجابة : Responsevness, أي الاستجابة لمطالب العاملين والطلبة واصحاب العلاقة والمصلحة.
سمات وخصائص الحاكمية الجامعية :
1-الشرعية : أن تكون السلطة مشروعة من حيث الإطار التشريعي والمؤسسي والقرارات المحددة من حيث المعايير المرعية في الجامعات والعمليات والإجراءات بحيث تكون مقبولة من العاملين والطلبة وجميع أصحاب العلاقة.
2- الاستدامة : أي إمكانية إدامة نشاطات الحاكمية وإدامة التنمية الشمولية.
3- الدعوة للعدالة والمساواة : بحيث تتوفر الفرص للجميع بكافة أنواعهم وأجناسهم.
4-تعزيز سلطة وسيادة القانون.
5-الكفاءة والفاعلية : وهي استخدام الموارد وحسن استغلال الموارد البشرية والمالية والطبيعية من قبل الجامعات لتلبية الحاجات والمتطلبات المحددة فيها.
6-أن تكون الحاكمية الجامعية قادرة على تحديد المشكلات الجامعية والقدرة على تبني الحلول المناسبة لها.
7-أن تكون الحاكمية الجامعية تنظيمية بدلاً من كونها رقابية بحيث تركز على نطاق الإشراف والمتابعة لشؤون الجامعات وتترك أمور التنفيذ والرقابة للمستويات الإدارية الأدنى.
8- أن تكون الحاكمية الجامعية قادرة على التعامل مع القضايا الجامعية سواء المؤقتة أو الطارئة وتطوير مواردها واستثمارها واستغلالها وتقديم الخدمات للعاملين والطلبة.
محددات ومعيقات تطبيق الحاكمية الجامعية :
أن هناك مجموعة من المعوقات والمحددات التي تعيق تطبيق الحاكمية في الجامعات,ومنها :
1-التشريعات الجامعية والتعديلات المستمرة عليها,مما يؤدي الى عدم اسقرار القرارات الادارية والتذبذب في السياسات والاستراتيجيات المتعمدة في الجامعات.
2-المناخ السياسي العام وتدخل الحكومات بالجامعات, ويتمثل هذا التدخل من خلال المحسوبية والشللية في التعينات الاكاديمية والادارية واختيار النخبة القيادية والترقيات العلمية لاعضاء الهيئة التدريسية وقبول الطلبة مما ادى الى قصور في الكفاءة الانتاجية والفاعلية في الاداء, فضلاً عن ان هذا التدخل ينتهك مباديء العدالة وتكافؤ الفرص التعليمية ويفسد المناخ التنظيمي للجامعات ويحد من الالتزام بتطبيق الحاكمية ومعاييرها.
3-طريقة ادارة الجامعة والمركزية والاستبداد بالسلطة: وتتمثل هذه المركزية في تمركز السلطة في قمة الهرم الاداري واستئثارها باتخاذ القرارات الادارية,مما يؤدي الى اهمال القيادات الادارية الوسطى والتنفيذية والطلبة واصحاب المصلحة من المجتمع في عدم مشاركتهم في عملية صناعة القرار الجامعي مما يولد بعض الظواهر الغريبة على مجتمعنا مثل العنف.
4- البيروقراطية الادارية, الذي يعتبر الروتين وبطء الاجراءات من ابرز مظاهرها, وتعني كلمة الروتين القيام بعمل ما بطريقة روتينية يوماً تلو الاخر الى ان يصبح هذا العمل او النشاط جزءاً لا يتجزأ من حياة وسلوك العامل. ويرتبط الروتين بالانظمة والنصوص واللوائح واساليب العمل, فمن المعروف ان الاجراءات الادارية ترتبط بعدة مستويات ادارية نتيجة لمبدأ التسلسل الاداري والمتخصص وتؤدي هذه الاجراءات الى اذا كانت مكتوبة وواضحة الى تنميط العمل, ومع مرور الزمن تصبح هذه الاجراءات روتينية عقيمة ان لم يعد المدراء النظر فيها بشكل دوري,فالروتين الجامد يعتبر مرضاً ادارياً قد يغيير المفاهيم الاخلاقية للموظف بالاتجاه السلبي ويتجه الى كراهية العمل ولمن حوله من الزملاء مما يؤثر على نفسيته وانتاجيته, ويؤدي بالتالي الى اللجوء لتحقيق بعض المصالح الذاتية على حساب اصحاب المصالح الحقيقية وهذا انتهاك خطير لمعايير الحاكمية الرشيدة في الجامعة.
والله وليُّ التوفيق