أمريكا تعيد تشكيل سلاسل إمداد الطاقة العالمية
10-05-2026 03:21 PM
غير أن هذه الاستفادة الأمريكية لا تعني غياب التحديات؛ إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة انعكس أيضًا على الداخل الأمريكي عبر زيادة الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، فضلًا عن حساسية ملف الوقود في المشهد الانتخابي الأمريكي، حيث يبقى سعر البنزين أحد أكثر المؤشرات تأثيرًا على المزاج الشعبي والسياسي.
قبل اندلاع الحرب، كانت أوروبا تستورد نحو 26% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، مقابل نحو 31% من النرويج وقرابة 13% من الجزائر، فيما كانت روسيا لا تزال تحتفظ بحصة تقارب 13–14% من السوق الأوروبية رغم العقوبات والحرب الأوكرانية.
أما قطر، فكانت تؤمن نحو 3.5% من احتياجات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال. لكن بعد اضطراب مضيق هرمز وتراجع الصادرات الخليجية، تغيّر المشهد بسرعة دراماتيكية؛ إذ ارتفعت حصة الغاز الأمريكي في أوروبا إلى أكثر من 55% من واردات الغاز الطبيعي المسال، بينما حافظت النرويج والجزائر تقريبًا على حصتيهما التقليديتين، في حين تراجعت حصة روسيا إلى نحو 6% فقط، وتقلص الحضور القطري بصورة حادة نتيجة تعطل جزء من صادرات الغاز القطرية.
لكن قراءة المشهد الأوروبي بعمق تكشف أن القارة الأوروبية لا تنظر إلى الغاز الأمريكي بوصفه “هيمنة دائمة”، بل باعتباره “حلًا اضطراريًا” فرضته الجغرافيا السياسية. فأوروبا، التي عانت سابقًا من الاعتماد المفرط على الغاز الروسي، تدرك مخاطر الانتقال من تبعية إلى أخرى، ولذلك فهي تتحرك بالتوازي نحو تنويع مصادر الطاقة، عبر تعزيز الواردات من الجزائر والنرويج وأذربيجان، إلى جانب تسريع مشاريع شرق المتوسط والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. وهذا يعني أن الهيمنة الأمريكية الحالية قد تكون قوية، لكنها ليست بالضرورة مستقرة أو مطلقة على المدى الطويل.
قطر كانت من أكثر الدول الخليجية تضررًا، فالهجمات التي استهدفت منشآت رأس لفان، إضافة إلى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، أدت إلى انخفاض القدرة التصديرية للغاز الطبيعي المسال بنحو 17%، مع تراجع بعض الشحنات إلى أقل من ربع الطاقة التشغيلية المعتادة. وبما أن قطر تعتمد بصورة كبيرة على المضيق لتصدير الغاز، فإنها واجهت اختناقًا استراتيجيًا واضحًا، الأمر الذي دفع الأسواق الأوروبية والآسيوية للبحث عن بدائل عاجلة، وكان البديل الأسرع والأكثر جاهزية هو الغاز الأمريكي. ومع ذلك، فإن الأزمة لم تشلّ قطر بالكامل؛ إذ ساهمت بعض خطوط الربط الإقليمية والبنية التحتية الخليجية مع الإمارات وسلطنة عُمان في تخفيف جزء من الضغوط التشغيلية، ما يعني أن التأثير كان كبيرًا لكنه لم يصل إلى مرحلة الانهيار الكامل لمنظومة التصدير القطرية.
أما النفط، فقد شهد إعادة تموضع عالمية لا تقل أهمية. فقبل الأزمة، كانت الصين والهند تستوردان كميات ضخمة من النفط الخليجي والإيراني، لكن المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين البحري وتعطل الملاحة دفعت العديد من الناقلات العملاقة إلى تغيير مساراتها. تدريجيًا، بدأت كميات متزايدة من الخام الأمريكي، خاصة خام غرب تكساس، تتدفق إلى الأسواق الآسيوية، بينما تراجعت صادرات إيران والعراق والكويت بصورة حادة. العراق، على سبيل المثال، هبطت صادراته النفطية من نحو 3.5 مليون برميل يوميًا إلى أقل من 600 ألف برميل يوميًا خلال ذروة الأزمة، أي انخفاض تجاوز 80%. كما تراجعت صادرات إيران النفطية من نحو 1.8 مليون برميل يوميًا إلى أقل من نصف مليون برميل يوميًا.
ومع ذلك، فإن التحول الآسيوي نحو النفط الأمريكي لا يعني اختفاء البدائل الروسية بالكامل؛ إذ إن الصين والهند تمتلكان خبرة كبيرة في التعامل مع النفط الروسي المخفّض السعر عبر شبكات نقل مرنة، سواء من خلال خطوط الأنابيب البرية أو عبر ناقلات تعمل تحت أعلام بديلة وشبكات تأمين غير غربية. وهذا يعني أن موسكو، رغم الضغوط والعقوبات، لا تزال قادرة على الاحتفاظ بجزء من نفوذها الطاقوي في آسيا، خصوصًا إذا استمرت الفجوة السعرية بين النفط الروسي والخامات العالمية الأخرى.
الكويت بدورها واجهت صدمة حقيقية، بعدما وصلت صادراتها النفطية في بعض الفترات إلى مستويات شبه صفرية نتيجة تعطل الناقلات وعدم وجود منافذ بديلة فعالة. أما السعودية، فرغم تراجع صادراتها من نحو 7.1 مليون برميل يوميًا إلى ما يقارب 4.4 مليون برميل يوميًا، فإنها كانت الأقل تضررًا نسبيًا بفضل خط الأنابيب الشرقي–الغربي وميناء ينبع على البحر الأحمر، حيث استطاعت تحويل جزء كبير من صادراتها بعيدًا عن مضيق هرمز، ورفعت صادراتها عبر ينبع إلى ما بين 4 و4.5 مليون برميل يوميًا.
هذه التحولات لم تكن مجرد اضطراب مؤقت في السوق، بل أعادت رسم خريطة الطاقة العالمية. الولايات المتحدة لم تعد فقط منتجًا ضخمًا للطاقة، بل أصبحت “المُوازن الجيوسياسي” الجديد للأسواق العالمية. ففي الوقت الذي كانت فيه صادرات الخليج تتراجع، كانت الشركات الأمريكية، خاصة شركات النفط والغاز في تكساس، تحقق قفزات هائلة في الأرباح. شركة شل رفعت أرباحها الفصلية بأكثر من 115% مقارنة بالربع السابق، بينما حققت أرامكو نحو 29 مليار دولار في الربع الأول من 2026، وحققت شركات الغاز الأمريكية مكاسب ضخمة نتيجة الطلب الأوروبي والآسيوي المتزايد.
لكن الهيمنة الأمريكية على أسواق الطاقة لا تزال تواجه معضلة اقتصادية مهمة، تتمثل في ارتفاع تكاليف نقل الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى آسيا مقارنة بالغاز الخليجي الأقرب جغرافيًا والأقل تكلفة لوجستية. فشحنات الغاز القادمة من خليج المكسيك تحتاج إلى مسافات أطول وتأمين أعلى وعبور ممرات بحرية متعددة، ما يرفع الكلفة النهائية على المشترين الآسيويين. ولذلك، فإن جزءًا من التحول الحالي قد يكون مرتبطًا بظرف جيوسياسي استثنائي أكثر من كونه تحولًا هيكليًا دائمًا.
انعكست هذه الطفرة مباشرة على الاقتصاد الأمريكي، فالناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، الذي كان قد نما بنحو 0.5% فقط في الربع الرابع قبل الحرب، ارتفع إلى نحو 2% في الربع الأول بعد الأزمة، مدفوعًا بزيادة صادرات الطاقة وارتفاع عوائد قطاع النفط والغاز وتحسن الميزان التجاري الطاقوي. وهذا يعكس كيف تحولت الطاقة إلى أداة استراتيجية في تعزيز الاقتصاد الأمريكي وإعادة تموضعه عالميًا، وإن كان ذلك لا يلغي حقيقة أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا قد يتحول لاحقًا إلى عبء داخلي على المستهلك والصناعة الأمريكية إذا طال أمد الأزمة.
التوصية الاستراتيجية لدول الخليج اليوم لم تعد خيارًا سياسيًا أو اقتصاديًا مؤجلًا، بل أصبحت ضرورة وجودية تتعلق بالأمن القومي الطاقوي. فالأزمة كشفت هشاشة الاعتماد شبه الكامل على مضيق هرمز، وأثبتت أن الدول التي امتلكت منافذ بديلة — كما فعلت المملكة العربية السعودية عبر خط الشرق–الغرب وميناء ينبع — كانت الأكثر قدرة على الصمود وتقليل الخسائر. ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحّة لتأسيس تكامل خليجي–شامي–مصري حقيقي يقوم على إنشاء بنية تحتية لوجستية وطاقة عابرة للحدود، تشمل خطوط أنابيب وموانئ ومحطات تخزين وممرات تصدير بديلة تمتد نحو البحر الأحمر والبحر المتوسط.
غير أن تحقيق هذا التكامل يواجه تحديات سياسية وجيوسياسية معقدة، تبدأ من الخلافات الإقليمية وتباين أولويات الدول، ولا تنتهي عند تعقيدات العلاقة مع سوريا ولبنان وبعض ملفات الأمن الإقليمي. كما أن نجاح أي مشروع طاقة عابر للحدود سيحتاج إلى مستوى عالٍ من التنسيق السياسي والأمني والاستثماري، وهو أمر لا يزال يواجه اختبارات حقيقية في المنطقة.
وفي هذا السياق، يبرز الدور التركي بوصفه عاملًا محوريًا في أي خريطة مستقبلية لممرات الطاقة البديلة، فتركيا تمتلك موقعًا جغرافيًا يجعلها بوابة طبيعية لنقل النفط والغاز من العراق وشرق المتوسط نحو أوروبا. كما أن البنية التحتية التركية، وخطوط الأنابيب العابرة للأناضول، تمنح أنقرة قدرة متزايدة على التحول إلى مركز إقليمي للطاقة، ما يجعلها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي إعادة تشكيل مستقبلية لسلاسل الإمداد بين الخليج وأوروبا.
إن بناء شبكة طاقة إقليمية مترابطة بين الخليج وبلاد الشام ومصر وتركيا لا يحمي فقط صادرات النفط والغاز، بل يعزز التماسك الاقتصادي والاجتماعي، ويخلق كتلة جيوسياسية أكثر قدرة على مواجهة الابتزاز الجغرافي والتحولات العالمية في أسواق الطاقة.
ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة نفط أو غاز، بل ولادة نظام طاقوي عالمي جديد؛ نظام تُعاد فيه صياغة خرائط النفوذ والتحالفات الاقتصادية عبر خطوط الأنابيب وموانئ الغاز والناقلات العملاقة. وفي قلب هذا التحول، تقف الولايات المتحدة باعتبارها الرابح الأكبر — حتى الآن — من إعادة تشكيل أسواق الطاقة العالمية في لحظة الفوضى الجيوسياسية الأكثر حساسية منذ عقود، لكن ذلك لا يعني أن هذا التفوق سيبقى مضمونًا ما لم تستطع واشنطن تحويل مكاسب الحرب المؤقتة إلى بنية طاقة عالمية مستقرة وقابلة للاستمرار.
قرار باستكمال مباراة اتحاد عمّان والفيصلي من لحظة توقفها
نتنياهو يؤجل مناقشة مشروع قانون لإلغاء اتفاقية أوسلو
وزير المياه: يجب التقيد بخطة التزويد المائي صيفا
استكمال تعقيم مدرسة اليرموك وعودة الدوام غداً
أمريكا تعيد تشكيل سلاسل إمداد الطاقة العالمية
الأردنيون يحسمون موقفهم من عودة حبس المدين
الحنيطي يزور مديرية الأمن السيبراني
سفير تركيا لدى العراق يلتقي محافظ كركوك
قبل المونديال .. الفيفا يسلط الضوء على صبرة والفاخوري
حزب الله يستهدف آليات وقوات الاحتلال في 3 عمليات
رئيس الوزراء وما ينتظره العراق
نواب يطالبون بإعادة النظر بمواد من قانون الجرائم الإلكترونية
سبب وفاة هاني شاكر تهز مواقع التواصل
اللحظات الأخيرة من حياة هاني شاكر وسبب الوفاة
رفع تعرفة عداد التكسي والتطبيقات الاثنين المقبل
مهم بشأن أسعار الأضاحي العام الحالي
مصدر أمني: إطلاق نار على ثلاثة أشقاء في الرصيفة
مهم للمواطنين بشأن تعديلات الترخيص
القبض على المشتبه به بتصوير ونشر فيديو مسيء لنادٍ رياضي
ملاحقة أمنية لمنتجي وناشري فيديو مسيء لنادٍ أردني
وفاة سيدة سقطت من أعلى مبنى تجاري في وسط عمّان
رسمياً .. بدء حجب المواقع الإباحية على شبكات الإنترنت بالأردن
ما قصة وضع مركبة محطمة على جسر نعيمة .. شاهد
