السوسنة - حبس العالم أنفاسه على وقع الاجتياح الروسي للأراضي الأوكرانية، الذي حسم أياما من القلق والتحسب والمراهنات على إحتمالات تطور الأزمة إلى حرب.
هذا الاجتياح فتح الباب على تساؤلات ومخاوف من اتساع دائرة الصراع من اجتياح إلى حرب واسعة النطاق في ظل التصعيد والتصعيد المقابل بمختلف أنواعه من تصريحات إعلامية وتحذيرات وتهديدات وإجراءات عقابية، من قبل الحكومة الأوكرانية وحلف شمال الأطلسي الذي يتألف من معظم دول أوروبا وتركيا وتقوده الولايات المتحدة في مواجهة روسيا.
وقريبا من التصعيد العسكري، وبشكل أكثر حدة بدأت تتتابع بما يشبه السعار.. التداعيات الاقتصادية لهذا الاجتياح، وبخاصة في الارتفاع الجنوني لأسعار النفط في العالم، والقمح والحبوب في أوروبا التي تتزود بجزء كبير من احتياجاتها من أوكرانيا.
وارتفع سعر برميل النفط عالميا حتى كتابة هذا التقرير إلى 104,5 دولار.
ومعروف أن ارتفاع أسعار النفط تحديدا سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاعات في أسعار الكثير من المنتجات والسلع والخدمات في مختلف أنحاء العالم الذي ما يزال يترنح تحت وطأة تداعيات جائحة كورونا.
وكانت أسعار النفط ارتفعت خلال الأسبوعين الماضيين بحدود 10 دولارت بسبب التصعيد في أوكرانيا، والأجواء الجيوسياسية والتوترات السياسية والعسكرية وحدّة التصريحات للزعماء الذين يمتلكون صادرات نفطية عالية وخاصة المؤثرين منهم. إضافة إلى نقص الإنتاج في (أوبك +) ورفضها زيادة إنتاجها.
اقتصاد روسيا القوي
ويعتقد خبير الطاقة هاشم عقل أن التهديدات الغربية بفرض عقوبات على روسيا وشبكات الأمن السيبراني "سطحية" وليس لها تأثير على الاقتصاد الروسي القوي بصادرات النفط والغاز، ويتوقع أن موسكو بالتالي "لن تهتم للردود".
و أشار إلى أنه إذا افترضنا أن الولايات المتحدة وأوروبا ستفرض عقوبات شديدة على روسيا فستوقف الأخيرة بالمقابل فورا تصدير الغاز لأوروبا، لذلك، العقوبات حتى الآن لم تستهدف النفط والغاز الروسيين "لأنها ستلحق ضررا كبيرا بالاقتصاد الأوروبي لاعتماده على مصادر الطاقة الروسية.
وهناك سبب آخر يتمثل في أن أي حظر على النفط والغاز سيؤدي إلى ارتفاع نسب التضخم عالميا، خصوصا وأن الولايات المتحدة تعاني من تضخم يبلغ 7 بالمئة وأوروبا 3,5 بالمئة.
ولفت إلى أن روسيا تتمتع بوضع اقتصادي متميز لأن لديها احتياطي عملات صعبة بحدود 600 مليار دولار ولديها عقود توريد بترول وغاز للصين التي تستهلك كميات كبيرة من إنتاجها، وبالتالي لا يخشى المسؤلون الروس على الاقتصاد الروسي من العقوبات الاقتصادية التي قد تفرضها عليها أوروبا وأميركا.
ويذكّر بأن روسيا تغطي 40 بالمئة من حاجة أوروبا من الغاز و30 بالمئة من البترول، وتعويض الغاز المستورد صعب جدا. لكن البترول "يسهل تعويضه من دول أخرى فهو متوفر في الأسواق".
ويشبه عقل قضية تعويض أوروبا الغاز الروسي من مصادر أخرى بـ"المسرحية السياسية"، وأكد أنه شبه مستحيل، إذ لا يمكن أن تقطع روسيا الغاز عن أوروبا لأن "مبيعاتها لها تبلغ 238 مليون دولار يوميا وهو دخل عال ومهم لروسيا".
وبيّن أن نصف استهلاك ألمانيا من الغاز هو روسي المصدر، بعد أن أغلقت برلين جميع محطاتها النووية، عملا بمبدأ الالتزام بالطاقة البديلة وتخفيض انبعاثات الكربون، لذلك تحولت من الطاقة النووية والفحم الحجري الذي يتناقص استعماله في ألمانيا.
ونبه إلى أنه لا يمكن الاستعاضة بغاز بديل من دول مثل قطر وأذربيجان والجزائر أو حتى مصر، وهي الدول التي تعد منتجة للغاز بكميات كبيرة. إذ أن 68 بالمئة من إنتاج الغاز القطري يذهب لعقود بيع طويلة الأجل إلى شرق آسيا.
أما مصر، فالفائض الذي لديها كميته قليلة جدا والجزائر لديها خطوط غاز مع أوروبا وبالتالي الفائض محدود، كما أن العلاقات بين روسيا والجزائر علاقات قديمة ومتميزة وليس لدى الجزائريين استعداد للمخاطرة بهذه العلاقات وتصدير كمية إضافية من الغاز.
ولفت عقل إلى مخاوف الولايات المتحدة من إتمام مشروع خط الأنابيب الغاز الجديد "نورد ستريم 2"، لأنها تعتقد أنه عند تشغيل روسيا للخط، "ستزيد نفوذها في أوروبا".
و"نورد ستريم 2" هو أنبوب غاز بطول 1200 كيلومتر مزدوج "أنبوبان مترافقان" ويمكن أن ينقل 55 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، ويمثل هذا 50 بالمئة من الاستهلاك السنوي لألمانيا.
وكان الرئيس الأميركي بايدن أعلن أخيرا فرض عقوبات على الشركة المشغلة لخط أنابيب "نورد ستريم 2" والمسؤولين التابعين لها، كما أعلنت ألمانيا إيقاف المصادقة على خط الأنابيب مؤقتا.
والنقطة الأخرى التي عمّقت الأزمة، وفق عقل، أن خط الأنبوب الواصل إلى ألمانيا لا يمر بالأراضي الأوكرانية، التي تضررت جراء ذلك.
فأنابيب الغاز الواصلة إلى أوروبا عبر أراضي أوكرانيا ستصبح "مجرد خردة" بحلول عام 2024 حيث تنتهي الاتفاقية بينها وروسيا وستخسر الثلاثة مليارات دولار رسوم عبور أنابيب الغاز بأراضيها، إضافة إلى 13محطة تخزين للغاز تشكل 21 بالمئة من حاجة أوروبا. وكذلك سيفقد آلاف الأوكرانيين وظائفهم القائمة على خط الأنابيب ومحطات التخزين.
أما عملية نقل الغاز الطبيعي فمكلفة جدا، حيث يجب تحويله إلى غاز مسال وضغطه أو تبريده لدرجة 162 تحت الصفر ليتقلص حجمه، فكل 600 لتر مكعب يُضغط في لتر واحد لتحمل ناقلات الغاز كميات أكبر، كما يحتاج البلد المستورد محطة إعادة الغاز المسال إلى غاز طبيعي وهو غير متوفر بجميع دول أوروبا.(الرأي)