الاغتيال

الاغتيال

22-03-2026 04:22 AM

الصراع مع إسرائيل يوشك على إتمام قرنٍ من الزمن، وخلال هذا الصراع الطويل الأمد وقعت حروبٌ كثيرة، بين جيوشٍ نظاميةٍ لدول، وميليشياتٍ وقوىً مسلّحة.

في مسألة الصراع الدائم، اعتمدت إسرائيل سلاح الاغتيال، سواء للزعماء والقادة، أو من هم أدنى مرتبةً حتى بلغ الأمر في حالاتٍ عديدة اغتيال أفرادٍ لمجرد أن المسدس وصل إليهم.

الذين اغتالتهم إسرائيل، بالمسدسات أو التفجيرات أو السم، أو باستخدام الطائرات الحربية قبل زمن المسيّرات، ولكثرتهم، لم يعد معروفاً كم وصل عددهم.

الاغتيال حين يطال الصف الأول فلا يجوز تجاهل أثره السلبي على الجبهات التي يجري عليها القتال، وغالباً ما يكون للاغتيال تأثير مزدوج، فهو من جهة يهزّ ثقة أنصار الزعماء الذين تم اغتيالهم بقدرتهم على حماية أنفسهم، وهم المنوط بهم حماية من معهم، ومن جهةٍ أخرى يستخدمه الإسرائيليون لرفع معنويات جيشهم وشعبهم، التي تكون اهتزّت بفعل عجزٍ عن إثبات أن اليد الإسرائيلية هي العليا في الهجوم والدفاع.

وليس أدلّ على ذلك من المعالجة الإعلامية الإسرائيلية لكل عملية اغتيالٍ وهي معالجةٌ بالغة الإثارة، وكأنها على بعد خطوةٍ من النصر النهائي.

إن الاغتيال، خصوصاً للأسماء البارزة، يوظّف في إسرائيل، باستعراضٍ مبالغٍ فيه في المواسم الانتخابية، ذلك أن الإبهار «السوبرماني» هو أهمّ عامل جذبٍ للناخبين، وانظروا إلى كيفية توظيف الاغتيال بالصوت والصورة من قبل نتنياهو الذي يخوض معركة بقائه الأخيرة.

اغتيال القادة ليس بالأمر الذي يمكن اعتباره عديم الجدوى، في الصراع المحتدم، وفي ظلّ الخلل في موازين القوى المائلة دائماً لمصلحة إسرائيل، وانظروا إلى الحالة الفلسطينية كيف كانت زمن عرفات، وكيف صارت بعده، وبالمقياس ذاته حالة «حزب الله» زمن حسن نصرالله، وبعد تصفيته، وحالة إيران بعد اغتيال المرشد علي خامنئي ومن معه، واغتيال لاريجاني ومن معه كذلك. وإذا كان بوسع أتباع الذين تمّ اغتيالهم تبسيط الأمر بالعبارات الدارجة في حالة كهذه كالقول إنهم يتقدّمون الصفوف ويقدّمون أمثولةً في التضحية والفداء، إلا أن الفراغ الذي يتركونه وراءهم وإن كان سهلاً ملؤه بتسمية خلفاء لهم، ولكن من أين تأتي بخبراتهم التي اكتسبوها عبر تجربتهم القيادية الطويلة.

إن ما يستحق النظر إليه من زاويةٍ أعمق وأبعد هو هل سلاح الاغتيال رغم تأثيره على كفاءة أداء المستويات القيادية ومردوداته المعنوية يقدر على تغيير الموازين أو تحقيق نصرٍ أو هزيمةٍ حاسمين مهما بلغت قوة حضور القائد الذي يتم اغتياله؟

وقائع الصراع الممتد أثبتت، وعلى نحوٍ قاطع، أن الاغتيال ومهما عظم تأثيره مادياً ومعنوياً فإنه لا يصل إلى حدّ التأثير في الخلاصات التي يتوخاها منفذوه... قد ينجحون في انتخابات جرّاءه، وقد يملأون صدور أتباعهم بالنشوة والفرح والثقة، وقد يثيرون أسئلةً داخل جبهة الخصم، حول الجدارة والتقصير في الحماية. غير أن ذلك يزول لمجرد حدوث واقعةٍ سياسيةٍ أو قتالية تعيد للخصم تساؤلاته حول جدوى ما تمّ فعله، وفي إسرائيل بالذات فقد حظي سكّانها بفائض دلالٍ وحماية جعلت أقل إصابةٍ حتى لو بالذعر سبباً لهزّ الثقة، وتبديد الشعور بالأمان.

تعوّدت إسرائيل على أن الاغتيالات ذات الطابع الاستعراضي هي أحد مصادر القوة والتأثير، فهي ضرورةٌ انتخابيةٌ قديمةٌ ومتجددة، وضرورةٌ لمعالجة التردي النفسي الذي تنتجه الحروب وخسائرها، وضرورةٌ لإبهار العالم بالقدرة على تحقيق الخوارق، لهذا سيظل سلاح الاغتيال معمولاً به وبأولويةٍ قصوى توازي عمل الطيران والتكنولوجيا.

لهذا لن تقلع إسرائيل عنه، وما يساعدها على النجاح فيه ظاهرة الاستخفاف بالخسائر التي يبديها المُستهدفون، حدّ التباهي بالتضحيات، إذ يكفي بعد كلّ اغتيالٍ يطال زعيم، أن تُستخدم الواقعة كإثباتٍ على أن القادة يتساوون مع جندهم ومواطنيهم، ومن هنا ظهر عندنا مصطلح أن القائد هو «مشروع شهيد» أكثر من كونه ضرورة قيادة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد