السودان والمبادرات الخارجية

السودان والمبادرات الخارجية

11-05-2026 11:14 AM

راسلني القارئ م.ك.ع معبرا عن حيرته إزاء مواقف السودانيين المتباينة حيال دور المبادرات الخارجية في حل الأزمة السودانية. فمنهم من يرفض أي تدخل للمجتمع الدولي في الشأن السوداني، معتبراً إياه انتقاصاً من السيادة الوطنية. ومنهم من يرحّب به، بل يراه ضروريا لوقف الحرب ومعالجة أزماتنا.
واختتم القارئ رسالته متسائلا: كيف نتعامل مع المبادرات الخارجية وتدخلات المجتمع الدولي في قضايانا، كالحرب تحديداً؟ أنسمح بها أم نرفضها ونقاومها؟ ومع أنني تطرقتُ لهذا الموضوع عدة مرات من قبل، ومن زوايا متعددة، إلا أن الاستجابةً لسؤال القارئ العزيز، تظلّ واجبة ومفيدة. وفي مقال اليوم وعدد من المقالات التالية، سأعيد مناقشة الموضوع وأوضح رؤيتي حوله بالتفصيل.
أبدأ مباشرة بالقول بحتمية وموضوعية تدخلات المجتمع الدولي والمبادرات الخارجية في قضايانا وأزماتنا. وهذه الحتمية والموضوعية تفسرها وتبررها عدة عوامل، ثلاثة منها تتربع على قمتها، وهي:
العامل الأول: ويتمثل في حقيقتين موضوعيتين لا تقبلان الجدل أو التجاهل، الأولى أننا نعيش في عالم لا يقبل العزلة والانعزال، وتحكمه قوانين العولمة التي لا فكاك منها، والتي توفر تربة خصبة لتجلي ظاهرة موضوعية وحتمية، تتمثل في ما نشهده من تفاعلات وتداخلات بين مكونات وبلدان هذا العالم. وهذه الظاهرة الموضوعية الحتمية، دائماً ما تأتي تحت عنوان السعي لتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في العالم. والحقيقة الثانية، رغم أنه لا يوجد في العالم بلد محصن ضد أو مستثنى من الأزمات والكوارث السياسية والاجتماعية، إلا أن البلدان النامية، أو بلدان العالم الثالث، هي مستوطن هذه الأزمات والكوارث، لأسباب معلومة ليس هنا مجال مناقشتها، ومن تَواشُج هاتين الحقيقتين تنبع قناعتنا بحتمية تدخلات المجتمع الدولي في المشهد السياسي في البلدان النامية، ومن ضمنها السودان، كوسيلة لحل النزاعات، وتحقيق السلام، ومنع امتداد التوترات والصراعات إلى خارج الحدود.
العامل الثاني: عندما تشتد حدة التأزم في بلدٍ ما، وتفشل النخَب السياسية الوطنية في معالجة الأزمات التي تعصف به إلى حد تفاقم النزاعات والصراعات السياسية والاجتماعية والإثنية، يضطر المجتمع الدولي عندئذٍ إلى استدعاء التدابير الأممية وقوانين الشرعية الدولية، بهدف التدخل وتقديم الحلول ومحاولة فرض الاستقرار في البلد، ومنع انتقال التوتر خارجه. ويتجلى هذا التدخل بوضوح في قضايا الحرب والسلام والكوارث
الإنسانية، والسودان خير مثال لذلك. نتوقف هنا لنشير إلى أن التجربة تقول ليس كل التدخلات الدولية حميدة وتتم وفق القانون الدولي وللصالح العام، وإنما وفق منطق القوة والهيمنة والصالح الخاص، وهذا موضوع يمكن مناقشته في مجال آخر.
العامل الثالث: سعي المجتمع الدولي الدؤوب، وخاصة دول «العالم الأول» المحرّكة والقائدة لتفاعلات المجتمع الدولي وتحركاته، لحماية مصالحه الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية، والمرتبطة بتحقيق الاستقرار العالمي وتجفيف منابع الإرهاب وضمان انسياب المعاملات الاقتصادية.
وبالإضافة إلى الموارد والثروات وكون السودان من العناصر الرئيسية في توفير الأمن الغذائي على مستوى الإقليم والعالم، فإن من العوامل الأخرى التي تجعل السودان محط اهتمام القوى الدولية والإقليمية، تمتعه بموقع استراتيجي فريد حيث يمثل منفذاً إفريقياً حيوياً إلى البحر الأحمر عبر ساحل يمتد نحو 850 كيلومتراً، إضافة إلى كونه جسراً يربط بين دول القرن الإفريقي ووسط إفريقيا والعالم العربي. ومع أن هذا الموقع الاستراتيجي يفترض أن يكون نعمة، إلا أنه في واقع الحال تحوّل اليوم إلى نقمة، وذلك لعدة أسباب. فالاهتمام الدولي والإقليمي بالأهمية الجيوسياسية للسودان، يُعقّد من أزماته الداخلية، حيث تتداخل المصالح الخارجية مع النزاعات المحلية، لتجعل من الحرب المشتعلة اليوم، في جانب منها، حربا بالوكالة. كما أن الموقع الاستراتيجي جعل من السودان عنصرًا محوريًا في مخطط إعادة تشكيل خريطة المنطقة، وفق مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، مما يزيد من فرضية تقسيمه إلى دويلات مستقلة، والتي بدأت بالجنوب. أيضا، الموقع الاستراتيجي يموضع السودان في منطقة تشهد توترات جيوسياسية عميقة، حيث الصراعات المرتبطة بأمن البحر الأحمر، والتنافس الدولي المحتدم حول ممراته وطرق التجارة العالمية. كما إنه يعزز من إمكانية امتداد النزاع الدامي في البلاد إلى دول الجوار، لا سيما تلك التي تعاني أصلاً من تصاعد التوترات السياسية والاجتماعية وهشاشة الأوضاع الأمنية.
جوهر المسألة إذن ليس في قبول أو رفض التدخلات الدولية في شؤوننا، فهي لابد منها في ظل علاقات العولمة، كما ناقشنا أعلاه، وتؤدي فعلها غض النظر عن إعلان قبولنا أو رفضنا لها، وإنما الجوهر يكمن في كيفية تعاملنا الصحيح معها، بمعنى أن نفرّق بوعي تام بين موضوعيتها وحتميتها هذه، وبين محتوى الحلول المضمنة فيها، وذلك وفق مبدأين رئيسيين: الأول، أن العلاج النهائي والناجع لأزماتنا ومشكلاتنا يكمن في داخل البلد، وينبع مننا نحن، ولن يأتينا من الخارج. والمبدأ الثاني، نحن لا نغفل سعي المجتمع الدولي والإقليمي لتحقيق مصالحه الخاصة والمرتبطة بضمان انسياب المعاملات الاقتصادية وبتحقيق الاستقرار العالمي وتجفيف منابع الإرهاب، بل نعترف بكل ذلك ونتفهمه ونتعاون فيه. ولكن، ما نود قوله، وبكل الحزم والصرامة، أن مصالح الخارج لا يمكن أن تكون على حساب مصالح شعبنا، وهذه لا يمكن أن تكون رهينةً لمصالح المجتمع الدولي أو تُضحّى بها على مذبحها.
عموما، لا يمكننا أن ننكر ما قدّمه المجتمع الدولي من مساهمات جليلة لإطفاء نيران الحروب وإخماد بؤر التوتر في العالم. ونحن نقر ونعترف بأن بلادنا نالها نصيب من هذه المساهمات. بيد أن إقرارنا واعترافنا هذا لن يعمينا عن أن نفرق، وبوعي تام، بين هذه المساهمات، كظاهرة موضوعية، بل ومطلوبة، وبين محتوى الحلول المضمنة فيها، والتي قد تتعارض مع تطلعاتنا، وأحيانا ربما تزيد الواقع تأزما وتعقيدا، مهما كانت كفاءة وقوة حجة علماء السياسة وبنوك التفكير المرتبطة بمراكز اتخاذ القرار في المجتمع الدولي. ونواصل المناقشة في المقالات التالية.
٭ كاتب سوداني



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد