لبنان ومعضلة السلاح والقرار

لبنان ومعضلة السلاح والقرار

10-05-2026 02:08 PM

في كل مرة يعود فيها الحديث عن السلاح خارج إطار الدولة في لبنان، يعود معه السؤال نفسه: هل تملك الدولة فعلاً قرارها الكامل؟ وهل الجيش اللبناني قادر على فرض سيادته على كامل الأراضي اللبنانية، خصوصاً في الجنوب؟ هذا السؤال لم يعد مرتبطاً فقط بحزب الله، بل بطبيعة النظام اللبناني كله، وبالتوازنات الداخلية والإقليمية التي حكمت البلد لعقود طويلة.
خلال السنوات الماضية، تعرّض ما يُعرف بمنظومة “الدفاع الوطني” لانتقادات متزايدة، خصوصاً مع تكرار الحديث عن مخازن أسلحة وأنفاق ومنصات صاروخية تابعة لحزب الله في الجنوب، رغم وجود الجيش اللبناني والقوات الدولية. بالنسبة لكثير من اللبنانيين، فإن هذا المشهد يعكس فجوة واضحة بين صورة الدولة على الورق وبين الواقع الفعلي على الأرض، ويطرح تساؤلات حقيقية حول قدرة المؤسسات الرسمية على فرض سلطتها الكاملة.
لكن في المقابل، لا يمكن إعفاء الجيش اللبناني بالكامل من المسؤولية عن هذا الواقع، حتى مع التعقيدات السياسية والأمنية التي تحيط بالمشهد اللبناني. فالمؤسسة العسكرية تعمل وسط انقسامات حادة وأزمة اقتصادية خانقة وضغوط داخلية وخارجية تحدّ من هامش حركتها، إلا أن كثيراً من اللبنانيين باتوا يشعرون بأن دور الجيش لا يزال أقل من مستوى التحديات المطروحة، خصوصاً في ما يتعلق بفرض سلطة الدولة الكاملة على الجنوب.
ومع مرور الوقت، لم تعد التصريحات أو الانتشار الرمزي كافية لإقناع الرأي العام بأن الدولة تمسك فعلاً بقرار الأمن والسيادة، بل أصبح هناك انتظار لخطوات أكثر وضوحاً وحزماً تؤكد أن السلاح وقرار الحرب والسلم هما حصراً بيد مؤسسات الدولة الشرعية. أما فيما يتعلق بحزب الله، فلم تعد علاقته بالمشروع الإيراني موضع نقاش فعلي. فالحزب نفسه لم يُخفِ يوماً أنه تأسس بدعم سياسي وعسكري وعقائدي مباشر من إيران، وتحول مع الوقت إلى أحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة.
كما أن استمراره بهذا الحجم من القوة بعد حرب 2006 لم يكن ممكناً لولا الدعم الإيراني الضخم، رغم الكلفة الكارثية التي دفعتها الدولة اللبنانية واللبنانيون نتيجة تلك الحرب على المستويات الاقتصادية والبشرية والعمرانية. وهنا تكمن نقطة الخلاف الأساسية داخل لبنان.
فشريحة واسعة من اللبنانيين ترى أن القرارات الكبرى المرتبطة بالحرب والسلم لم تعد مرتبطة بالكامل بالمصلحة الوطنية اللبنانية، بل بحسابات إقليمية أوسع تقودها طهران في صراعها مع إسرائيل والغرب. ولهذا وجد لبنان نفسه مراراً داخل مواجهات وتوترات تتجاوز قدرته على الاحتمال، بينما بقيت مؤسسات الدولة عاجزة عن امتلاك القرار السيادي الكامل. بعد السابع من أكتوبر تحديداً، بدا واضحاً أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة.
إن معادلات الردع القديمة التي حكمت المشهد لسنوات طويلة لم تعد ثابتة كما كانت، كما أن النفوذ الإيراني وأذرعه في المنطقة يواجهان تحديات معقدة سياسياً وعسكرياً. وحتى حزب الله نفسه لم يعد قادراً على فرض المعادلة ذاتها التي كانت قائمة قبل سنوات، في ظل التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.
وفي وسط هذه التحولات، تبدو المنطقة وكأنها تتجه نحو مرحلة جديدة مختلفة عن مرحلة الشعارات الكبرى والحروب المفتوحة. كثير من الدول العربية باتت تركز اليوم على الاقتصاد والاستقرار الداخلي والتنمية أكثر من تركيزها على الصراعات المستمرة، وحتى الرأي العام العربي تغيّر إلى حد كبير.
الناس لم تعد تبحث عن خطابات المواجهة بقدر ما تبحث عن الأمن وفرص العمل والحياة الطبيعية. من هنا، تبدو إمكانية فتح مسارات سياسية جديدة وربما تحقيق اختراقات في ملفات التهدئة والسلام أمراً مطروحاً أكثر من أي وقت مضى.
لكن أي تحول حقيقي من هذا النوع يبقى مرتبطاً بقدرة الدول على استعادة قرارها السيادي الكامل، وأن يصبح السلاح محصوراً بيد مؤسسات الدولة وحدها. وفي الحالة اللبنانية، تبدو هذه المسألة أكثر حساسية من أي مكان آخر.
فوجود قوة عسكرية تمتلك قراراً مستقلاً عن مؤسسات الدولة خلق على مدى سنوات نوعاً من الازدواجية السياسية والأمنية، وأضعف صورة الدولة وهيبتها أمام اللبنانيين أنفسهم قبل الخارج. ومع مرور الوقت، بدأ كثير من اللبنانيين يتساءلون بوضوح: ماذا استفاد لبنان فعلياً من بقائه ساحة متقدمة لصراعات المحاور؟ وهل تحولت معادلة “السلاح مقابل الحماية” إلى عنصر قوة فعلاً، أم إلى عبء دائم يمنع قيام دولة مستقرة وطبيعية؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد