ماذا نريد نحن اللبنانيون

ماذا نريد نحن اللبنانيون

08-05-2026 12:28 AM

في كل صباح باكر، ومع حلول الغسق، يتوافد أبناء بيروت إلى الكورنيش. هذا الشريط الضيق من الساحل الغربي السخي لا يتجاوز طوله ثلاثة أميال، يمتد من الرملة البيضاء إلى الزيتونة. إنه المساحة العامة الوحيدة المتبقية في مدينة استبدلت خضرتها بالإسمنت منذ أمد بعيد. لذا، نتوجه إلى الكورنيش، نتنفس، نركض، نمشي، نجلس في صمت، لا يؤنسنا إلا فنجان قهوتنا التركية والبحر.
بيروت لم تعد مدينةً للمشاة، لم تكن كذلك منذ عقود. أرصفتها غير مستوية، تستولي عليها حاويات القمامة بروائحها الكريهة، والمقاهي بكراسيها، والسيارات بسائقيها الغائبين. ثم تأتي الطرق الرئيسية والأوتوسترادات التي تشق المدينة المتلوية، كخطوط دقيقة تخترق نسيجها العمراني المتشابك.
في الربيع والخريف، أمشي عادةً صباح كل أحد. وفي الصيف، أتركُ المدينة لعرقها تحت الشمس اللاهبة. حين أتوجه إلى شاطئ البحر، على بُعد خطوات من بيتي، أذوب في لوحة آسرة لهذا البلد البالغ التنوع والألوان. لا جدران اجتماعية، ولا حواجز اقتصادية، ولا انقسامات طائفية، ولا قواعد للباس. لبنان صغير، وربما أصدق صورة تعكس لبنان الأكبر. وبينما يتلاشى همسُ المارة مع خطواتي، أجدني كثيراً ما أتساءل: ماذا يريد هؤلاء الناس الطيبون؟ إنه سؤالٌ جوهري، من النوع الذي يستدعي استفتاءً شعبياً لا استطلاعاً للرأي. سؤالٌ عن المصير لا عن المظالم اليومية، عن الثوابت التي تشكّل لُبّ الحياة اللبنانية لا عن التفاصيل التي ترسم ملامحها الخارجية. يبدو بديهياً أن جمهورية صغيرة مُثقلةً بالصراعات، كان يفترض بها أن تُجري استفتاءات في المحطات المفصلية من تاريخها المعاصر، لتحسم مسائل وجودية. غير أن الدولة لم تمتلك يوماً الاستقلالية والسلطة اللازمتين لمثل هذه الاقتراعات الحاسمة، لم يكن مخططا لها ذلك أصلا، فمنذ الاستقلال عام 1943، لم نستطع حتى إجراء تعداد سكاني واحد، خشية الإخلال بتوازن طائفي مضطر في كل الأحوال. حين أجرى الانتداب الفرنسي تعداد عام 1932، كان عدد سكاننا 861 ألفاً، من بينهم 255 ألف مغترب. كان بإمكان ساحة الشهداء، بقليل من الحشر والتدافع، أن تستوعبنا جميعاً. أما اليوم، فنحن على بُعد قليل من ستة ملايين نسمة داخل الوطن، ولا نزال لا نجرؤ على إحصاء أنفسنا. إنه أمرٌ مُضحكٌ للغاية ظاهريا، ومأساويٌّ للغاية في كل مكان آخر. فضلاً عن ذلك، اعتادت الطبقة الحاكمة في لبنان أن تفترض أنها خير تمثيل لإرادة الشعب. وربما كان هذا افتراضاً منطقيا في ظل هذا الكارتيل الطائفي العصيّ على الزوال، الذي يتقنّع بزي الديمقراطية التوافقية: ولاء الطوائف لقادة الطوائف، أليس من المنطقي بالقدر ذاته افتراض أن ما يذعن له الناس كرعايا لهذا النظام الطائفي، ليس بالضرورة ما يطمحون إليه كمواطنين في وطن مختلف نوعياً وجوهراً؟
فهذه الطموحات هي التي أوقعتنا مراراً في براثن الصراع، ولعل أبرزها الحرب الأهلية التي امتدت من 1975 إلى 1990. وكانت هذه الطموحات ذاتها أول ما انحرف عن مساره وأضُحي به في خضم صراع سرعان ما تحول إلى حمام دم طائفي. ومن أبلغ دروس التاريخ وأجدرها بالتأمل هو السرعة التي تم فيها تحول المساعي المنطقية إلى عنف عبثي. ولم نتعلم هذا الدرس بعد، لنعلّمه لغيرنا.والآن، ونحن نترنّح على حافة الهاوية، من جديد، يغدو من المناسب طرح السؤال البديهي: ماذا نريد نحن اللبنانيين؟ لا أطرح هذا السؤال وأنا في جهل تام بمواقفنا العميقة الجذور ومزاجنا العام. فاستطلاعات الرأي الرصينة زوّدتنا بانتظام بما هو أكثر من مجرد مؤشرات الرضا المعتادة: الأمن الاقتصادي، وراحة البال، والخدمات الأساسية، وحكومة نظيفة وفاعلة، ودولة تُنجز.
على سبيل المثال، فيما يتعلق بالهوية السياسية للبنان وإسرائيل، وهما المسألتان اللتان أوصلتانا إلى حافة الحرب مراراً منذ نشأة لبنان الحديث، لدينا تصوّر شبه واضح، فمن أحدث استطلاعات المقياس العربي (Arab Barometer) نعلم أن شريحة من اللبنانيين تفضّل «نظام المحاصصة الطائفية.» ونعلم أيضاً أن شريحة مماثلة تقريباً تميل إلى ميثاق مدني، في حين تؤيد أقلية نظاماً فيدرالياً، غير أننا لا نعلم ما الذي يحرّك كل فريق في خياره؛ تلك المعتقدات الخفية والمخاوف المقنّعة التي تُرسّخه في هذا التوجه أو ذاك. وليس لدينا أي فكرة عن الفروق الدقيقة التي تشكّل قناعاتهم.
ويكشف استطلاع المركز العربي (Arab Centre) أن الغالبية الساحقة من اللبنانيين ترفض الاعتراف بإسرائيل، وهو توافقٌ عابر للطوائف يبدو أنه يغيب عن نخبتنا المتشاحنة، غير أنه ليس بحوزتنا مقياس حقيقي لموقف هذه الغالبية من حزب الله وسلاحه. وقد طرح المقياس العربي سؤالاً حول نزع سلاح الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة، فأشار 20% من المستطلَعين إلى أن ذلك يمثّل أولوية. لكن عندما يتعلق الأمر بمثل هذه الأسئلة «الحساسة»، إلا أن الرقابة الذاتية تظل اعتبارا ذا مصداقية عالية في بعض المناطق ومع فئات معينة. ومثل هذه النتيجة، في غياب المبررات التي تُعمّق معناها وتُبرز أهميتها، لا تعدو كونها مجرد رؤية أولية وجزئية.
أطرح هذه الملاحظات وأنا مدركةٌ تمام الإدراك لقصور استطلاعات الرأي كمرجع للسياسات، فهي في يد مفسّرها حمّالة أوجه، وحتى أرسخها سمعةً تفقد جدواها في الساحات السياسية المستقطبة كساحتنا. نتائجها، إن لم تُعجبنا، تصبح موضع شك؛ وإن أعجبتنا، فهي وحيٌ منزَّل. لو لم تكن الانتخابات بهذا القدر من الابتذال والمحاصصة، ولم تكن مفصّلة على مقاس القبضة الطائفية لبارونات السياسة لدينا، لكان بمقدورها أن تسلّط الضوء على تطلعاتنا الجماعية. وكما يقول المثل، البرلمان هو حيث تذهب الديمقراطية لتموت، وقد ماتت ديمقراطيتنا هناك منذ زمن بعيد، ونحن كشعب لا نملك اليوم ما يلزم لجعل الاقتراع أكثر عدالةً ومعنى. من لا ينتمي منا إلى حزب طائفي لا ينتمي إلى أي مكان. نحن تائهون ومشتتون ـ أهل الأحلام العصية، وأصحاب الحظوظ الضئيلة، والخاسرون شبه الدائمون في صناديق الاقتراع، يملؤنا الغضبٌ، لكننا نفتقر إلى الحماس الثوري؛ قد تكون لدينا أفكار تغييرية، لكن لا إرادة تغييرية لتفعيلها، وليس ثمة دافعٌ حقيقي للتحوّل الجذري يُحرك مخيّلتنا ويُقلق نخبتنا.
هل بمقدورنا أن نتخبّط إلى الأبد في هذه الحياة المليئة بالطرق المسدودة والألغاز، بالحروب الصغيرة والكبيرة؟ لا أعلم عن الأبد، لكن ثلاثةً وثمانين عاماً مضت ونحن نتخبّط في هذا المأزق. من المؤكد أننا سنواصل التخبّط فيه، ونحن نصغر ونهمش ونزداد فقراً .لا يخفى عليّ أن الدعوة إلى استفتاءات حرة ونزيهة أمرٌ أقرب إلى السذاجة، غير أن ذلك لا يجعل السؤال الأكثر إلحاحاً أقل أهمية، ذلك السؤال الجوهري الذي لا تُجيب عنه سوى الاستفتاءات: ماذا نريد، نحن اللبنانيين؟
كاتبة لبنانية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد