حقُّ اللغات على اللغات
07-05-2026 12:30 AM
كتبت في المقال السابق عن الترجمة من العربية إلى لغات أخرى ومنها إلى العربية، ويمكنني أن أضيف هنا، أن من حق اللغات على اللغات الترجمة، وحق الشعوب على الشعوب أن تطلّ على ثقافاتها، فهي جميعها أهل هذا الكوكب الصغير الجميل، الذي على الرغم من تعدد لغاته يفتقد حقّ التواصل الصحيح، مما يؤدي إلى سوء الفهم، المبيت أو البريء، وإلى كثير من المعضلات، في زمن يتمّ فيه التربّص من أجل إخراج الكلمات عن ومن معناها وتسييرها في اتجاهات محددة لتكون أدوات جفاء لا أدوات تواصل، وأدوات دمار لا أدوات بناء.
مسكينة هي اللغات، فهي في فم الطاغية شيء وفي فم الضحية شيء آخر، وفي فم صاحب الأمر شيء وفي فم الرّعية شيء آخر، وفي فم الشاعر غيرها في فم الرّقيب والجنرال والسمسار والسجان والمحقق والأسير.. وهي لغة الحب ولغة الهجر ولغة القسوة، ولغة تحيي بها إنسانا وتقتل آخر.. إلى ما لا نهاية.
واللغات فريسة، فهناك من يتربّص بها دائما وينصب لها الفخاخ للقبض عليها، وهناك من يُقتل باسمها وهناك من يَقتل، لذا تصبح أكثر أهمية لقاءات اللغات عبر الجمال الذي تمثله الآداب وبقية الفنون في ظلّ عدم توافر فرص اللقاء دائما بين الناس في بلدان قصية، بعد أزمنة مضت كان اللقاء فيها كافيا لأن يتفاهم الناس أو يختلفوا بلا كلمات، إلى أن اخترعوا اللغات أملا في أن يمحوا المساحات الرمادية المتسببة في وقوع سوء الفهم وهم يعملون على التعبير عن ذواتهم، لكن اللغات مثل كل شيء آخر، لا تسلم أبدا من أن تتحول إلى ضحية لخلق التنافر أو تزوير الحقائق.
لكن، وبعيدا عن وجود لغة مشتركة بين اثنين، لم تزل هناك وسائل للاتصال، إن مَنَّ الزمان على المرء بلقاء يجمعه مع إنسان يتحدث لغة لا يعرف منها شيئا.
أستعيد دائما بسعادة تلك الأيام التي أمضيتها في كولومبيا، مشاركا في مهرجان مدايين الشعري العالمي، الذي لم أرَ حتى اليوم مهرجانا بضخامته، أو جمهورا كثيفا كجمهوره، حين أمضيت أكثر من سهرة مع الشاعر الكولومبي الذي كان يقرأ قصائدي بالإسبانية، بعد قراءتي لها بالعربية. الحقيقة كان لقاؤنا رائعا ونحن نحاول التعبير كل بطريقته، فهو لا يعرف غير الإسبانية، التي لا أعرفها. كانت السهرة تمتد ونحن نستخدم لغة الإشارة دون التوقف عن الكلام الذي لا نعرف ترجمة له، لكننا كنا ندرك المعنى بالضحك حينا، وبالحزن حينا، وبطريقة تعبيرنا عن الكلمات ونحن نوصلها إلى معناها.
تجربة فريدة. يمكنني القول الآن إنني فهمته، وعرفت الكثير عنه كما عرف الكثير عني، ولم تكن هذه التجربة هي الوحيدة، فقد تكررت معي تجارب أخرى وجدت مكانها باتساع في كتاب «السيرة الطائرة».
بدأ المقال عن أهمية الترجمة وضرورة اجتماع الشقيقات، وأعني اللغات، وحقّها في تبادل الأحاسيس والمعارف والتنوع الثقافي، لكن ذلك لا يمنعنا من أن نتحدث عن فنون تبدو وكأنها الجمال ناطقا، مثل الموسيقى والرسم والرقص والهندسة و…، ويمكن أن نتحدث عن تجاوز الحاجة إلى الكلام بلغة الإشارة، ولغة الجسد، والصوت البحت والصمت، والصرخة والابتسامة، والملامح والعيون، والحنان والمنح، والعنف والرقة، ونبرة الصوت، والعلامات والطقوس وحتى الملابس والرموز..
كلها تتكلم وتبوح.
أو كما يقال حين تختفي الكلمات يبدأ الكلام.
نستعيد تجربة العبقري شارلي شابلن، الذي عبّر بأفلامه، التي أظن أن صفة «صامتة» غير دقيقة أبدا حين نطلقها عليها، فهي أفلام تتحدث بلغة توحد لغات العالم كلها، نفهمها حيثما كنا، وتؤثر فينا على الرغم من اختلافنا وخلافاتنا، وتعبّر عنا في كل يوم أكثر من اليوم الذي سبقه.
ما الذي يمكن أن نقوله عن فيلم «الأزمنة الحديثة»؟ كأنه عن كل زمن عاشه ويعيشه الإنسان أمس واليوم وغدا، وهو يمنحنا تعددا هائلا في مستويات المعاني وقدرتها على التجدد وهي تتجاوز زهو بلاغتنا حين تعبر عن أعمق ما فينا من أبعاد.
هنا يصبح كل ما في ملامح وحركات وعيون واستجابات الجسد، بما يحيق به أو يصدر عنه، دليلا على أن لغة البشر الكبرى كامنة فيهم، ليقولوا ويسمعوا ويحسّوا… من دون أن ننسى الإيقاع وهو يتحول إلى لغة، والمشهد وهو يتحول إلى مساحة مضافة، والنور والظل والعتمة ووجه الشرطي وذعر الطفل، إلى أن نصل الى حقيقة أن جوهر كل فن كبير أن يقول الكثير من دون أن يقول، وهو يحاور أعمق ما فينا ويوقظه من دون أن يكون مضطرا لأن يرفع صوته..
وبعد:
اللغاتُ تُحلِّقُ حوليَ مثل الطيورِ
تحطُّ على شرفةٍ وتطيرُ إلى نافذةْ
وترفرفُ بين ربيعينِ
يتّكئانِ على صُدْفَةٍ جمعتْ عاشقَينِ
على شاطئٍ في الأغاني الرّقيقةْ!
اللغاتُ تسيرُ إلى جانبيَّ تردُّ الصباحَ
وتضحكُ مثل صغارٍ على موعدٍ مع حديقةْ
اللغاتُ.. فكلُّ اللغاتِ صديقةْ!
وبي كلُّ صمتِ المدائحِ في عُنُقٍ صاعدٍ نحوَ شمس
وكلُّ ارتحالِ غدٍ مُثْقلٍ نحوَ أبوابِ أمس
وبي كلُّ ما لم تقلْه اللغاتُ
إذا ما قرأتُكِ حينًا بشِعْر وحينًا بلمَسْ
واللغاتُ تؤثثُ بيتًا لسيّدةٍ تتهجَّى لقاءً طويلًا بلا أيِّ طائلْ
وأفْقًا لسائحةٍ حدَّثتْ نفسَها بثلاثِ لغاتٍ
ولكنّها لم تجدْ أيَّ معنىً يدلُّ على قلبِها
أو يرتِّبُ حُلْمًا تبعثرَ في ظلِّ بابلْ
وريحًا لطفلٍ يرى العُمْرَ أثقلَ من عتباتٍ
مقيدةٍ في ظلالِ المنازلْ
وحفنةَ ماءٍ لصحراءَ تركضُ من ألفِ عامٍ لتبلُغَ ساحِلْ
ولونًا لهذي الجهاتِ التي انفرطتْ في الصّدى والرّسائلْ
وشِعْرًا لدندنةٍ تتعثّرُ ما بين نايٍ وبين كمانْ
بعدَ عامينِ من مقْتَلِ المهرجانْ
ورحيلِ القوافلْ
واللغاتُ ثيابٌ برائحةِ البحرِ، حُبٌّ برائحةِ الكَسْتَناءْ
وشمسٌ يقودُ خطاها الأملْ
إلى أبدٍ عالقٍ في أزلْ!
واللغاتُ ينابيعُ تجري
بحارٌ تسيلُ على جسدٍ ناحِلٍ قربَ غابةْ
واللغاتُ سحابةْ
عبرتْ بين شمسينِ عاريتينِ
وسالتْ ففاضَ الهواءُ وقلّبَ في ظلِّها كلُّ أعمًى كتابَهْ
واللغاتُ تحلِّقُ حوليَ مثل الطيورِ
تُعلِّمُني الصمتَ في الضوءِ والكلماتِ الجديدةْ
ههنا تحتَ هذي السَّماء البعيدةْ
تصريحات زكري تطال الأردن وعدلي وزيدان
باريس سان جيرمان يتأهل لنهائي دوري الأبطال بعد تعادل مثير مع بايرن ميونخ
استشهاد 13 لبنانياً برصاص الاحتلال ليرتفع العدد إلى 2715 منذ 2 آذار
الصين تدين زيارة وفد برلماني إسرائيلي لتايوان
تهنئة للدكتور زيد جرادات بمناسبة الترقية
الزراعة الوطنية بين إنجازٍ يُعلن وتحدٍ يُزرع
الوحدة الوطنية حقيقة برعاية ملكية سامية
السيلاوي يبث رسالة استغاثة من المستشفى ماذا يحدث .. صورة
اللحظات الأخيرة من حياة هاني شاكر وسبب الوفاة
سبب وفاة هاني شاكر تهز مواقع التواصل
إعادة تشريح جثمان ضياء العوضي بأمر النائب العام لكشف ملابسات الوفاة
مهم بشأن أسعار الأضاحي العام الحالي
رفع تعرفة عداد التكسي والتطبيقات الاثنين المقبل
القوات المسلحة تنفذ عملية "الردع الأردني" ضد تجار السلاح والمخدرات
مصدر أمني: إطلاق نار على ثلاثة أشقاء في الرصيفة
وفاة ثانية بحادث جمرك العقبة المؤسف
مهم للمواطنين بشأن تعديلات الترخيص
مسؤول أميركي يعلن انتهاء الهجمات على إيران .. ما السبب
تنكة بنزين 90 أصبحت بـ20 دينارًا .. تعرّف على الأسعار
وفاة سيدة سقطت من أعلى مبنى تجاري في وسط عمّان
رسمياً .. بدء حجب المواقع الإباحية على شبكات الإنترنت بالأردن

