كاميرا الثّقافة: برامج لا يطلبها أحد
05-05-2026 10:25 AM
أتنقّل من فضائية إلى أخرى، أبحث عن برامج تعنى بالثّقافة في الجزائر، عن بلاتوهات تملأ العين، فأجد نفسي محاصرًا بكلام وجمل مصفوفة ترافع عن الثقافة من غير روح، تتحدّث عن الأدب والفنّ كمن يتحدّث عن مدينة مهجورة، لأن كلام المذيعين يغرق في الماضي أكثر من الالتفات إلى الحاضر أو المستقبل، ويتناوب على البلاتوهات مذيعون بربطات عنق، لا ترمش أعينهم حين الكلام، ويجلس قبالتهم ضيوف مثلما يجلس معلم في المدرسة، ولا تنقصهم سوى عصا في اليد من أجل معاقبة المشاهدين. يخوضون في الثقافة مثل معلّم يلقي درسًا أمام تلميذ، يردّدون كلاما معروفا لا جديد فيه، فقد تحوّلت الشؤون الثقافية في التّلفزيون إلى ما يشبه ورشة مدرسية، نلقي فيها الكلام وننتظر من المشاهد أن يصغي من غير حوار ومن غير أن نسمع ردّة فعله. يطول فيها اللغو والحديث، ولكنها أحاديث تطوف حول الهوامش من غير أن تنفد إلى لبّ الأشياء، برامج تعلي من شأن الزخرفة اللغوية وتتوارى فيها الأسئلة الأساسية، وكأن السؤال بات أمرًا غير مباح، نحذر منه خشية مقص الرّقيب.
إنها برامج تتعامل مع المشاهد مثل ضابط يتعامل مع جندي، يلقي على مسمعه الأوامر وينتظر منه الحفظ، يوصل إليه الفكرة ويتوقّع منه أن يهضمها كما هي، وإن لم يفعل فسوف تنهال على يده لسعات عصا من خيزران. لا تتعامل معه كمواطن منفتح على الثقافة وأنّ له الحقّ في الاعتراض، لا تتيح له فرصة في النّقاش بالاتصال بالهاتف أو على مواقع التواصل، لأن برامج الثقافة تبدو مثل علبة مغلقة، كأنها ميدان سرّي، لا يصح فيه الكلام سوى للمذيع و للضيف، لم نشاهد لحدّ الآن برنامجًا واحدًا يرفع راية الثقافة ويفتح خطّ الهاتف للمشاهدين، مع أنها فكرة ناجعة ويجري تداولها في برامج تهتمّ بشؤون أخرى. هكذا يشعر المشاهد بنفسه معزولًا، لا حقّ له سوى ابتلاع ما يسمع. إنها برامج تتوجّه إليه بلغة بلاغية وتارة إنشائية، واللغة هي واحدة من الأسباب التي أنهكت البرامج الثقافية في التلفزيون، لأنها لم تستطع أن تساير مزاج المشاهد، بل تفرض عليه أن يسايرها، ليست لغة في متناول النّاس العاديين، بل نخبوية تجعل النّاس ينفرون منها بدل أن ينضموا إليها، وقد يقول أحدهم إن الأمر منطقي بحكم أن موضوع البرنامج هو الثقافة، لكن لغة الثقافة ليست هي لغة التلفزيون، والغاية من التلفزيون لا إنتاج نص ولا لوحة فنية ولا فيلما، بل هي وضع الثقافة في أيادي المشاهدين، أن يتآلفوا معها، بدل أن نشيّد حائطًا بينهم وبينها بالغوص في لغة تتطلب قاموسًا من طرف المتابع قصد فهم معانيها.
هكذا ينحرف هذا النوع من البرامج إلى اتجاه واحد، من المذيع إلى المشاهد، وتفقد الثقافة قيمتها الديمقراطية، بل تصير حكرًا على شخص يجلس أمام الكاميرا، يستحوذ على الكلام وحده والآخرون لا يسعهم عدا الإصغاء، بما يودي إلى تقييد الفعل الثقافي وجعله حيزًا يتعارض مع الجمهور بدل أن يدنو منه. من الصعب أن نقنع مذيعًا لبرامج الثقافية أن مهنته تشبه مهنة نادل في مقهى، أن عليه أن يكون في خدمة المشاهد. إذا عقدنا المقارنة بينه وبين النّادل في مقهى قد يظنّ أن في الأمر إساءة إليه، لأن ذلك المذيع والذي لا تتعدّى مهمته تنشيط برنامج يريد أن يصير في مصاف كبار المثقفين والفنانين في البلد، بحكم أن الصدف أوصلته إلى الوقوف أمام الكاميرا فإنه يعتقد أن موقعه يجعله في صف واحد مع المثقفين، هكذا تنمو الأنانية في نفسه والمشاهد هو الضحية.
إن هذه البرامج، التي يرجى منها إعادة تعريف الثقافة وتقريب المواطن من ممارساتها وتحبيبها إليه، بأن يتآلف مع المسرح والذهاب إلى قاعات السينما على ندرتها، أن يقتني كتابا من مكتبة على ندرة المكتبات، تحوّلت إلى منصة يحتلها مذيع مع ضيف أو أكثر، يتبادلون فيها الكلام، بل يحصل أن يدخلوا في حوار طرشان، كلّ واحد منهم يودّ أن ينفرد بالكلام لنفسه. يلتقون في بلاتوهات تشبه المغارة، في الغالب بإضاة خافضة، وربما الأمر يعود إلى المخرج الذي يود إضافة الإثارة إلى البرنامج، لكنها إثارة سريعة الذوبان لأن الكلام الذي يرافقها لا يفي بالجوّ، فهي برامج يتوارى فيها السؤال ويتقدّم فيها اللغو، لأن أي سؤال جدّي غير محسوب من شأنه أن يتلوه جواب غير محسوب، وفي هذه الحالة لن يعترض الرّقيب على القيام بمهامه، وأكثر شيء يؤرق بال مذيع في التلفزيون أن يصطدم بالرّقيب. إنها برامج تهتم بالسلعة الثقافية من كتاب أو فيلم او مسرحية مع إلغاء المبدع، تتحدّث عن المادة مع إغفال الحديث عن صاحبها، لأنّ مهمته عند الحضور إنما الإجابة على أسئلة مكررة، من غير أن يفتح قلبه في الحديث عن نفسه للجمهور قصد التعرّف إليه.
إن برامج الثقافة التي ظهرت من أجل هدف واضح وهو كسب الجمهور صارت تنتصب مثل سدّ يمنع وصول الثقافة إلى المتلقي، لأنّها تتعامل معها وكأنها مادة ميّتة، تتلو على الثقافة كلمات عزاء لا كلمات تحييها في أذهان المشاهدين. ولا أحد يعلم لماذا تصرّ هذه البرامج على كادرات طويلة، وعلى إيقاع بطيء، لماذا تعريفها للثقافة ينحصر في كتاب أو فيلم أو مسرحية، من غير مغامرة في أشكال الثقافة الجديدة، والتي تنمو وتزهر في الشارع بعيدًا عن أعين المؤسسة الرسمية. هكذا تتحوّل إلى برامج لا يطلبها أحد، تجري برمجتها من أجل ملء الفراغ في الفضائيات، من غير أن يهتم أحد بأرقام مشاهدتها، تقدّم للمشاهد مادة ثقافية شبه محتضرة، ثم نستاء عندما يعرض النّاس عن القراءة أو عن مشاهدة الأفلام!
كاتب من الجزائر
فضل شاكر بوضع صحي دقيق .. هل سيتم إخلاء سبيله
إسرائيل تتحدى ترامب وتواصل هجماتها العنيفة على لبنان
فرصة للمقبلين على الزواج .. هبوط أسعار الذهب محلياً اليوم
زياد عشيش يحرز برونزية كأس العالم للملاكمة
ويتكوف يتوجه إلى سويسرا لإجراء مباحثات متوقعة مع إيران
الأردن يسيطر على موجة الغلاء العالمي
نقوي يتوجه إلى طهران لبحث سير المفاوضات
تنويه مهم لسالكي هذه الطرقات في عمّان
رغم توترات المنطقة .. الأردن يحافظ على استقرار مالي ونقدي
تركيا تودع المونديال مبكرا بعد خسارتها أمام باراغواي
عدد اللاجئين السوريين العائدين طوعا من الأردن
ترامب: شن عملية خاطفة ضد كوبا احتمال قائم
تراجع التداولات في بورصة عمّان خلال الأسبوع الماضي
تنويه للمواطنين .. توقف مؤقت لضخ المياه بهذه المناطق
انخفاض كبير على أسعار الذهب محلياً الخميس
ظهور أسد في معان يتصدر حديث الأردنيين .. ما القصة
الأسماء التجارية للعينات غير المطابقة من الجميد .. صور
ما مصدر الجميد المحتوي على ثاني أكسيد التيتانيوم بالأسواق
الأمن العام يوضّح ملابسات فيديو مشاجرة شفا بدران
بحث إنشاء مجمع سفريات في النعيمة بإربد
الزراعة: شحنة عجول كولومبية عابرة للعراق وليست للسوق الأردنية
مدير الأمن العام يقرر إجراء تنقلات وتعيينات جديدة
الأمن يكشف ملابسات فيديو الاعتداء على شخص ببني كنانة .. شاهد

