ليس لدى «هاربر لي» أقوال أخرى

ليس لدى «هاربر لي» أقوال أخرى

04-05-2026 12:40 AM

في شقة نيويوركية صغيرة – قبل سبعين سنة – اجتمع الملحن الموسيقي مايكل براون وزوجته راقصة الباليه جوي ويليامز براون، للاحتفال بعيد الميلاد الثلاثين لصديقة لهما، تعمل موظفة حجز في شركة طيران، تكتب بعض المقالات وتشكو دائما من الضيق المادي وقلة الوقت، لتحقق حلمها بكتابة رواية.
أهدى الزوجان لصديقتهما ظرفا يحوي ورقة فيها سطر واحد كان الشرارة التي تولّدت عنها واحدة من أهم روايات القرن العشرين. لم يكن في الرسالة سوى هذه الكلمات «لديكِ إجازة لمدة عام من عملكِ لتكتبي ما تشائين. عيد ميلاد سعيد». وهذا بالضبط ما كانت تحتاجه هاربر لي، الفتاة القادمة من الريف لتكتب أيقونتها: مبلغٌ مالي يعادل راتبها السنوي، لتتمكن من التفرغ التام للكتابة، من دون القلق بشأن لقمة العيش.
بعد هذه الحادثة بسنة واحدة وُلدت المسودة الأولى من رواية (To Kill a Mockingbird) التي تعددت ترجمة عنوانها إلى العربية ما بين «أن تقتلَ عصفورا مُحاكيا»، أو «أن تقتلَ طائرا بريئا» أو «لا تقتلْ عصفورا ساخرا».
حين سلّمت هاربر لي مخطوطة الرواية إلى دار ليبينكوت، قرأتها المحررة تاي هوهوف ورأت أن «شرارة الكاتب الحقيقي تتألق في كل سطر» كما روت لاحقا، ولكن رأت أيضا أن هذه المخطوطة غير صالحة للنشر في شكلها الحالي فهي «سلسلة من الحكايات أكثر منها رواية مكتملة». وبعد عامين آخرين من العمل المضني بين كاتبة مبتدئة ومحررة متمرسة شعارها «الرواية لا تولد كاملة، بل تُربّى» صدرت سنة 1960 رواية «أن تقتل طائرا محاكيا»، وبعد سنة واحدة فقط من صدورها حصلت الرواية على البوليتزر أرقى الجوائز الأمريكية، أما في السنة الثانية لصدورها فقد اقتُبس منها فيلم أصبح من أيقونات السينما الهوليوودية ترشّح لثماني جوائز أوسكار ونال عن دوره فيه الممثل غريغوري بك أوسكار أحسن ممثل. أما الآن وبعد 66 سنة من صدور الرواية، فقد بيع منها أكثر من أربعين مليون نسخة، ولا يزال يباع منها كل سنة مليون نسخة، وقد ترجمت إلى أربعين لغة، وقُرّرت في مناهج دراسية عديدة عبر العالم.

تدور أحداث رواية «أن تقتل طائرا محاكيا» في ثلاثينيات القرن العشرين، خلال فترة الركود الاقتصادي الكبير، في مايكومب البلدة الجنوبية الصغيرة الخيالية، تروي لنا ما حدث، طفلة تدعى «سكوت فينش»، تعيش مع شقيقها «جِم» ووالدهما المحامي الأرمل «أتيكوس فينش»، وهو رجل يتسم بالنزاهة والحكمة. في بداية الرواية، ينشغل الأطفال بفضولهم تجاه جارهم الغامض «بو رادلي»، الذي يعيش منعزلاً داخل منزله ولا يراه أحد. يحاول الأطفال استدراجه للخروج عبر ألعاب ومغامرات بريئة، لكنهم يبدؤون تدريجيا باكتشاف إنسانيته من خلال هدايا صغيرة يتركها لهم على جذع شجرة، ما يغيّر نظرتهم إليه. ولكن هذه الحياة الرتيبة الوادعة التي ترويها الطفلة سكوت، تأخذ منحى دراماتيكيا عندما يقبل أتيكوس الدفاع عن رجل أسود يُدعى «توم روبنسون»، متهم زورا باغتصاب فتاة بيضاء. يثير هذا القرار غضب المجتمع العنصري، ويجعل سكوت وأخاها عرضةً للسخرية والاعتداء اللفظي. رغم ذلك، يصرّ والدهما على الدفاع عن المتهم ذي البشرة السوداء، وعلى تعليم طفليه معنى العدالة والتعاطف مع الآخرين، من خلال قوله لهما «لن تفهم شخصا حقا حتى تنظر إلى الأمور من وجهة نظره»، هذه الجملة التي تحولت شعارا ومبدأ أخلاقيا، يُستشهد بها في النقاشات القانونية والسياسية، ولا تزال تتردد في مناسبات عديدة إلى يومنا. خلال المحاكمة، يكشف أتيكوس تناقضات شهادة الفتاة المدّعية، ويقدم الدليل أنها كذبت خوفا من والدها وأن المتهم توم عاجز جسديا عن ارتكاب الجريمة، ومع هذا يُدان توم بسبب تحيّز هيئة المحلفين، في مشهد يعكس قسوة الظلم الاجتماعي. لاحقا، يُقتل توم أثناء محاولته الهرب، في نهاية مأساوية تؤكد هشاشة العدالة في مجتمع تحكمه العنصرية. تتصاعد الأحداث عندما يسعى والد الفتاة للانتقام من المحامي، فيعتدي على سكوت وأخيها ليلا، ولكن جارهم الغامض المنعزل يتدخل وينقذهما، لتدرك سكوت أن الحكم على الناس بالمظاهر خطأ.

ما السر الذي يجعل رواية تبدو بسيطة في ظاهرها، تنال هذه الشهرة العريضة والاهتمام الواسع وتصبح أكثر كِتاب غيّر حياة الأمريكيين بعد الإنجيل، وتنال عليها مؤلفتها بعد أربعين سنة من صدورها، من يدي رئيس الولايات المتحدة جورج بوش «وسام الحرية» أرفع وسام يناله مدني؟ علما بأن هذا التتويج كان من المرات النادرة جدا التي ظهرت فيها هاربر لي إلى العلن، فبمجرد فوزها بالبوليتزر، امتنعت تماما عن إجراء المقابلات الصحافية مبررة ذلك بجواب ساخر «من الأفضل أن تصمت وتترك الناس يظنون أنك أحمق، من أن تتكلم وتؤكد ذلك»، وانسحبت إلى مسقط رأسها في بلدة مونروفيل الصغيرة في ولاية ألاباما لتعيش إلى جنب أختها الكبرى موزعةً وقتها بين إطعام البط وحل الكلمات المتقاطعة ولعب الغولف، فيما يشبه «ثورة صامتة» ضد ثقافة الشهرة. اختارت أن تعيش حياة عادية جداً، لأنها آمنت بأن العمل الأدبي يجب أن يكون هو النجم، أما الكاتب فيحق له أن يختفي خلف الستار ويستمتع بقهوته بسلام. مع بعض الاستثناءات من كتابة مقالات نادرة بين الفينة والأخرى، أو مساعدة صديقها وابن بلدتها الروائي ترومان كابوتي في جمع المادة العلمية لروايته الواقعية الشهيرة «بدم بارد».

غير أن هاربر لي في سنة 2015 أي قبل أشهر من وفاتها فاجأت محبي أدبها والأوساط الأدبية في العالم بإصدار رواية جديدة لها بعنوان (Go Set a Watchman) «اذهب وأقم حارسا»، وقد صاحب صدور الرواية جدل كبير، فهناك من يرى أنها جزء ثان مكمل لرواية «أن تقتل طائرا محاكيا»، خاصة أن أحداثها تجري بعد عشرين عاما من أحداث الرواية الأولى، حيث نجد الطفلة/الراوية سكوت وقد أصبحت صبية تعود إلى مايكومب لزيارة والدها المحامي المسن، ولكن تكتشف أن والدها الذي كان رمزا للعدالة والنزاهة أصبح يحضر اجتماعات «مجلس المواطنين» المؤيد للفصل العنصري، ويحتفظ بمنشورات تعارض الحقوق المدنية للسود، فتنهدم صورة والدها المثال الأعلى في حياتها وتستعيض عنها بضميرها، الذي يصبح حارسها كما جاء في عنوان الرواية الذي استلهمته من جملة في سفر إشعياء في الكتاب المقدس «لأنه هكذا قال لي السيد: اذهب أقم الحارس لِيُخبر بما يرى»، لكن الجدل حول الرواية تجاوز مضمونها الذي أصاب القراء بخيبة ظن، حين رأوا «أتيكوس فينش» رمز الأخلاق في الرواية الأولى، يتحول إلى رجل أبيض عنصري، ليصل إلى التشكيك في أهلية هاربر لي نفسها في نشر هذا النص، فقد تبين أن الرواية الأخيرة ليست تكملة للرواية الأولى بل الصياغة الأوليّة لروايتها الوحيدة «أن تقتل طائرا محاكيا».

وقد سبق أن أدخلت عليها هاربر لي تعديلات جوهرية بإشراف وتوجيه من محررتها الأدبية تاي هوهوف، بدليل وجود فقرات كاملة مشتركة بين الروايتين، ولكن ما الذي حدا بامرأة في التاسعة والثمانين من عمرها انقطعت عن الكتابة واعتزلت الساحة الأدبية لأكثر من نصف قرن أن تعود برواية مثيرة للجدل من ناحيتها الفنية والمضمونية، قرائن عديدة دلت على أن ناشري الرواية استغلوا المؤلفة لتحقيق مكاسب مادية فقد كانت في أرذل العمر، تعاني من ضعف السمع والبصر، وقبل ذلك بفترة قليلة توفيت أختها الكبرى التي كانت ملاكها الحارس، في ظل هذه الظروف أعلنت المحامية تونيا كاركر أنها وجدت المخطوطة في صندوق أمانات قديم، هذه الشبهات دفعت ولاية ألاباما لإجراء تحقيق رسمي في شبهة إساءة معاملة المسنين واستغلالهم ماديا، لكن التحقيق أغلق لعدم كفاية الأدلة.

تبخر بسرعة أثر رواية «اذهب وأقم حارسا» فالأمريكيون خصوصا، والقراء عموما رفضوا استبدال شخصية «أتيكوس فينش» التي غدت تُدرّس في كليات الحقوق كنموذج للمحامي الذي يتمسك بالعدالة حتى في وجه هزيمة محققة، بعجوز محافظ يتناغم مع التمييز العنصري، وبقيت أيقونة هاربر لي محطة بارزة في حركة الحقوق المدنية في أمريكا إلى اليوم، أما على المستوى الفني فقد تعلمنا من هذه المؤلفة صاحبة الرواية الواحدة، أننا لا نحتاج إلى مجلدات لنوصل أفكارا إنسانية كبرى بل تكفي رواية متوسطة الحجم (أقل من 300 صفحة) أن تكثّف كل ما نرغب في إيصاله، وهذا ما كانت تعنيه هاربر لي حرفيا لما كانت تسأل: لماذا توقّفتِ عن الكتابةِ، فتجيب ببساطة: «لقد قلتُ ما كان عليّ أن أقوله».

شاعرة وإعلامية من البحرين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد