تشارلز الثالث: رؤية جريئة في عالم مختلّ
03-05-2026 03:10 PM
بذكاء ودهاء إنكليزيين معروفين، استطاع العاهل البريطاني تشارلز الثالث، الطفل الذي أعجبت والدة ترامب بوسامته قبل نحو سبعين عاماً، بناء على رواية هذا الأخير، أن يقول للطامح في الملوكية جائزة نوبل للسلام، بأنه عاري.
فعل ذلك بكياسة ولطافة يُقتدى بهما، واستخدم الدعابة المشفّرة لتكون وسيلته الأكثر تأثيرأ في سياق قوته الناعمة التي أثلجت قلوب الديمقراطيين الأمريكان، والكثير من الجمهوريين، وحشد كبير من الأمريكيين الحياديين، لا سيما في أوساط المفكرين والمثقفين والاعلاميين، والعاملين في مراكز الأبحاث ورجال الأعمال. ممن هم على قناعة كاملة بأن حجر الزاوية في الاستقرار العالمي في الظروف الدولية العصيبة الراهنة يتمثل في استمرارية التكامل الأمريكي الأوروبي، والالتزام بالقيم والمعايير الديمقراطية، واحترام الآخر المختلف، والبناء على المشترك المنفتح في الأديان، واعتماد المقدّس الديني في المسيحية وسائر الأديان في معالجة آثار التدنيس التي خلفها السياسيون في صراعهم على السلطة والنفوذ. وذلك عبر الحوار والتفاهم والتعاون بين المؤمنين من أتباع كل الديانات ممن قد بلغوا مرحلة متقدمة في استلهام الاحترام، والتحرر من التعصب، والقدرة على التواصل والتفاهم والعمل المشترك فوق حدود الأديان التي يتخندق خلفها المتطرفون اليوم في مختلف المجتمعات بحثاّ عن نقاط رخيصة، لا تُلزمهم ببرامج سياسية واضحة، ولا تطالبهم بالعودة إلى مؤسسات منتخبة تسألهم عما أنجزوه من الخطوات العملية التي وعدوا بها، وتحاسبهم على الفشل والفساد. كل ما يفعله هؤلاء هو دغدغة مشاعر الناس وهواجسهم وتطلعاتهم وأسئلتهم الوجودية، وطرح أفكار متعصبة تتمحور حول فكرة الأمة المثلى أو المختارة؛ تماماً كما فعل، ويفعل، القومويون العنصريون، عبر شعارات كبرى متطرفة تغطي على نزوعهم الفاضح نحو التسلّط والهيمنة، ورغبتهم في الاستئثار بالمقدّرات والتحكّم في أرزاق الناس ورقابهم.
تفاخر الملك تشارلز الثالث، وهو ابن الملكة وحفيد الملك وسليل الملوك، بسجل بلاده الديمقراطي، وبيّن للرئيس صاحب النزوع الملكي الاستبدادي، عبر العودة إلى قصة الوثيقة العظيمة الماغنا كارتا التي شهدت النور لأول مرة في بريطانياعام 1215، أن النظام السياسي يستقر بالتوازن بين مؤسساته، وبمتابعة السلطة التنفيذية ومساءلتها. وكان لافتاً تجاوب أعضاء الكونغرس الأمريكي مع هذه التوضيحات المطلوبة الخاصة بالنظام الديمقراطي الذي يعاني اليوم، ليس في الولايات المتحدة وحدها، بل في الكثير من الدول من مخاطر وجودية، وذلك في أجواء تحكّم أصحاب المليارت بآراء الناس وأذواقهم وتوجهاتهم السياسية عبر التحكّم بالمعلومات، والخوارزميات الرقمية التي حولّت غالبية الناس إلى كائنات انفعالية، تتصرف وفق ما تستقبله من أوامر وتعليمات، وبموجب ما يتوفر لها من المعلومات المقننة المعلبة التي توحي بأنها معرفة يمكن تنميتها وتطويرها والاستفادة منها في تنمية الفكر النقدي، بينما هي في واقع الأمر مجرد توجيهات سقفها التبعية والانصياع.
تناول الملك تشارلز في خطابه أمام الكونغرس جملة مواضيع كانت مقاربته لها مخالفة بصورة صريحة لما يروجه ترامب؛ ومن أجل ذلك، سيبقى خطاب الملك البريطاني في أذهان الأجيال وسجلات التاريخ بوصفه واحداً من أكثر الخطابات شهرة وجرأة بين الخاصة والعامة، وأكثرها ملامسة لعقول الناس وقلوبهم في مرحلة من أصعب المراحل التي مر بها تاريخ البشرية المعاصر. ويشار في هذا السياق إلى موضوع البيئة، وإمكانية التعاون والتفاهم، رغم التباين والاختلاف، لجعل التنافس السياسي على السلطة في خدمة المجتمعات. وصحح الكثير من المغالطات أو الأحكام المتسرعة التي يستخدمها ترامب في تسويغاته وتمريراته. ذكّره بعلاقات بريطانيا مع الأمريكان قبل تأسيس الولايات المتحدة. كما ذكره بما قدمته بلاده للولايات المتحدة من دعم في مختلف المراحل، واستعدادها للاستمرار في ذلك.
كما بيّن العاهل البريطاني لترامب الحجم الهائل للتبادل التجاري والاستثمارات بين بلده والولايات المتحدة، وهو الأمر الذي لا يمكن الاستغناء عنه، أو إلغاؤه بناء على مواقف مزاجية فردية أو نزوات شخصية تجد ضالتها في التعريفات الجمركية.
وكان من اللافت تركيز الملك تشارلز على أهمية دعم أوكرانيا التي أبدى شعبها بطولة نادرة في مقاومة الغزو الروسي الذي بدأ به بوتين في 24 شباط/فبراير 2022 تحت اسم العملية الخاصة، على أمل أن يتمكن من حجز مكان لروسيا في نادي القوى العظمى. ولكن بوتين ما زال، وبعد مرور أكثر من أربع سنوات منذ بداية حربه على أوكرانيا، في المربع الأول رغم مساعي إدارة ترامب الرامية إلى التنّصل من التزامات إدارة بايدن بالدفاع عن أوكرانيا من خلال تعزيز التحالف مع الأوروبيين.
ومن الواضح أنه كان لدى الملك تشارلز الكثير من الأمور التي كان في استطاعته أن يتحدث عنها بأسلوب منطقي مع استخدام الأدلة والمقارنات والبراهين. ولكنه آثر الاكتفاء ببعض الإشارات انسجاما مع صلاحياته الدستورية، ورغبة منه في ترميم العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة من جهة، وبين أوروبا والولايات المتحدة من جهة أخرى. وهي العلاقات التي أربكها ترامب بتصريحاته وممارساته، والتعامل الفوقي الذي يتصرف بموجبه مع الزعماء الأوروبيين، حتى وصل به الأمر إلى حدّ إخراج أوروبا من دائرة اهتمامات استراتيجية إدارته الدفاعية التي أعلن عنها في بدايات هذا العام.
كانت دعوة الملك الضيف إلى دعم أوكرانيا تذكيراً بأهمية تنسيق الجهود على أوروبا، وعدم التعويل على روسيا بوتين التي يلاحظ المراقبون أن ترامب يعاملها بطريقة خاصة أقرب إلى الدلال. وهذا ما أشار إليه بعض الصحافيين والمراقبين في سياق تناولهم لموقف ترامب من الأخبار التي تحدثت عن المزيد من التنسيق والتعاون بين بوتين والنظام الإيراني. فقد اكتفى ترامب بالتقليل من امكانية استفادة إيران من الدعم الروسي، وحجته في ذلك أن الوضع الداخلي الإيراني منهك؛ ولم يعد ينفع معه أي دعم أو انقاذ وفق وجهة نظره.
كما طالب الملك تشارلز بتقديم العون إلى ضحايا الكوارث واحترام التنوع المجتمعي؛ وعلى الأرجح كانت إشارته تلك تشمل المهاجرين الذي يعلن ويمارس ترامب تجاههم سياسة شبه عدائية، حتى بلغ بهذا الأخير مستوى مغازلة التيارات الأوروبية اليمينة المتطرفة التي تتخذ من ورقة المهاجرين ركنا محورياً في سياساتها الشعبوية وحساباتها الانتخابية. وقد تكامل هذا الموقف الذي أعلن عنه الملك البريطاني في خطابه المعني هنا مع موقفه بخصوص الدعوة إلى العمل المشترك بين أتباع مختلف الديانات واللادينيين لمصحلة الإنسانية، في سياق التنافس على السلطة. فليس سراً أن الحركات الشعبوية اليمينية في أوروبا تخلط، عن دراية في معظم الأحيان، بين هواجس الخوف من تزايد أعداد المهاجرين والإسلاموفوبيا التي باتت ميعاراً اساسيا لاتخاذ المواقف السلبية من الاسلام والمسلمين بصورة عامة. وما يساعد الحركات المعنية، ويسهّل مهمتها في عملية الوصول إلى استنتاجات سريعة في هذا المجال، واعتماد تخريجات ميكانيكية رغبوية، يتمثّل في تصريحات وممارسات العديد من من المتطرفين الإسلامويين سواء داخل أوروبا أم خارجها.
وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى التصريحات الإيجابية التي أدلى بها الملك تشارلز حول الإسلام وإنجازات الحضارة الإسلامية في العديد من المناسبات، وهي مواقف يُستنتج منها وجود معرفة كافية لديه حول التاريخ الإسلامي، وهو من الداعين إلى عدم إدانة المسلمين والمجتمعات المسلمة بناء على أقوال وأفعال المتطرفين من الإسلامويين.
ومن المهم في هذا السياق التذكير بالخطوة التي اتخذها العاهل البريطاني حينما توجه إلى خيمة العزاء، التي كان الناشطون السوريون المعارضون لسلطة آل الأسد قد أقاموها في وسط لندن لتقبل العزاء بضحايا الزلزال الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا شتاء عام 2023، فقد كانت خطوة معبرة تُسجل له. فالرجل لم يتوجه إلى سفارة سلطة آل الأسد، ولم يتواصل معها لتقديم التعازي. فضحايا الزلزال كانوا في الأصل ضحايا السلطة ذاتها؛ هذا بينما وجهت العديد من الدول العربية والإسلامية في ذلك الحين الوفود والرسائل إلى دمشق لتقديم التعازي لبشار الأسد.
وإذا أخذنا الموقف الأوروبي العام الراهن، بالإضافة إلى ما تقدم، ومن ضمنه الموقف البريطاني، الإيجابي من موضوع الحل الدولتين الخاص بقضية الشعب الفلسطيني، هذا مع أهمية الإقرار بمسؤولية الأوروبيين في عدم تطبيق هذا الحل الذي اعتمدته الأمم المتحدة منذ عام 1948، فإننا سنرى أن أوروبا تبقى بالنسبة لمنطقتنا، لاعتبارات الجغرافيا والديموغرافيا والثقافة والصلات الحضارية والمصالح الجغرافية، العمق الدولي الأهم الذي يمكن أن يساعد منطقتنا في ميدان التعامل المتوازن مع بقية المراكز والقوى الدولية.
أما بالنسبة لآفاق العلاقات الأوروبية الأمريكية، فما يستنتج من المعطيات والمؤشرات الخاصة بها على الضفتين، وملامح موازين التوازنات الدولية المستقبلية، والتحديات الكبرى على المستوى العالمي، هو أن السحابة الترامبية لن تتحوّل رغم كل الزوابع المصاحبة لها، إلى سمة ثابتة راسخة مستدامة في لوحة العلاقات بين ضفتي الأطلسي.
بقي أن نقول إن الاهتمام الكبير الذي حظي به خطاب الملك تشارلز يؤكد أهمية وجود زعماء أوروبيين وعالميين يمتلكون الرؤية والإرادة، زعماء يتجاوزون بؤس سياسات الأحزاب الأوروبية في الحكومات والمعارضات، وهي السياسات المتمحورة بصورة أساسية حول الحسابات الانتهازية الانتخابية التي تستهدف المكاسب السلطوية لا ترسيخ القيم.
*كاتب وأكاديمي سوري
اللحظات الأخيرة من حياة هاني شاكر وسبب الوفاة
سبب وفاة هاني شاكر تهز مواقع التواصل
مهم بشأن التسجيل في رياض الأطفال الحكومية
منصّة زين و Replit وطماطم يدعون المطوّرين للتسجيل في هاكاثون Prompt and Play
كارول سماحة .. رسالة حزينة تعبر عن اشتياق كبير
مهرجان جرش يستقبل مشاريع أفلام أردنية قصيرة لإنتاجها
إغلاق أجزاء من طريق الرويشد بسبب الغبار
الاشتباه بطرد في مطار الملكة علياء والأمن يتحرك
حين تتعثر الأسواق: هل ما زال كينز ينقذ الاقتصاد
تشارلز الثالث: رؤية جريئة في عالم مختلّ
وفاة مساعد مدير جمرك العقبة وإصابة 7 أشخاص بحادث سير .. تفاصيل
السيلاوي يبث رسالة استغاثة من المستشفى ماذا يحدث .. صورة
الأمن يكشف السبب الرئيسي لجريمة الكرك
وفاة الطالب حمزة الرفاعي بحادث سير
إعادة تشريح جثمان ضياء العوضي بأمر النائب العام لكشف ملابسات الوفاة
أساء للإسلام وتبرأ منه والده .. ماذا ينتظر السيلاوي عند عودته للأردن
بعد تصريحات السيلاوي المسيئة .. بيان صادر عن الإفتاء العام
وفاة ثانية بحادث جمرك العقبة المؤسف
العثور على طفل رضيع داخل حاوية بالكرك
القوات المسلحة تنفذ عملية "الردع الأردني" ضد تجار السلاح والمخدرات
سقوط فتاة من جسر عبدون وحالتها خطيرة
مسؤول أميركي يعلن انتهاء الهجمات على إيران .. ما السبب
القاضي يستقبل رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان التركي