التأويل: بحثا عن أي حقيقة
03-05-2026 03:08 PM
فُطر الإنسان في كل زمان ومكان على معرفة حقيقة الأشياء، وكان السؤال مدخله إلى ذلك. غير أن من الأسئلة ما يمكن الوصول إلى أجوبة عنها اليوم أو غدا. وأخريات يستحيل إيجاد جواب عنها. ولذلك تعددت أصناف التفكير الإنساني بحثا عن الحقيقة. فمن الأساطير إلى العلوم الجديدة كانت تقدم أجوبة عن طبيعة الأشياء والموجودات، فكان اليقين والشك توأمي ما انتهى إليه الإنسان في كل تاريخ حياته، وظلت رؤيته تتغير وفق ما تنتهي إليه المعارف الذي يحصل عليها في الزمان. يبرز ذلك في الاعتقاد المطلق بما وصل إليه بخصوصها، أحيانا، والنسبي أحيانا أخرى. وبذلك فالحقيقة حسب الاعتقاد الديني، أو التأمل الفكري والفلسفي، أو البحث العلمي تبدو في أي عصر يقينية تارة، وطورا محاطة باللايقين أو الشك. ولعل تاريخ الفكر البشري ليس سوى تعبير عن هذا التأرجح بين الشك واليقين مما يعني أن الحقيقة، أيا كان نوعها ضالة الإنسان الأبدية التي يرغب في أن يصل إليها، من دون أن يكون الإجماع عليها إلا لماما، أو بخصوص ما اتصل منها بالاعتقاد الديني، أو الفكر العلمي.
فما الذي يجعل الاختلاف قائما أبدا حول الحقيقة، ولا يحصل الاتفاق على ما تقترحه معارف أو معتقدات معينة في أزمنة محددة؟ لا شك في أن ذلك يعود من جهة إلى طبيعة الذات الباحثة عن الحقيقة، ومن جهة ثانية إلى خصوصية الموضوع الذي نطرح بصدده السؤال أملا في الوصول إلى حقيقة ما. ولهذا السبب نجد الاختلاف يفرض نفسه تبعا لنوع الأسئلة التي نطرح، من جهة أولى، ومن جهة ثانية حول نوعية الأجوبة التي تقدم لهذا السؤال أو ذاك. ولعل مرد هذا الاختلاف يعود إلى التأويلات التي يلجأ إليها الإنسان بحثا عن معاني الأشياء وحقيقتها ما دامت تعوزه «الأدوات» المساعدة التي تمكنه من فهم الظواهر الطبيعية والإنسانية فهما ملائما بدون التباس أو إحجام.
يقول نيتشه نقلا عن مقالة لسوزان سونتاغ تحت عنوان «ضد التأويل»: «لا وجود لحقائق بل لتأويلات فقط». ونقرأ في الحديث النبوي: «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها». ورغم ما يقال عن هذا الحديث فإن معناه سليم لأن فيه حثا على البحث عن الحقيقة أينما وجدت، وأيا كان مصدرها. وحين نقارن بين القولين نجد فرقا بينهما. فالأول ينفي وجود الحقيقة، والثاني يجعلها مطلبا، ويحث على البحث عنها. بين الشك واليقين، والقول بالتأويلات أو إمكانية البحث، يمكننا الانطلاق من طبيعة الأسئلة التي نطرح لمعاينة مدى إمكانية الجواب عنها أم لا؟ فالجواب أي جواب يتصل اتصالا وثيقا بنوع السؤال الذي نطرح. فالعلوم الحقة لا تطرح إلا الأسئلة التي يمكن تقديم الجواب عنها في ضوء الإجراءات العلمية التي تنطلق منها، والوسائل التكنولوجية التي تمكنها من ملاحظةالعالم الطبيعي ومعرفة مميزاته وخصائصه. ويمكن قول الشيء نفسه عن العلوم الإنسانية والاجتماعية، فهي مقيدة بما تريد الوصول إليه في معالجة الظواهر الإنسانيةوالاجتماعية وفق المناهج التي ترتضيها وتسلم بجدواها في رصدها وتحليلها.
لكن العالم الذي نعيش فيه ليس طبيعيا وإنسانيا واجتماعيا فقط، ونحن معنيون بالبحث فيه والتعرف عليه لتحسين ظروف الحياة. فهناك، أيضا، ما هو فوق طبيعي، وهو يفرض نفسه على الإنسان دائما، ويدفعه إلى طرح السؤال عنه. ولا يمكن للعلوم المختلفة أو للتأملات الفكرية أو الفلسفية أن تجيب عنها لأن الأسئلة التي تحدد مسار تلك الأبحاث لا تتلاءم معها. لذلك لجأ الإنسان منذ القدم إلى محاولة تقديم «تفسيرات»، وهي تأويلات تتصل بطبيعة هذا العالم الفوق طبيعي، فكانت الخرافات والأساطير والأديان التي تسعى إلى إقناع الإنسان وإشباع فضوله الدائم حول خصوصية هذا العالم. فكثرت المحاولات التي يجبُّ بعضها بعضا، أو وهي تتطور حسب تطور مدارك الإنسان وتعقد المجتمعات. فكان الإيمان والشك وليد صيرورة الإنسان في مختلف المعتقدات التي لا ينفك يؤمن بها. ورغم تطور العلوم والفلسفات المختلفة في العصر الحديث الذي توفرت فيه للإنسان الأدوات الجديدة التي مكنته من تفسير الكثير من الظواهر الطبيعية التي ظل يجهلها لآلاف السنين، فإن ما توصل إليه يظل نسبيا ومحدودا، وكلما تطورت العلوم نقضت ودحضت ما سبقها مما اعتقده الإنسان حقيقة في يوم ما.
لا شك أن ألغاز الكون العظيم لا حد لها. وكلما تطورت معرفة الإنسان بما تقدمه بخصوص «حقيقة الأشياء» برز أن معرفته محدودة وناقصة. وفي هذا تأكيد لقولة الشافعي الشهيرة التي يلخص فيها تجربته في البحث عن الحقيقة: «كلما ازددت علما، ازددت علما بجهلي». ومع ذلك تظل المعرفة والبحث عن المعنى والحقيقة ضالة الإنسان، فهو في قلق دائم مصدره البحث عن الإجابات التي تحقق له الطمأنينة التي قد يجدها فيما تقدمه له العلوم أو الأفكار أو المعتقدات الدينية. وليس الاختلاف في الطمأنينة إلى هذا التفكير الفلسفي أو البحث العلمي أو الاعتقاد الديني إلا وليد التأويلات الذي نقبل عليها، أو نقتنع بها. وفي هذا النطاق يمكننا استرجاع قولة نيتشه حول الحقيقة والتأويل.
لا يمكن للتأويل إلا أن يؤدي إلى الاختلاف في القضايا ذات البعد الفكري والإنساني والاجتماعي ليس فقط بسبب تصارع الأفكار وتباين المصالح، ولكن أيضا بسبب المنطلقات التي تحدد لنا الأسئلة التي نطرح، والتي نبغي الجواب عنها بشكل نهائي ومطلق بهدف ممارسة السلطة أو الهيمنة. وهنا تطرح مسألة العلاقة بين الحقيقة والمنهج الذي نفكر من خلاله، أو نتخذه أساسا للإجابة عن أسئلتنا حسب ما يقدمه غادامير، وهو يستدل بصرامة المنهج الذي اعتمده شلاير ماخر وبيتي من منظور إبستيمولوجي يعطي للعلوم الإنسانية موقعها ضمن العلوم. فإذا كان العالم لا يطرح إلا الأسئلة التي يمكن الجواب عنها، فإن كل ما يتعدى اختصاصه العلمي يدخل في نطاق معتقداته الخاصة، سواء كانت مع أي اعتقاد سواء كان فكريا أو دينيا. وموقعه كعالم لا يشفع له بادعاء الحقيقة. إننا منذ القرن التاسع عشر إلى الآن، ونحن عاجزون عن تفسير طبيعة بناء الأهرام، وهي من صنع إنساني. وما تزال إلى الآن تقدم «تفسيرات علمية» حول كيفية بنائها. ونقول الشيء نفسه عن نشأة الكون. ويمكن قول الشيء نفسه عن رجل الدين الذي يطرح أسئلة فوق طبيعية لا يمكن الجواب عنها إلا بممارسة التأويل. ونجد اختلاف المسلمين على مر العصور كامنا في ممارسة التأويل للإجابة عن أسئلة غير صحيحة، ولا يمكن الجواب عنها نهائيا (الصفات، خلق القرآن، أين كان الله قبل خلق الكون…) إن كل هذه الأسئلة والتي ينشغل بها بعض المسلمين لا يمكن أن تقدم إلا تأويلات قابلة للنقض والتجاوز، بل وأحيانا إلى السخرية. ولهذا نجد في القرآن الكريم ما يؤكد حقيقة التأويل الذي كان يمارسه المشركون، مؤكدا إن ابتغاء التأويل مصدر الفتنة، لأن تأويل بعض الأشياء لا يعلمها إلا الله. ولا يمكن للإنسان أن يحيط بعلم كل شيء. ونجد تصديقا لذلك في الحديث النبوي: «تفكروا في ألاء الله، ولا تفكروا في ذات الله». لقد حث الإسلام على التفكير والبحث في آيات الله فقط، أما كل الأسئلة حول الذات الإلهية فلا أساس لها.
تتحدد علاقة الحقيقة بالمنهج في كيفية طرح الأسئلة التي يمكننا الجواب عنها. ويمكننا في نطاق العلوم الإنسانية والاجتماعية أن نستند إلى إجراءات البحث العلمي للوصول إلى معرفة علمية ملائمة. وإلا فالتأويلات الإيديولوجية هي السائدة. إننا لن نصل في الدراسات الأدبية واللسانية إلى معنى الخطاب أو النص بممارسة التأويل، ولكن باتباع البحث العلمي الذي يمكننا من الفهم والتفسير. أما التأويلات فليست سوى إسقاطات إيديولوجية لا قيمة لها في الكشف عن «طبيعة» النص و«وظيفته».
*كاتب من المغرب
سبب وفاة هاني شاكر تهز مواقع التواصل
مهم بشأن التسجيل في رياض الأطفال الحكومية
منصّة زين و Replit وطماطم يدعون المطوّرين للتسجيل في هاكاثون Prompt and Play
كارول سماحة .. رسالة حزينة تعبر عن اشتياق كبير
مهرجان جرش يستقبل مشاريع أفلام أردنية قصيرة لإنتاجها
إغلاق أجزاء من طريق الرويشد بسبب الغبار
الاشتباه بطرد في مطار الملكة علياء والأمن يتحرك
حين تتعثر الأسواق: هل ما زال كينز ينقذ الاقتصاد
تشارلز الثالث: رؤية جريئة في عالم مختلّ
وفاة مساعد مدير جمرك العقبة وإصابة 7 أشخاص بحادث سير .. تفاصيل
السيلاوي يبث رسالة استغاثة من المستشفى ماذا يحدث .. صورة
الأمن يكشف السبب الرئيسي لجريمة الكرك
وفاة الطالب حمزة الرفاعي بحادث سير
إعادة تشريح جثمان ضياء العوضي بأمر النائب العام لكشف ملابسات الوفاة
أساء للإسلام وتبرأ منه والده .. ماذا ينتظر السيلاوي عند عودته للأردن
بعد تصريحات السيلاوي المسيئة .. بيان صادر عن الإفتاء العام
وفاة ثانية بحادث جمرك العقبة المؤسف
العثور على طفل رضيع داخل حاوية بالكرك
القوات المسلحة تنفذ عملية "الردع الأردني" ضد تجار السلاح والمخدرات
سقوط فتاة من جسر عبدون وحالتها خطيرة
مسؤول أميركي يعلن انتهاء الهجمات على إيران .. ما السبب
القاضي يستقبل رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان التركي