طقوس الكتابة
04-05-2026 12:41 AM
ما معنى الكتابة؟ هل هي إعادة إنتاج أم تكريس للواقع؟ سؤالان لا يُطرَحان على الكتابة فقط، إنما على الفنون والعلوم والمعارف كافة. الكتابة تعني (إنتاجَ معنى) لم يكنْ قائما من قبلُ، وكذلك لا تنقل الواقع ولا تُحاكيه، ولا تُحاول حتى خَلقَهُ من جديدٍ. أي أنَّ للكتابة واقعا خاصّا بها، إنْ لَمْ تَلِدْ مَعْنى جديدا، أو لَمْ تُغْنِ الكائنَ، فهي امرأةٌ عاقر. لكنْ، ألم تسألْ نفسَك يوما ما: كيف تأتي الكتابةُ؟وكيف يستوحي الكاتبُ موضوعاتِهِ، أو من أين يستقيها؟ وكيف يكتب كلماتِهِ الأولى؟ الجوابُ ليس سهلا، لأنَّ لكل كاتبٍ طقوسَهُ الخاصةَ، لا يشبه من يحضِّر أطروحة جامعية، أو بحثا علميّا، أو يؤلف كتابا بطلبٍ من ناشرٍ أو جهةٍ ما، فهذا يتطلب تفكيرا وتخطيطا مُحْكَما لعناصر الكتابة، ومراجعها الأساسية، كما يتطلب أنْ تُنْجَز الأطروحة، أو الكتابُ في زمنٍ محدَّدٍ، أما الكاتب المبدع، فالأمر مختلف تماما، قد يستهل الكتابةَ من دون أفكارٍ مسبقةٍ، أو يحضِّر لها عناصرَ رئيسية تُكَوِّنها، فبمجرد ما يأتيه الإلهامُ، في لحظةٍ لم يتوقعْها، ولم يتهيأْ لها، غالبا ما يشبهونها بلحظة (المخاض) كأنْ يكون غارقا في نومه، أو في عمله اليومي، أو سائرا في الطريق، أو يتناول مشروبا أثيرا لديه، أو يستحم…تتدفق الأفكارُ تلقائيا، وتتراكم الرؤى، كذلك الكلماتُ تباعا.
وهذه الحالة تتجلى في الشاعرِ أكثرَ من الناثر، وإنْ كانا معا يتقاسمانها أحيانا. وإذا تكررتْ باستمرارٍ حالةٌ من هذه الحالات عند الكاتب، فستُشَكِّل طقوسَ الكتابة لديه، ولا يستطيع أنْ يتخلَّص منها، لأنها تتمَكَّن من قدراته النفسية والعقلية والسلوكية، فتصبح من عاداته الملازمة له، ملازمة الظل لصاحبه، أو يصبح مدمنا عليها، كأنها تجعله دائما يستدعي إلهامه (شيطانَه) أو وسيلة ضرورية للانغماس في عملية الكتابة، وهي ما يطلقون عليها (شَرارة الإبداع) أو(لحظة التدفُّق الإبداعي) من دونِها لا يقدر على البدء في الكتابة. وكان للشعراء والنُّقادِ القدامى تفسيرٌ آخرُ لهذا الإلهام، إذ كانوا يزعمون ـ يشير الجاحظ في كتابه «الحيوان» ـ إلى أنَّ (لكل شاعرٍ فحلٍ شيطانا يقول على لسانه، وكأنَّ في شِعْرِهم أحْرُفا ناريَّة، تُلقي بها الجِنُّ على ألْسِنتِهم)..وهذه الطقوس، في التحليل النفسي، هي أكبرُ عاملٍ للكاتب في تفوقه، بل تعزِّز صحتَهُ النفسيةَ، لا للكاتب فقط، إنما لأيِّ شخصٍ، ولو لم يكنْ كاتبا أو فنانا أو رياضيا… ويؤكد العديدُ من العلماء أنَّ تلك الطقوسَ، إذا تكرَّرتْ يوميّا، تصبح في دائرة (الغرائز) يستحيل على صاحبها أنْ يحقق نجاحا في حياته من دونها، إذ تتشكَّل لديه الرغبةُ التحفيزيةُ في ممارسة ما تعوَّد عليه.
فهي تُهيِّئ العقلَ للكتابة، وتُيَسِّر له البدْءَ فيها نفسيّا، عندما تُرسل إشاراتٍ إلى الدِّماغ بأنَّ (لحظةَ الوضْع) حانتْ، وبالتالي، تُحَفِّز الكاتبَ على بَدْء الكتابة. وكما يقول الروائي ستيفن كينغ: (يبدو أن الغايةَ التراكميَّةَ من ممارسة هذه الطقوس، كلَّ يوم، هي بمثابة قول موجَّهٌ للعقل: اِستعِدَّ، ستحلم قريبا)..فهذه الطقوس التي يُداوِم عليها الكاتبُ تؤدي دورا كبيرا في تخفيف الشعور بالقلق والتوتُّر، اللذين يعيشهما كلُّ المبدعين في الكتابة والفن، وتُعَدِّل مزاجَهم، وتوفِّر لهم نقطةَ الانطلاق بانسيابيَّةٍ وسلاسةٍ، من دون معاناةٍ طويلةٍ.. إلا أنَّ نقادا وكتابا آخرينَ، يُعارضون هذه الطقوسَ، ولا يعتبرون (لفظَها المستعملَ والمتداولَ) مصطلحا موضوعا علميا دقيقا، إذ يُستعمَل للدلالة على أشكال سلوكية متباينة، بل يعدونها (وساوسَ) و(عاداتٍ مَهْووسة) و(أوهاما حتى) تجعل كُتَّابا يتوهَّمون أنَّها تُعَبِّد طريقَهم نحو الكتابة الإبداعية، لحد أنْ صنَّفَها البعضُ بـ(إيماءاتٍ دينية) تخصُّهُم دون غيرهم بـ(الإلهام) وعدَّها الروائي الروسي إسحاق أسيموف، الذي نشر أكثرَ من خمسمئة كتابٍ (سخيفة، لا تُمَثِّل الحقيقةَ)..
وهذا الرأي الرافض للطقوس، يعود، في نظري، إلى كونه ـ أي أسيموف ـ كان كيميائيّا حيويّا، لا يؤمن إلا بالتجارب العلمية، التي تُثبت أو تنفي صحَّةَ النظريات! وخلاصة المعارضين أو الرافضين، هي أنَّ مثل هذه السلوكيات والتفاعلات التي يطلق عليها (طقوس) تنطلق من رؤيةٍ خاطئةٍ بأنّ اختيارا مُحددا للأفعال والكلمات سيؤدي إلى آثارٍ ماديةٍ معينةٍ، عبر عملياتٍ سببيةٍ، تكْمُن في نفس وعقل الكاتب، الذي نادرا ما يتأمل في طبيعة العمليات السببية المُتضمنة، وإنما يمارسها تلقائيا، كي يُنْجِز كتابته، ويحقق نجاحا فيها. عِلْما بأنَّ كُتَّابا لهم آراء ووجهاتُ نظرٍ حول ممارسة تلك الطقوس، لكنّ هذا التَّكَهُّنَ ليس شرطا للاعتقاد بجدواها في عملية الكتابة. ومن هذه الطقوس، يرى العديدُ من الكُتاب أنَّ أفضلَ وقتٍ للكتابة، هو الصباح الباكر، وغالبا ما يكون بين الرابعة والسادسة صباحا، أو في وقتٍ متأخِّر من الليل، لأنَّ حركة المدينة الصاخبة في النهار، تُفقدهم التركيزَ والانتباهَ، لدرجة أنْ كان مارسيل بروست يكتب في (غرفةٍ معزولةٍ بستائرَ معتمةٍ لحَجْب الضَّوء، وجدرانها مبطنةٍ بلوحات الْفِلِّين للتقليل من الضجيج) فالضوضاء والضوء، ولو كانا خافتين، في رأيه، يشتِّتان انتباهَه عن تأليف روايته الكلاسيكية الطويلة (بحثا عن الزمن الضائع) التي تُعَدُّ صفحاتُها بالآلاف، ما حدا بالنقاد إلى تصنيفها بـ(ملحمة العصر الجديد).
ويذكر الروائي أرنست همنغواي أنه كان يكتب على الآلة الكاتبةِ وهو واقف، من بزوغ الفجر حتى الظهر، ففي هذا الوقت بالذات، يكون ذهنه أكثرَ صفاء، لا شيء يزعجه ويشغله، ويشعر بالدفء، ولو في فصل البرد، فينقح، أولا، ما كتبه سابقا، ثم يستأنف الكتابةَ ما بين خمسمئة وألف كلمة، إلى أنْ تُشرقَ الشمسُ، وتدبَّ الحركةُ في المجتمع، فيتوقَّف عن الكتابة، وإذْ ذاك يتوجَّه إلى الحانة، ليقضي بقيَّةَ يومه (جالسا)..عندها (لا تشعر بالفراغ أبدا، بل تشعر بالاِمْتلاء، كما لو كنت قد مارستَ الحبَّ مع من تحبُّ): يقول في حوار.
أما الروائي الياباني هاروكي موراكامي، فيستيقظ في الرابعة صباحا، وينكب على الكتابة خمسَ ساعاتٍ، ثم يركض مسافةَ عشرةِ كيلومتراتٍ، أو يسبح ألفا وخمسَمِئةِ مترٍ، ويُنهي يومه بقراءة كتابٍ، والإنصات إلى الموسيقى، وفي الأخير، يخلد إلى النوم في التاسعة ليلا. ومما يلاحظ، أنَّ الكثير من الكتاب، يــقْرِنُــون طقوسَ كتابتهم بالسباحة أو المشي خاصة، والرياضةِ عامة، لأنها بالنسبة إليهم، تنشط الذِّهنَ، وتشحذ عمليةَ الإبداع لديهم. بينما يراها موراكامي: (نوعا من التنويم المغناطيسي)، الذي يُشكّل عقليةَ الكاتب ونفسيتَه، ومن ثمّ يُؤثّر على سلوكاته في الكتابة. وكان الروائي العالمي نجيب محفوظ، يعاني أرقا، خصوصا في سنواته الأخيرة، إذ لم يكنْ ينام إلا ساعاتٍ قليلة فقط، لأنه كان شغوفا بالقراءة ليلا. وعادة ما كان يكتب صباحا باكرا، بضعَ صفحاتٍ، ثم ينصرف من بيته راجلا إلى مقهى الريش في (شارع طلعَتْ حرْب) أو الفيشاوي في (خان الخليلي) ليلتقي بأصدقائه وقرائه في قاعةٍ، خُصِّصتْ له، ما زالتْ لحد اليوم تحمل اسمه، فيتحاور معهم حول الكتابة الروائية، لأنَّ تلك الحوارات كانتْ بمثابة بوصلةٍ تحدد مساراته في الكتابة.
أمَّا بالنسبة للشاعر أدونيس، فإنَّ الكتابة لا تخضع لزمان ومكان معينين، فكل الأزمنة والأمكنة صالحة للكتابة، لأن الأمر يتوقف على (الإلهام) فمتى نزل، يتناول (قلما أسودَ) يُدوِّن به مقطعا أو مقطعين شعريين في ورقةٍ غيرِ مخططةٍ، كيلا يشعر بحواجز تحُدُّ من حريته، ثم تلي ذلك ساعةُ المراجعة والتنقيح.
ولا يختلف الشاعر نزار قباني عن أدونيس كثيرا، فكلاهما لا يحددان وقتا معينا للكتابة، عندما ينتهيان منها، يعيدان تنقيحَ ما يَنْظِمانِهِ مراتٍ. إلا أن شاعر المرأة، يعتبر القصيدةَ (أنثى جميلة) لا يبدأ بنظْمِها إلا إذا تأنَّق وتعطَّر، وكانت بين يديه رُزْمةٌ من أوراقٍ ذات ألوانٍ مفتوحة، كالوردي والزَّهري… فهو يتمثَّل القـصيدةَ عـــروسا فاتــنـــة، ترتـــدي فـــستـــانـــا مـــزخرفـــا، هـــي الـــكـــلمات والـــتـــشبــــيــــــهـــات والتمثُّلات اللائقة بالمرأة، وكلُّ القصائد، في رأيه، عرائسُ يُحْتَفى بحضورِها..
ومهما كــان الأمر، سواء كانتِ طقوسُ الكتابة، فـي نظر مؤيديها، ضرورية للكاتب، أو فـي نظر معارضيها، مجردَ هلوسةٍ، يُبرِّر بها نشاطَهُ في الكتابة، فإنَّ الكثيرين يعدونها أداة فعّالة لتيسير عملية تدفُّق الأفكار والكلمات على الورق، في اللحظة التي يشعر الكاتبُ بالرغبة في الكتابة. لذا، يلجأ كسائر المبدعين في الفن الموسيقي والتشكيلي، إلى نهج طقوسٍ تدفعه إلى التفاعل مع الكتابة، وإنْ كانتْ لا ترقى إلى (الوصفة السحرية) التي تلائم وتُساير كلَّ الكُتَّاب. فالنُّهوض باكرا للكتابة، وهو أفضلُ وقتٍ لها، وتوفير بيئة هادئة، والمشي أو السباحة، والمطالعة، أو تقفِّي الأخبار، عبر الجرائد والمجلات والمواقع… كل ذلك، يساعد على ترسيخ طقوس الكتابة، والدخول في حالةٍ من التدفق الإبداعي.
كاتب من المغرب
رحيل هاني شاكر .. السيسي ينعى أمير الغناء العربي بكلمات مؤثرة
OnePlus تكشف عن Pad 4 بمواصفات قوية تنافس أفضل الحواسب اللوحية
إنتر ميلان بطلا للدوري الإيطالي
جريمة مروعة تهز رام الله .. أب يقتل طفله ويحرق جثمانه .. صور
البصق على المسيحيين في القدس… تطرفٌ تحميه الحكومة الإسرائيلية
رسائل الملك تشارلز… تنتقد سياسات ترامب
هبوط اضطراري لطائرة رئيس الوزراء الإسباني في تركيا
هيفاء وهبي تطوي خلافها مع نقابة الموسيقيين وتعود لإحياء الحفلات في مصر
المستشار الألماني يتمسك بالتعاون مع ترامب رغم التوترات
السيلاوي يبث رسالة استغاثة من المستشفى ماذا يحدث .. صورة
وفاة الطالب حمزة الرفاعي بحادث سير
إعادة تشريح جثمان ضياء العوضي بأمر النائب العام لكشف ملابسات الوفاة
أساء للإسلام وتبرأ منه والده .. ماذا ينتظر السيلاوي عند عودته للأردن
بعد تصريحات السيلاوي المسيئة .. بيان صادر عن الإفتاء العام
القوات المسلحة تنفذ عملية "الردع الأردني" ضد تجار السلاح والمخدرات
وفاة ثانية بحادث جمرك العقبة المؤسف
العثور على طفل رضيع داخل حاوية بالكرك
سبب وفاة هاني شاكر تهز مواقع التواصل
مسؤول أميركي يعلن انتهاء الهجمات على إيران .. ما السبب
اللحظات الأخيرة من حياة هاني شاكر وسبب الوفاة
تنكة بنزين 90 أصبحت بـ20 دينارًا .. تعرّف على الأسعار
تسمم طلبة بعجلون ومصدر طبي يوضح السبب