عيد ميلاد حبل المشنقة

عيد ميلاد حبل المشنقة

06-05-2026 12:55 AM

تقول وسائط توليد النصوص ما يفوق ما نشاء أن نكتبه حول حدثٍ مستهجن مرّ سريعاً على وكالات الإعلام على تعددها في تصرف لا يستطيع أي كان أن ينجو من تبعاته الإعلامية إلا صاحبه والحكومة التي ينتمي إليها. فلنقرأ التفاصيل،
لم يكن مشهد عابرا، ولا تفصيلا هامشيا يمكن تجاهله في زحمة الأخبار.
كعكة عيد ميلاد على شكل حبل مشنقة، تُقدَّم في احتفال شخصي، لكنها تحمل في طياتها ما هو أبعد من مجرد ذوق سيئ، أو تصرف مستفز. إنها رسالة، بل إعلان فجّ عن منظومة فكرية تتجرأ على قناعات البشرية جمعاء، وتعبث بالقيم التي طالما شكّلت الحد الأدنى من إنسانية هذا العالم.
حين تتحول أداة الموت إلى رمز للاحتفال، نكون أمام انحدار أخلاقي خطير، لا يقف عند حدود الفرد، بل يعكس عقلية سادية ترى في القتل مشهدا عاديا، بل ومصدرا للبهجة. هنا، لا يعود الأمر مرتبطا بشخص أو مناسبة، بل بثقافة تتغذى على إلغاء الآخر، وتستسهل فكرة إنهائه، بل تطبيع ذلك في الوعي الجمعي.

حين تتحول أداة الموت إلى رمز للاحتفال، نكون أمام انحدار أخلاقي خطير، لا يقف عند حدود الفرد، بل يعكس عقلية سادية ترى في القتل مشهدا عاديا، بل ومصدرا للبهجة

ما حدث ليس مجرد «دعابة ثقيلة»، كما قد يحاول البعض تبريره، بل هو تجسيد صارخ لمنهج يقوم على نزع الإنسانية عن الضحية، وتحويل أدوات القمع إلى رموز احتفالية، هذا النوع من السلوك لا ينشأ في فراغ، بل يتكئ على بيئة سياسية وفكرية تغذي الكراهية، وتمنح الغطاء لممارسات تتناقض مع أبسط مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية.
إن تجاسر كهذا على قناعات البشرية لا يمكن قراءته إلا كجزء من حالة أوسع، يتم فيها تآكل القيم، وتبدل المعايير، حتى يصبح العنف مقبولا، بل ومحتفى به. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين يفقد المجتمع حساسيته تجاه الألم، ويتحول القتل من جريمة إلى مشهد عابر، ومن مأساة إلى مناسبة.
في المقابل، يفرض علينا هذا المشهد مسؤولية مضاعفة، مسؤولية التمسك بالقيم، وإعادة التذكير بأن الإنسان، أي إنسان، هو غاية لا وسيلة، وأن الحياة ليست مادة للسخرية أو الاستعراض. كما يضعنا أمام ضرورة مواجهة هذا الخطاب، لا بالصمت أو التبرير، بل بالوعي والرفض الواضح.
عيد ميلاد حبل المشنقة ليس حدثا للاستهلاك الإعلامي، بل جرس إنذار. إنذار بأن هناك من يسعى لتطبيع القبح، وتجميل العنف، وإعادة تعريف ما هو مقبول وما هو مرفوض. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأهم: أي عالم نريد؟ عالم يحتفل بالحياة، أم عالم يحتفل بأدوات الموت؟ وهل ستشكل تصرفات كهذه وازعاً ذات يوم لتجاوز النهج السادي؟ ننتظر ونرى.

كاتب فلسطيني



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد