لماذا تجعلنا المسلسلات أقل رضا عن حياتنا

لماذا تجعلنا المسلسلات أقل رضا عن حياتنا

06-05-2026 12:01 AM

تنطلق ظاهرة الهوس بالمسلسلات الرومانسية من قدرة الدراما على خلق "تزييف للوعي الثقافي" لدى المشاهد، حيث يبدأ الفرد في اعتناق فكرة أن الحب هو القوة المطلقة التي تذلل كافة العقبات، وأن هناك دائماً مثالاً عاطفياً ينتظره في زاوية ما من العالم. هذا التصور يحول الرومانسية المبالغ فيها من مجرد فن إلى "معيار طبيعي" يقيس عليه الناس جودة علاقاتهم الحقيقية، مما يؤدي بالضرورة إلى حالة من عدم الرضا المزمن عن الواقع، وهو ما يمكن تفسيره من خلال نظرية التعلم الاجتماعي؛ إذ يميل الأفراد إلى محاكاة السلوكيات والأنماط التي يطرحها الإعلام كنماذج ناجحة، فيتعلم الشباب من خلالها كيفية إدارة المشاعر أو التعبير عن الحب وفق أساليب حوار وتصرفات درامية تعزز لديهم وهماً بأن الصبر والتضحية المطلقة في الحب لا بد أن تنتهي "بمكافأة" سعيدة، مما يدفعهم لتبني هذه القيم كدستور في حياتهم الواقعية.
هذا التبني لا يتوقف عند السلوك، بل يمتد لتعميق "التفاعل الرمزي" الذي يفسر الارتباط العاطفي العميق الذي يشعر به المشاهد تجاه الشخصيات، فتنشأ "صداقة وهمية" تجعل المشاهد يعتبر الأبطال أصدقاء حقيقيين، يشاركونهم لحظات الفرح والحزن ويعيشون من خلالهم تجارب عاطفية مثيرة دون أي مخاطرة فعلية بحدوث جروح حقيقية في الواقع. ومن هنا، يترسخ مفهوم "العلاقة المعلبة" التي تجعل المشاهد يتوقع من شريك حياته تلبية احتياجات عاطفية مثالية مستقاة من الدراما، مما يخلق حالة من المقارنة المستمرة مع ظروف الحياة اليومية العادية، فيتولد شعور بالضيق تجاه الواقع الذي يبدو "باهتاً" أمام بريق الشاشة.
وعلى مستوى الروابط المجتمعية، ساهم هذا التأثير في تآكل الأطر التقليدية للارتباط؛ فلم يعد الزواج يُنظر إليه كواجب اجتماعي أو استقرار اقتصادي كما كان في الماضي، بل أصبح بفضل تأثير الدراما يتمحور حول "السعادة القصوى" والتحقق الذاتي فقط. ونتيجة لذلك، تغيرت معايير الصبر على مشاكل الزواج، وأصبح أي غياب للحب الرومانسي المتوهج سبباً كافياً لطلب الطلاق بحثاً عن "النموذج المفقود" الذي تروج له المسلسلات. هذا التشويه طال أيضاً الأدوار الجندرية، حيث أصبحت المرأة تطلب شريكاً يتوافق مع صورة "البطل الرومانسي" الحالم، ليجد الرجل نفسه أمام ضغط هائل لتمثيل دور لا يتناسب غالباً مع تنشئته الذكورية التقليدية، مما يؤدي إلى فجوات في التواصل تنتهي غالباً بالانفصال.

وفي الختام، يمتد أثر هذا الاستلاب الدرامي ليطال الواقع الاجتماعي اليومي للأفراد؛ فبدلاً من الانخراط في تفاعلات حقيقية، يميل الناس للعزلة والعيش في خيالات الشاشة، مما يضعف المهارات الاجتماعية والذكاء العاطفي الفعلي. قضاء ساعات طويلة أمام المسلسلات، وبدعم من كثافة الارتباط بوسائل التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك"، أدى إلى تآكل المهارات الحوارية مع الجيران والأقارب، حيث يفضل الفرد التواصل مع "النماذج المتخيلة" على حساب التواصل الواقعي، مما يؤثر في النهاية على قدرة الأفراد على الإنجاز والتركيز في بيئات العمل، ويخلق مجتمعاً يعيش في حالة من "الاغتراب العاطفي" بين ما يراه وما يعيشه.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد