عينُ ابن تاشفين تكيلُ بمكيالي الزهد والعصبية

عينُ ابن تاشفين تكيلُ بمكيالي الزهد والعصبية

05-05-2026 10:15 AM

بين خشونة الصحراء المغربية وأبهة القصور الأندلسية، وقف أمير المرابطين يوسف بن تاشفين، يحمل في قلبه روحاً بدوية زاهدة، لا تغريها زخارف الدنيا بقدر ما يحركها بأس القوة والولاء للعرق والدين. كانت نظرته للأشياء تنبع من فلسفة رجلٍ يرى في الترف ضعفاً، وفي البذخ سفهاً.
يروي "أبو الحسن الصفار" مشهداً مهيباً، حين دخل ابن تاشفين مدينة "الزهراء" الأسطورية، تلك الدرة التي بناها "عبد الرحمن الناصر" لتكون أعجوبة الزمان. وقف الأمير البربري يتأمل تلك الآثار الشامخة، والأعمدة المرصعة، والنقوش التي تعجز الأبصار عن استيعابها، فما زاد على أن هزّ رأسه استنكاراً وقال بلهجة البدوي الأنِف: "إن الذي بنى هذا كان سفيهاً!".
كانت الكلمة كالصاعقة في حضرة التاريخ، فانبرى له العالم الأديب "أبو مروان بن سراج" مدافعاً عن مجد بني أمية القرشيين، وقال في أدبٍ حازم: "كيف يكون سفيهاً يا أمير، وإحدى جواريه (كرائمه) أخرجت في زمانه مالاً لفداء أسرى المسلمين، فبحثوا في طول الأندلس وعرضها، فلم يجدوا أسيراً واحداً يُفدى؟!". كانت تلك رسالة بليغة؛ أن هذه القصور لم تُبنَ على أنقاض الجياع، بل كانت عنواناً لعصرٍ شبع فيه الصغير والكبير حتى لم يبقَ للصدقة موضع.
ولكن، لـ "يوسف بن تاشفين" وجهٌ آخر يفيض بالعاطفة تجاه "الأهل والدم"؛ ففي مقابل جفائه تجاه آثار الأمويين في الزهراء، تبدلت حاله حين دخل "غرناطة" ووقف أمام قصر باديس بن حبوس الصنهاجي. هناك، لم يَرَ سَفَهاً، بل رأى مجداً بربرياً يشبهه.
انبهر يوسف بعمارة "بني زيري" الصنهاجيين، وطاف في باحات القصر يتفحص زواياه بإعجابٍ لم يخفِه، واستحسن إتقانه وهيبته، بل وأمر رجاله بالحفاظ عليه وصيانته، وكأنه وجد في حجارة ذلك القصر صدىً لصوته، وروحاً تنتمي إلى عصبته البربرية، ليثبت أن الأذواق - حتى عند العظماء - لا تخلو من ميل الهوى ونداء الانتماء.
________
سير أعلام النبلاء / الجزء ٨ / ص ٢٦٨، كنز الدرر وجامع الغرر / الجزء ٤ / ص ٤٨٧. الإحاطة في أخبار غرناطة / الجزء ٣ / ص ٢٩١.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد