حين تصبح القيم المؤسسية أسلوبًا للحياة
03-05-2026 10:41 PM
في إحدى البرامج التي شاهتها مؤخراً حول الإدارة، تم ذكر أن ثلاثة أشخاص كانوا يتجولون بسيارتهم في عمق الصحراء، حيث لا طرق معبدة ولا إشارات مرورية ولا أي مظهر من مظاهر التنظيم الرسمي. وبينما كانوا يراقبون المشهد الممتد أمامهم، لفت انتباههم رجل بسيط يقود مركبته بمحاذاة إبله. لم يكن في مظهره ما يميّزه عن باقي رعاة الأبل، لكن أحدهم لاحظ تفصيلاً صغيرًا بدا خارج السياق: كان يضع حزام الأمان. وسط بيئة لا تفرض القواعد ولا تراقب السلوك، بدا هذا التصرف غريبًا بما يكفي ليثير الفضول. توقّع ذلك الشخص أن الرجل لا بد أنه مرّ بتجربة مهنية شكّلت لديه حسًا عاليًا بالانضباط، وعندما دار الحديث معه تبيّن أن حدسه كان في محلّه. هذه القصة، على بساطتها، تختصر فكرة عميقة مفادها أن القيم المؤسسية الحقيقية لا تتوقف عند حدود مكان العمل، بل تمتد لتصبح جزءًا من السلوك اليومي للفرد.
تشير الأدبيات العلمية في علم السلوك التنظيمي إلى أن القيم المؤسسية ليست مجرد شعارات تُرفع أو عبارات تُكتب في وثائق رسمية، بل هي منظومة متكاملة من المبادئ التي تُترجم إلى ممارسات يومية. هذه القيم تكتسب معناها الحقيقي عندما تنعكس في القرارات والسلوكيات، وعندما تصبح مرجعية ضمنية توجه الأفراد حتى في غياب الرقابة. الفرق الجوهري هنا يكمن بين الامتثال الظاهري والتبني الداخلي؛ فالأول يرتبط بالخوف من العقوبة أو الرغبة في المكافأة، بينما الثاني يعكس قناعة راسخة تجعل السلوك متسقًا عبر مختلف السياقات. وتؤكد أبحاث نظرية التحديد الذاتي أن السلوك الذي ينبع من قناعة داخلية يكون أكثر استدامة وأقل اعتمادًا على العوامل الخارجية.
ولا يمكن فهم تشكّل هذا النوع من الالتزام دون التوقف عند دور القيادة. فالقيم لا تُنقل بالكلمات بقدر ما تُنقل بالممارسة اليومية. عندما يرى الأفراد قادتهم يلتزمون بما يقولون، خصوصًا في المواقف التي تتطلب اتخاذ قرارات صعبة، تتعزز مصداقية هذه القيم وتترسخ في الوعي الجمعي. الاتساق هنا عنصر حاسم؛ إذ إن أي تناقض بين الخطاب والممارسة يضعف الثقة ويحوّل القيم إلى مجرد شعارات شكلية. ولذلك، تُظهر الدراسات أن ما يُعرف بالقيادة القدوة يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في بناء ثقافة مؤسسية منضبطة.
إلى جانب القيادة، تلعب الأنظمة والإجراءات دورًا محوريًا في تحويل القيم إلى سلوك مستدام. فالقيم، مهما كانت نبيلة، تحتاج إلى إطار عملي يدعمها ويجعلها قابلة للتطبيق. في البيئات التي تُعنى بالسلامة أو الجودة، على سبيل المثال، لا يكفي التوجيه النظري، بل لا بد من وجود أنظمة واضحة للتدريب، والتقييم، والتغذية الراجعة، والمساءلة. ومع تكرار الممارسة في سياق منظم، يتحول السلوك إلى عادة، ثم إلى جزء من هوية الفرد. وهذا ما يفسر لماذا يستمر بعض الأشخاص في الالتزام بمعايير معينة حتى عندما تنتفي الحاجة الظاهرية لها.
عندما تصل القيم إلى هذا المستوى من الترسّخ، فإنها تتجاوز كونها تعليمات لتصبح مكوّنًا من مكوّنات الهوية الشخصية. هنا لا يعود الفرد يتصرف بطريقة معينة لأنه ملزم بذلك، بل لأنه يرى في هذا السلوك انعكاسًا لما يؤمن به. وتوضح أبحاث الثقافة التنظيمية أن هذا التحول يحدث عندما تنتقل القيم من مستوى الشعارات إلى مستوى الافتراضات العميقة التي توجه السلوك بشكل تلقائي. في هذه المرحلة، يصبح الانضباط مفهومًا شاملًا يتجاوز الالتزام بالقوانين ليشمل جودة الأداء، واحترام الوقت، وتحمل المسؤولية، والوعي بالمخاطر.
ويمتد أثر هذا التحول إلى خارج نطاق العمل، حيث يظهر في تفاصيل الحياة اليومية. فالأفراد الذين يتبنون قيمًا مؤسسية قوية ينقلون هذه القيم إلى أسرهم ومحيطهم الاجتماعي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وهنا تبرز فكرة “نقل التعلم”، التي تشير إلى قدرة الفرد على تطبيق ما تعلمه في سياقات مختلفة. عندما تنجح المؤسسة في تحقيق هذا النوع من النقل، فإن تأثيرها لا يقتصر على تحسين الأداء الداخلي، بل يسهم في بناء سلوك مجتمعي أكثر وعيًا وتنظيمًا.
ومع ذلك، فإن ترسيخ القيم المؤسسية ليس مسارًا سهلًا أو تلقائيًا. فالكثير من المؤسسات تواجه تحديات تتعلق بالفجوة بين ما يُقال وما يُمارس، أو بضعف التزام القيادة، أو بغياب أنظمة داعمة. هذه التحديات قد تؤدي إلى حالة من الازدواجية الثقافية، حيث يدرك الأفراد القيم المعلنة لكنهم لا يرونها مطبقة في الواقع، فيفقدون الثقة بها تدريجيًا. لذلك، تؤكد الأبحاث على أهمية الاتساق، والوضوح، والربط بين القيم ونظم الحوافز والمساءلة، إضافة إلى الاستثمار المستمر في التدريب والتطوير.
في النهاية، تكشف لنا تلك القصة البسيطة في الصحراء أن السلوك الإنساني يمكن أن يحمل في طياته أثرًا عميقًا لتجارب مؤسسية سابقة. حين يضع شخص ما حزام الأمان في مكان لا يفرضه عليه أحد، فهو لا يلتزم بقانون بقدر ما يعبر عن قيمة أصبحت جزءًا منه. وهذا هو جوهر القيم المؤسسية الحقيقية: أن تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل، بحيث يصبح قادرًا على اتخاذ القرار الصحيح حتى في غياب الرقابة. في تلك اللحظة، يتحول الانضباط من واجب وظيفي إلى أسلوب حياة، وتتحول المؤسسة من مكان للعمل إلى مدرسة تُعيد صياغة السلوك الإنساني على نحو أكثر وعيًا واتساقًا.
ghawanmehameen@gmail.com
تحسبا للاستغلال .. مهم من التربية لهؤلاء الطلبة
مباحثات في طهران مع باكستان حول جهود الوساطة والتهدئة الإقليمية
ولي العهد يرعى ختام بطولة العالم الثانية للقدرة الدولية للهجن الأربعاء
الملك تشارلز الثالث يستقبل سلطان عمان في قلعة ويندسور خلال زيارة دولة تاريخية
"إدارية النواب" تناقش أوضاع الموظفين الملحقين بدائرة الجمارك
البدء بتنفيذ إعادة تأهيل "حديقة العبداللات" في ماركا
الزرقاء: اختتام فعاليات مهرجان مسرح الطفل العربي
زيت الزيتون الأردني ينافس عالميا .. دعوات لشراء المنتج من المصادر الموثوقة والمعاصر
غزة: شهيد ومصابون بقصف للاحتلال على جباليا
7 إصابات بحادث اصطدام شاحنة بعدة مركبات على طريق الحزام الدائري بعمان
الوزراء يقر مشروع قانون التصديق على اتفاقية تسليم الأشخاص مع المغرب
إدراج موقع المغطس ضمن الشبكة الوطنية للمناطق المحمية
مشروع نظام جديد يُعيد تنظيم مديريات دائرة الإفتاء .. تفاصيل
17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟
التربية توضح للسوسنة السبب وراء حذف صور طالبات مدرسة جرش
خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل
عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر
ترفيع وإحالات إلى التقاعد في الحكومة .. أسماء
اعتداء جماعي على طفل في إربد .. تفاصيل
لا تسلم مركبتك لغير المرخصين .. الأمن العام يوضح العقوبات
زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.
الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل
مقاطعة أربع جهات تأمينية الأحد .. ماذا ينتظر المرضى؟
تصريح عن تصفيق الأردنيين لصواريخ إيران يشعل ردود الفعل
خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة
عرّوه وصوّروه وكسروا جمجمته .. تفاصيل صادمة عن خطف طالب إعلام في إربد
عنوان رقمي مرتبط بهويتك .. تعديل جديد على التبليغات القضائية في الأردن
تقاعدات وترفيعات وإنهاء خدمات في التربية .. التفاصيل والأسماء