حين تفوز شعارت العشيرة وتُدفن معاني الديمقراطية

حين تفوز شعارت العشيرة  وتُدفن معاني الديمقراطية

02-05-2026 10:06 PM


في الأردن، لا تحتاج إلى أرشيف طويل لتكتشف المفارقة المدهشة: في أواسط خمسينيات القرن الماضي، حين كانت الدولة في طور التشكل السياسي، كانت التجربة الديمقراطية أكثر نضجًا وجرأة ووضوحًا مما نعيشه اليوم في زمن “التحديث السياسي” و”الإصلاح الموعود”.

نعم، في ذلك الزمن الذي يُصوَّر لنا باعتباره بدائيًا سياسيًا، كانت الأحزاب تحمل برامج حقيقية، وكانت السياسة فعلًا عامًا، وكانت المنافسة تدور حول الأفكار لا الأسماء، وحول المشاريع لا الروابط الضيقة. أما اليوم، فنحن أمام “مطعم مفتوح” للإصلاح؛ قوائم متعددة، أطباق متشابهة، ونكهات بلا طعم.

لقد تحولت “المسيرة الديمقراطية” — أو ما يُفترض أنها كذلك — إلى طقس شكلي يُمارَس بإتقان إداري، لا بإيمان سياسي. أحزاب تتنافس… نعم، لكنها تتبنى برامج متطابقة حدّ الذوبان، وتخدم — بوعي أو بدونه — مصالح نخب محدودة، فتفرغ العملية السياسية من معناها، وتحوّلها إلى مجرد مسرح بلا جمهور، أو جمهور بلا تأثير.

والسؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: ماذا فعلنا خلال العقدين الماضيين؟ كم من الوقت أُهدر؟ كم من المال أُنفِق؟ كم من الخطط وُضعت تحت عنوان “الإصلاح والتحديث السياسي”؟ ثم ماذا كانت النتيجة؟

إذا كانت انتخابات اتحادات الطلبة في بعض الجامعات الأردنية تمثل “مختبر الديمقراطية” الحقيقي، فإن النتيجة صادمة: التنافس يتراجع، والبرامج تُهمَّش، وتعلو أحيانًا اعتبارات الانتماء الضيق على حساب الكفاءة والرؤية.

وهنا لا بد من التفريق الواضح: العشائر في الأردن ليست مشكلة، بل هي مكوّن اجتماعي أصيل، لعب دورًا تاريخيًا مهمًا في بناء الدولة، وترسيخ قيم التضامن والتكافل والانتماء. وهي رصيد وطني يُعتز به، وجزء من الهوية الاجتماعية التي لا يمكن إنكارها أو القفز فوقها.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الانتماء الطبيعي إلى تعصّب أعمى، وحين يُقدَّم الولاء للعشيرة على حساب الولاء للوطن، والمصلحة العامة، والقيم والمبادئ التي يفترض أن تجمع الجميع. هنا لا نكون أمام “عشيرة” بمعناها الإيجابي، بل أمام انحراف في استخدامها، يفرغها من قيمها الأصيلة، ويحوّلها إلى أداة إقصاء بدل أن تكون مساحة احتواء.

إن التصويت على أساس القرابة وحدها لا يخدم العشيرة ذاتها، بل يسيء إليها، لأنه يختزلها في منطق ضيق، ويحمّلها ما لا يليق بتاريخها ودورها. فالعشيرة التي كانت عنوانًا للنخوة والعدل، لا يمكن أن تكون غطاءً لتجاوز الكفاءة أو تبرير الاختيار غير المسؤول.

في جامعة يُفترض أنها تُخرّج العقول، نجد أنفسنا أحيانًا أمام مشهد يعكس اختلال الأولويات:
ضجيج بلا فكرة، حشد بلا مشروع، وانتصارات تُقاس بعدد المؤيدين لا بعمق البرامج أو جودة الطرح.

ما يحدث اليوم في الجامعات ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو تدريب عملي على شكل المجتمع القادم. اليوم منافسة غير ناضجة داخل الحرم الجامعي، وغدًا استقطاب في المجتمع، وبعده خطر الانقسام بدل التماسك.

الأخطر أن هذا المشهد لا يُواجَه بجدية كافية. بيئة العمل الطلابي مُفرَّغة من مضمونها، النقاش السياسي الحقيقي غائب، والفضاء العام محدود بقيود متعددة. في هذا الفراغ، يصبح طبيعيًا أن تتراجع البرامج لصالح الاعتبارات الاجتماعية الضيقة، بدل أن تتقدم الكفاءة باعتبارها المعيار الأجدر.

وهنا لا بد من طرح السؤال الصعب:
هل وزراء التنمية السياسية، الذين تعاقبوا على هذا الملف طوال ما يقارب عقدين، مدينون اليوم باعتذار صريح للشعب الأردني؟

ليس لأن التجربة لم تحقق أهدافها فحسب، بل لأنها أُديرت أحيانًا بمنطق الشكل دون الجوهر، وكأن تكرار الشعارات كفيل بصناعة واقع مختلف.

ما نشهده اليوم ليس مجرد تعثر… بل حالة من الدوران في المكان، تُقدَّم أحيانًا على أنها تقدم.

نبتسم كي نخفف وطأة المشهد… ثم نكتشف أن الابتسامة لم تعد تكفي.

إن ما يُزرع اليوم في الجامعات، سيُحصد غدًا في الوطن:
إما وعيٌ يعزز دولة المؤسسات والقانون، أو انزلاق نحو انقسامات تُضعف الجميع.
ولا يزال الخيار — رغم كل شيء — بأيدينا.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد