يوم العمال

يوم العمال

30-04-2026 11:59 PM

تحتفل غالبية دول العالم بيوم العمال تحديدًا في 1 أيار. اختيار هذا التاريخ يعود إلى أول إضراب في القرن التاسع عشر تم تنظيمه في 1 أيار عام 1886 من قبل عمال في شيكاغو الأمريكية، ومن ثم عمال في تورنتو الكندية، حيث تجسدت مطالب العمال حول تقليل ساعات العمل لتصبح 8 ساعات. وتوالت الإضرابات بعد ذلك للوصول إلى هدفهم وانتزاع حقوقهم. وفي عام 1889 تم عقد المؤتمر الاشتراكي الدولي في باريس تضامنًا مع عمال شيكاغو، وتم تحقيق مطلب العمال بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات، حيث تم اعتماد 1 أيار يومًا للعمال تخليدًا للإضراب العمالي الذي حدث في شيكاغو وراح ضحيته عدد من الأبرياء.

هذا يقودنا للتساؤل: لماذا أمريكا وكندا تحتفلان بيوم العمال في الثاني من سبتمبر، بالرغم أن الإضراب العمالي الذي حدث في كل من الدولتين كان في أيار؟ السبب يعود إلى أسباب تاريخية وعملية؛ فمثلًا في أمريكا كانت أول المسيرات والمطالبات العمالية لتحديد ساعات العمل في سبتمبر تحديدًا في مدينة نيويورك، أما كندا فتربط الاحتفال بيوم العمال بنهاية موسم الصيف حتى يكون يوم عطلة مفيد للعاملين للاستمتاع مع أسرهم.

هذا اليوم يذكرنا أيضًا بالمناضل العالمي في مجال حقوق العمال كارل ماركس، الذي دافع عن طبقة العمال باعتبارها الطبقة الكادحة في مجال العمل، ولا تكسب سوى تكاليف معيشتها بشكل ضيق، بينما الطبقة البرجوازية، أي طبقة أصحاب العمل التي تملك وسائل الإنتاج، هي من تنعم بالرفاهية والرخاء.

ولا تكتمل الصورة في الحديث عن هذا اليوم إلا من خلال إبراز اهتمام عقيدتنا الإسلامية بالعمل وأطراف العمل من عمال وأصحاب عمل. قال عليه الصلاة والسلام: "ما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده". وهذا الاهتمام بالعمل رافقه بيان التزامات أطرافه؛ فالإسلام حدد التزامات العامل بإتقان العمل والأمانة والالتزام بالعقد. قال تعالى: "إن خير من استأجرت القوي الأمين"، وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، ونضيف قوله عليه الصلاة والسلام: "من عمل منكم عملًا فليتقنه". بالمقابل، حدد التزامات صاحب العمل من خلال إلزامه بتحديد الأجر والسرعة في إعطائه. قال عليه الصلاة والسلام سيدنا محمد: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره"، وأيضًا: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه". وأيضًا دعا نبينا إلى تحديد عمل العامل وعدم تكليفه ما لا يطيق: "لا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم".

وركز الإسلام على الرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي للعمال وللأفراد كذلك، فكان في عهد رسولنا الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا نفرق بين أحد من رسله، نظام التكافل الاجتماعي من خلال نظام الزكاة والجزية والخراج، الذي كان يوزع على العمال العاطلين عن العمل وابن السبيل، وكذلك على كبار السن والأطفال والنساء من مسلمين ومسالمين.

وقد جرى تنظيم العمل بشكل أكثر تنسيقًا وتنظيمًا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، تحديدًا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث تم وضع نظام الحسبة والرقابة لتنظيم سوق العمل من الغش والظلم، وتم كذلك تحديد الأجور والمهام، ووضع نظام الرعاية الاجتماعية، وهو ما يعرف بوقتنا الحالي بالضمان الاجتماعي. فقد كان هنالك ديوان العطاء، فيتم توزيع كل ما يرد لهذا الصندوق من أموال الزكاة والخراج والجزية إلى الأشخاص المستحقين من أطفال منذ ولادتهم ونساء وكبار السن والعاطلين عن العمل وابن السبيل، بما يتلاءم مع أوضاعهم وظروف معيشتهم.

هذا يقودنا إلى مقارنة قوانين العمل في الدول العربية بما هو موجود في ديننا الحنيف، وما عمل به نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام في مجال العمل والرعاية الاجتماعية سواء للعاملين أو الأفراد داخل المجتمع. لا شك أن قوانين العمل في الدول العربية، ومنها بلدي الأردن، تأخذ بالغالب بما هو موجود في ديننا الحنيف من خلال تنظيم شؤون العمل، وأيضًا من خلال الرعاية والضمان الاجتماعي، ولكن نأمل بالمزيد من الاهتمام بزيادة أجور العمال بما يتلاءم مع ظروف عملهم، وخاصة الجسدية الصعبة والمرهقة وذات المخاطر العالية.

دعنا نعرج على قانون العمل الأردني؛ فيه مزايا جيدة بالنسبة لأطرافه من أصحاب عمل وعمال، وخاصة مشروع قانون العمل الجديد لسنة 2024 الذي لم يدخل حيز التنفيذ لحد الآن. فيه أشياء تعتبر إضافة نوعية لقانون العمل رقم (8) لسنة 1996 وتعديلاته، من ضمنها رفع إجازة الأمومة إلى (90) يومًا، وإضافة إجازة الوفاة ومدتها ثلاثة أيام كالقطاع الحكومي. والمتصفح لقانون العمل الأردني الجديد وتعديلاته يلاحظ أنه يعطي لكل من طرفيه، وخاصة العامل، الحد الأدنى من الحقوق، ونأمل بالمزيد، وخاصة في مسألة الأجر، أن يكون هناك تطبيق حقيقي وعملي للمادة 52 من القانون، والتي تنظر في مسألة الأجر لزيادته كل سنتين على مستوى الدولة أو منطقة معينة أو عمل معين بما يتلاءم مع التضخم الاقتصادي وتكاليف المعيشة.

ولا نستطيع أن نتحدث عن قانون العمل الأردني بمعزل عن قانون الضمان الاجتماعي الجديد لسنة 2014 وما حدث عليه من تعديلات في بعض المواد لسنة 2019. إن صور الرعاية والضمان الاجتماعي التي يغطيها القانون من تأمين إصابات العمل وأمراض المهنة، وتأمين العجز والشيخوخة والوفاة، وتأمين الأمومة والتعطل عن العمل والتأمين الصحي، تشمل العاملين في القطاع الخاص والعاملين في القطاع الحكومي غير الخاضعين لأحكام التقاعد المدني أو العسكري، إضافة إلى الاشتراكات الاختيارية لأفراد المجتمع من نساء أو رجال داخل أو خارج المملكة. الصراحة هو قانون رعاية وضمان اجتماعي يكفل الحياة الكريمة نوعًا ما للمنتفعين به.

الآن هنالك مشروع قانون جديد للضمان الاجتماعي؛ الهدف منه زيادة سن راتب تقاعد الشيخوخة وعدد الاشتراكات، لتصبح للذكور 65 بدلًا من 60 سنة، وللإناث 60 بدلًا من 55 سنة، وزيادة الاشتراكات من 180 اشتراكًا إلى 240 اشتراكًا، إضافة إلى تعديل في اشتراكات وسن التقاعد المبكر. ما أريد قوله هنا: يا ريت المشرع يتأنى وأن يستخدم نفس نهج قانون 2019 عندما عدل في سن التقاعد المبكر ولم يطبقها على المؤمن عليهم والمشتركين الذين اشتركوا في الضمان قبل 1/10/2019، أي بقي قانون 2014 يسري عليهم للحفاظ على مراكزهم القانونية وحقوقهم المكتسبة. فلماذا لا نطبق نفس النهج على مشروع قانون الضمان لسنة 2026؟

أمر آخر، بما أن الحكومة تفكر في رفع سن التقاعد لأنها هي التي وضعت مشروع القانون وتم طرحه ليمر بالمراحل التشريعية ليصبح نافذ المفعول، فهي الآن تحاول أن تسد عجز صندوق الضمان الاجتماعي من خلال زيادة الاشتراكات وسنوات الاشتراك. هذا تفكير قد يكون منطقيًا بالنسبة للأجيال القادمة، ولكن هذا يتطلب أن نفكر كالنمط الإسلامي والغربي أن يبقى الإنسان يعمل، ولكن يجب أن يكون هناك فتح مجال للأشخاص في حالة المرض أو الحمل أو رعاية طفل أو أي فرد مريض أو التعطل عن العمل، أن نعطيه تأمينًا يعادل مثلًا نصف راتبه لحين زوال العارض، طبعًا مع مراعاة أن يكون هناك عدد من الاشتراكات، حتى نكون أمام تكافل ورعاية اجتماعية حقيقية. وهذا يتطلب الرجوع إلى صور التأمين وإعادة صياغتها، أو حتى على الأقل زيادة سنتين فقط على سن التقاعد للذكر والأنثى مع عدم المساس بالتقاعد المبكر بشكل عام، لأنه تم رفع السن في 2019، مع التأكيد على عدم المساس بحقوق المشتركين الذين اشتركوا قبل 2026.

وأرجو من النقابات العمالية ونقابات أصحاب العمل أن تستغل مثل هذا اليوم لتدافع بشكل حقيقي عن عمالها، وأن يدافع أصحاب العمل عن أنفسهم بصفتهم مشتركين، وأيضًا المشتركين بشكل اختياري، فربما يسجل هذا اليوم لصالحهم كما حدث في أيار وأصبح يومًا عالميًا حقيقيًا للعمال. وأيضًا هنالك دول، كما قدمنا، ربطت يوم عمالها بأحداث تاريخية وعملية حتى يكون فعلًا يومًا عماليًا حقيقيًا.

وأختم: يوم العمال حدث عالمي، الغالبية ربطته بشهر أيار، والبعض الآخر ربطه بشهر سبتمبر، وكل منهم له أسبابه التاريخية أو العملية. أما الدول العربية والإسلامية فسارت على نهج الغالبية باعتبار هذه الدول جزءًا من العالم الدولي والإنساني المتكافل والمتضامن في كل المناسبات والأحداث. ولا شك أن ديننا الحنيف في بلادنا العربية والإسلامية له لمسة متميزة في شؤون العمل والعمال وأصحاب العمل، حيث راعى التوازن والتكافل بين أطراف العمل بشكل راقٍ وحديث، من خلال تحديد الأجور والمهام والحرص على ملاءمة الأجر للجهد ولصعوبة ومخاطر العمل، وفرض طرق الرقابة لمنع الغش والظلم، ووضع نظام رعاية وتكافل يحمي العاملين وغير العاملين من مسلمين ومسالمين.

ثم جاءت قوانين العمل الوضعية في الدول العربية والإسلامية، ومنها الأردن، في رعاية أطراف العمل ووضع نظام رعاية وتكافل اجتماعي، وتم التركيز على قانون العمل والضمان الاجتماعي الأردني. ورجائي أن يحدث تغيير حقيقي في الأجور بما يتلاءم مع تكاليف المعيشة الصعبة، وأن يتأنى المشرع في تعديلات مشروع الضمان الاجتماعي بما يحقق مصلحة المشتركين قبل 2026، وأن ينظر بعين الرحمة للأجيال القادمة ويطلب استشارة المختصين في الاقتصاد والقانون والشرع تحديدًا.

دامت بلدي وعمال بلدي والمستثمرون من أصحاب العمل، وكل من يعمل في القطاع الحكومي، وحتى من يعمل داخل بيته ومشروعه الخاص داخل وخارج الأردن. دمتم جميعًا بخير وعمل مستمر ودائم، وتحية عالمية إنسانية لكل عمال الدول الشقيقة والصديقة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد