حكايات أندلسية لا تصح

حكايات أندلسية لا تصح

10-05-2026 02:29 PM

إن الادعاء بأن كل ما في كتب التاريخ خالٍ من الأكاذيب أو التحريفات هو وهم يرفضه العقل. والحقيقة التي قد تُفاجئ الكثيرين هي أن جزءًا من تاريخنا، الذي نعتبره مقدسًا، ليس إلا سردًا كتبه مؤلفون ذوو أغراض معينة، أو ربما بدافع الرغبة في سرد ​​القصص وجذب انتباه القراء.
ثمة غواية خفية في تلك الحكايات التي تلهب الخيال، غواية تجعلنا، وبمحض إرادتنا أحياناً، ننساق وراء بريق الرواية المثيرة ضاربين بالحقائق التاريخية الجافة عرض الحائط. وكأن في أعماقنا ميلاً فطرياً لتفضيل الأسطورة بتجلياتها الساحرة على الحقيقة بمرارتها المعهودة.
الحقيقة أن ما جرى فعلاً تحت وهج الشمس يختلف جذرياً عما سطره الرواة في خلواتهم؛ إذ لم يكن تزييف البطولات ونحلها لشخصيات بعينها مجرد عبث، بل كان عملاً ممنهجاً لخدمة مآرب سياسية ضيقة، أو ربما ستارةً كثيفة نوارِي خلفها خيباتنا وانكساراتنا التي عجزنا عن اجتراح شجاعة لمواجهتها. وهكذا، ومع مرور الزمن، توارت الحقيقة خلف حجاب كثيف من الدراما التي تتقن فن دغدغة مشاعر الجماهير وتغييب عقولهم.
المشكلة الحقيقية ليست في تلك الشطحات التي يقذف بها الخيال البشري بين حين وآخر، فمن الطبيعي أن ينزع الخيال إلى خلق مرويات بديلة تسد رمق الفضول؛ فالإنسان بطبعه كائن سردي. إنما تكمن الورطة، وبكل صراحة، في تلك اللحظة التي تتكلس فيها هذه الحكايات المختلقة لتصبح يقينيات صلبة، تتسرب إلى وعينا وتدير محركات انحيازاتنا دون أن نمنح أنفسنا فرصة الوقوف للمراجعة. لقد انجرفنا، ربما بحكم العادة أو الركون للمألوف، نحو ترديد هذه الحكايات وكأنها نصوص منزّهة، مغيبين تماماً ذلك التساؤل الفطري الذي يجب أن يسبق أي قناعة: هل يستقيم هذا مع منطق الأشياء؟ وهل ثمة عقل يزن الأمور بميزانها الصحيح يقبل بوقوع هذا فعلاً؟
نحن في الحقيقة لا نواجه واقعاً ملموساً، بل نتعامل مع محض أوهام لشخصياتٍ لم توجد إلا في الخيال. ما يحدث هو عملية صياغة لقصص وُضعت خصيصاً لتعويض نقص في وعينا بالحقائق، حيث اعتمد صُنّاعها على قوة الدراما القادرة على إرباك ملكة النقد لدينا وتغييب العقل في لحظة انبهار عابرة.
معركتي ليست مع التاريخ كعدو، بل مع الموروث المزيف الذي يكاد يصبح من المسلمات. أريد هنا أن أمارس دور الباحث والمحلل والناقد في آنٍ واحد؛ لكشف كيف استطاعت الخرافة التسلل لعقولنا متسترة خلف قناع الحقيقة.
من بين الحكايات التي تناقلتها ألسنة العوام والكتب المتأخرة، والتي تُذكر في الكثير من المناسبات لاستنهاض المشاعر، هناك اثنتان لا تختلفان كثيرًا عن السيناريوهات الخيالية الدارجة على الألسن:
الحكاية الأولى: "يحكى أن الصليبيين أرسلوا أحد جواسيسهم إلى بلاد المسلمين في الأندلس، وبينما كان الجاسوس يتجول في بلاد المسلمين رأى شابًا يبكي وآخر بجانبه يواسيه، فسأله الجاسوس: ما الذي يبكي صاحبك؟ فقال الشاب: يبكي لأنه كان يصيب عشرة سهام من عشرة في الرماية، أما اليوم فقد أصاب تسعة من عشرة. فأرسل الجاسوس إلى الصليبيين يقول لهم: (لن تستطيعوا هزيمة هؤلاء القوم فلا تغزوهم).
ومرت الأعوام وتغيرت الأحوال وتغيرت معها الأطماع والهموم، وجاء الجاسوس الصليبي إلى بلاد المسلمين مرة أخرى فرأى شابين أحدهما يبكي والآخر يواسيه، فسأله الجاسوس: ما الذي يبكي صاحبك؟ فقال الشاب: يبكي لأن الفتاة التي يحبها تركته وذهبت لغيره. فأرسل الجاسوس إلى قومه: (اغزوهم الآن فإنهم مهزومون)". [1]
قلت: هذه القصة غير صحيحة إطلاقًا، وبعد البحث تبين أنها لا أصل لها في كتب التاريخ، وهي على الأغلب من تأليف أحد الحكواتية بهدف حثّ الشباب على التعقل والشجاعة، أما الحروب بين مسلمي الأندلس والفرنجة فكانت جولات وصولات، ولم تكن تتوقف على مراقبة جاسوس أصدر حكمه على رجال الأندلس كافة بناء على حالة شاب واحد.
وأما الحكاية الثانية: ذكرها الشيخ الدكتور محمد بن عبد الرحمن العريفي في كتابه (استمتع بحياتك)، وذكر أنها منقولة من كتاب طوق الحمامة لابن حزم، ونصها:
"ذكر ابن حزم في كتابه طوق الحمامة أنه كان في الأندلس تاجر مشهور.. وقع بينه وبين أربعة من التجار تنافس.. فأبغضوه.. وعزموا على أن يزعجوه.. فخرج ذات صباح من بيته متجها إلى متجره.. لابسا قميصا أبيض وعمامة بيضاء.. لقيه أولهم فحياه ثم نظر إلى عمامته وقال: ما أجمل هذه العمامة الصفراء...
فقال التاجر: أعمي بصرك ؟!! هذه عمامة بيضاء..
فقال بل صفراء.. صفراء لكنها جميلة...
تركه التاجر ومضى.. فلما مشى خطوات لقيه الآخر.. فحياه ثم نظر إلى عمامته وقال: ما أجملك اليوم.. وما أحسن لباسك.. خاصة هذه العمامة الخضراء...
فقال التاجر يا رجل العمامة بيضاء..
قال: بل خضراء..
قال: بيضاء.. اذهب عني .. ومضى المسكين يكلم نفسه.. وينظر بين الفينة والأخرى إلى طرف عمامته المتدلي على كتفه.. ليتأكد أنها بيضاء...
وصل إلى دكانه.. وحرك القفل ليفتحه.. فأقبل إليه الثالث: وقال: يا فلان.. ما أجمل هذا الصباح.. خاصة لباسك الجميل.. وزادت جمالك هذه العمامة الزرقاء..
نظر التاجر إلى عمامته ليتأكد من لونها .. ثم فرك عينيه...
وقال: يا أخي عمامتي بيضااااااء..
قال: بل زرقاء.. لكنها عموماً جميلة.. لا تحزن...
ثم مضى.. فجعل التاجر يصيح به.. العمامة بيضاء.. وينظر إليها .. ويقلب أطرافها ... جلس في دكانه قليلا.. وهو لا يكاد يصرف بصره عن طرف عمامته...
دخل عليه الرابع.. وقال: أهلاً يا فلان.. ما شاء الله من أين اشتريت هذه العمامة الحمراء ؟
فصاح التاجر، عمامتي زرقاء..
قال بل حمراء.. قال التاجر بل خضراء.. لا .. لا .. بل بيضاء.. لا .. زرقاء.. سوداء... ثم ضحك.. ثم صرخ.. ثم بكي.. وقام يقفز !! قال ابن حزم: فلقد كنت أراه بعدها في شوارع الأندلس مجنونا يحذفه الصبيان بالحصى ". [2]
إذا تفحصنا أسلوب سرد هذه الحكاية، لوجدنا أنه يختلف تمامًا عن أسلوب ابن حزم. وعندما نرجع إلى كتاب "طوق الحمامة"، لا نجدها. بل إنها لا توجد في أيٍّ من الكتب المنسوبة إلى ابن حزم. وهذا غريب من الشيخ العريفي، وهو عالمٌ يُفترض أن يُزوّدنا بالمصدر الدقيق لهذه الحكاية، ولكنه للأسف أدرجها في كتابه وأشار إلى "طوق الحمامة".
_______
[1] حكاية مقتبسة من موقع طريق الإسلام الإلكتروني.
[2] العريفي، محمد بن عبدالرحمن - استمتع بحياتك، فنون التعامل مع الناس في ظل السيرة النبوية / ص: ١٤.


الباحث في التاريخ الأندلسي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد