مشهد تاريخي في إربد

 مشهد تاريخي في إربد

07-05-2026 11:26 PM

ما يحدث في إربد لا يمكن اختزاله بمباراة كرة قدم، ولا حتى ربطه فقط بلقب دوري، فالحسين إربد عرف طريق التتويج في الموسمين الماضيين، واعتاد الوقوف على منصات الذهب، لكن إربد الآن تعيش حالة جماهيرية واجتماعية تاريخية نادرة خلف الحسين، كأن النادي تحوّل إلى هوية جامعة للمحافظة وقراها.

إربد اليوم لا تنتظر بطولة بقدر ما تعيش حالة عشق جماعي، محافظة كاملة بقراها وأحيائها، تقف في صف واحد خلف اسم واحد.. الحسين لم يعد مجرد فريق كرة قدم، هو امتداد لروح الفلاحين الذين لا يتركون أرضهم وحيدة في موسم الحصاد، يسقونها بالصبر، ويحرسونها بالانتماء، ثم يقفون حولها ساعة القطاف كما تقف إربد اليوم حول الحسين.

في كل قرية من قرى إربد حالة استنفار، في كل شارع حديث لا ينتهي، وفي كل بيت شعور يشبه انتظار نتيجة الابن الأكبر في التوجيهي، ترقّب، قلق، دعاء، وفرح مؤجل يبحث عن لحظة ينفجر فيها.

هذه هي اللحظة التاريخية الحقيقية، ليست في اللقب وحده، ولا في ذهب جديد يُضاف إلى الخزائن، بل في هذا المشهد التاريخي النادر الذي يجعل كرة القدم تخرج من الملعب وتدخل البيوت.. ما الذي يدفع سيدة سبعينية إلى السؤال عن موعد المباراة كأنها تنتظر عودة غائب؟، وما الذي يدفع أبا كادحا، لم تكن الكرة يوما من تفاصيل يومه، إلى متابعة الساعة وكأن صافرة البداية مرتبطة بنبض بيته؟، وما الذي يجعل فتاة إربدية لا تهتم بكرة القدم تنتظر فوز الحسين كأنها تنتظر خبرا يخصها؟

إنه الحسين حين لا يعود فريقا فقط، بل يصبح خيطا أصفر يشدّ القرى إلى المدينة، والذاكرة إلى الحاضر، والناس إلى بعضهم، إنها صورة ناس يذوبون في ناد حتى يصبح النادي ملامحهم، ولهجتهم، وفرحتهم، وقطعة ثابتة من صورتهم وهويتهم وذاكرتهم.

الحسين إربد اليوم هو نادي المحافظة وقراها، نادي الفلاحين الذين يعرفون معنى الصبر، ومعنى المواسم الطويلة، ومعنى أن تنتظر الحصاد بعد تعب الأرض، لذلك تبدو العلاقة معه أكبر من تشجيع، إنها علاقة انتماء، علاقة بيت بابنه، وأرض بزرعها، وناس بحلمهم.

ما يحدث في إربد الآن حالة تاريخية لم يعرفها الدوري الأردني بهذا الامتداد من قبل.

وخلف هذه الصورة الكبيرة، يقف عامر أبو عبيد كمهندس للمشهد لا كإداري عابر، رجل التقط حلم إربد من تراب قراها، وصاغه قميصا أصفر يلمع في العيون قبل المدرجات، لم يصنع فريقا فقط، بل أشعل هوية، وفتح بابا جعل الحسين بيتا واسعا لمحافظة كاملة.

إنها صورة محافظة كاملة وهي تعلن حبها علنا، صورة قرى تضع قلوبها في المدرج، صورة ناس وجدوا في الحسين اسما يجمعهم، وحكاية تشبههم، وفرحا يريدون أن يعيشوه معا.

المباراة أمام الفيصلي ليست عن خصم، ولا عن تسعين دقيقة، ولا عن صافرة بداية ونهاية، الحكاية عن إربد نفسها، عن هذا الالتحام النادر بين مدينة وناد، بين قميص وذاكرة، بين كرة قدم وهوية اجتماعية كاملة.

في إربد، أصبح الحسين أكثر من فريق كرة قدم، صار مرآة للناس، قميصا ترتديه القرى قبل اللاعبين، صار لغة مشتركة بين من يعرفون بعضهم ومن لا يعرفون، صار سببا لأن تشعر المحافظة كلها بأنها بيت واحد ينتظر خبرا سعيدا.

هذا عشق يُدرَّس، عشق لا تصنعه البطولات وحدها، ولا تفسّره النتائج فقط، بل تصنعه ذاكرة طويلة من الانتماء، وصدق الناس حين يجدون في نادٍ ما يشبههم، ويشبه تعبهم، ويشبه فرحتهم.

إربد لا تعيش مباراة فقط، إربد تعيش حالة، حالة جماهيرية واجتماعية نادرة، طاغية، وصادقة، حالة تقول إن كرة القدم حين تلامس وجدان الناس تتحول من لعبة إلى هوية، ومن ناد إلى بيت، ومن مدرج إلى تاريخ.

ما يحدث الآن في إربد ليس مجرد كرة قدم، إنه مشهد تاريخي في علاقة الناس بناديهم، مشهد يثبت أن بعض الأندية لا تُشجَّع فقط.. بل تُعاش.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد