فلسطين قضية الفلسطينيين … وجريمة تهميش الدم الأردني

فلسطين قضية الفلسطينيين … وجريمة تهميش الدم الأردني

07-05-2026 07:04 PM


يبدأ الخطر في كلام سميح المعايطة عندما يُصرّح بأن “القضية الفلسطينية تخص الفلسطينيين”، ويُقدّمها وكأنها حقيقة بديهية لا تُناقش، وكأنه يُبرّئ الأردن من أي مسؤولية، ويجعل فلسطين بعيدة عن أرضنا، كأنها قضية نُقرأ عنها في الأخبار لا أكثر. تصريحه لا يُعدّ مجرد رأي سياسي جاف، بل هو خطاب يُحاول أن يُعيد تعريف الارتباط الأردني بفلسطين، أن يُصغّر الهم، ويُحول الدم إلى ذكرى مُطفأة في زوايا المخيلة.

لا أفهم كيف يُقال إن فلسطين “قضية الفلسطينيين”، والاردن يحتضن أحفاد اللاجئين منذ النكبة، ويعيش معهم في مدننا، ويدرسون في مدارسنا، ويعملون في دوائر الدولة، ويشتركون معنا في ألم التهجير، وقسائم العيش الصعب، وحلم العودة. الفلسطينيون في الأردن ليسوا ضيوفًا عابرين، بل هم أبناء هذا البلد، وجزء من نسيج حياتنا. فمن يُريد أن يقول إن فلسطين لا تهمّ الأردن، ثم يُبقي على اللاجئين هنا، إنما يفتح الباب على مصراعيه لنفس سؤال “التوطين” الذي يُحاك بصمت: لماذا نحفظهم على أرضنا إن لم يكونوا جزءًا من قضيتنا؟

الأسوأ في أسلوب المعايطة أنه يُريد أن يحوّل الانشغال بفلسطين إلى “عبء” يُزعج الدولة. يُقدّم الصورة بأن من يُصرّ على التمسك بحق العودة، ويربط فلسطين بالأردن، هو مواطن مُثقل، غير واقعي، لا يُقدّر مصالح الدولة. وهكذا يُحوَّل الوجدان الوطني إلى قَلق مُزعج يجب تهدئته، ويخجَل الناس من أن يُصرّوا، ويُخفَى حق العودة في أروقة الاجتماعات، ليُستبدَل بمفاهيم “الواقع السياسي”، و”الملاءمات الداخلية”. صوته الخفيّ يقول: اتركوا فلسطين، وركّزوا على الميزانية، والأمن، والوظيفة، وراحتكم، فتصبح الحياة أبسط.

المأساة أن هذا الكلام يتجاهل بسهولة أن فلسطين هي قضية أمن قومي للأردن. ماذا يبقى من أردن آمن إذا ما ضُمّت الضفة، وشُرّدت القدس، وامتدّ الاستيطان إلى غور الأردن؟ حدوده الشرقية تُمسّ بوجوده التاريخي، وحدوده الغربية تُمسّ بتوازنها، والنار التي تُشعل في غزة والضفة تُهدّد الداخل قبل الخارج. فلسطين ليست زاوية جانبية في الخارطة، بل هي قلب الجغرافيا التي تُحدّد شكل الأمن والمستقبل. من يُفصل بين الأردن وفلسطين، يُعيد تعريف الأردن على أنه دولة صغيرة، بلا عمق، بلا قضية، وبلا هوية واضحة.

لا يُفهم كل هذا بمعزل عن “الدم الأردني” الذي سُفِك دفاعًا عن فلسطين. أول شهيد أردني في مسار الصراع الفلسطيني هو كايد المفلح العبيدات من كفر سوم في شمال الأردن، الذي استشهد وهو يحاول العبور نحو القدس دفاعًا عن فلسطين في أواخر الأربعينيات. اسمه لا يُردَد في كل خطاب، لكنه يُذكّرنا بأن فلسطين لم تكن يومًا “أرضًا مُبعَدة”، بل كانت مقدمة من أرضنا، وبوابة لكرامتنا. وشهداء “أسوار القدس” الذين سقطوا في موجات التصدي للعدوان على الحرم، وهم جنود ورجال أمن أردنيون، كان وجودهم على تلك الأسوار رسالة واضحة: أن المقدسات في القدس هي جزء من أمن الأردن، وكرامته، وعزة شعبه. وأن دماء الجنود الأردنيين الذين اُستشهدوا في حرب 1967، وطُبّقوا في مقابر جنين، ما زالت تُصيح في وجه كل من يحاول أن يقول إن فلسطين “ليست قضيتنا”، بأن الدم الأردني يُروّي ترابها، وأن جثامينهم في جنين تُثبت أن فلسطين ليست مجرد جماعة، بل امتداد للهوية الوطنية.

يُدهش من يُصرّح بأن “فلسطين قضية الفلسطينيين”، والذاكرة العربية ما زالت تُكرّر أن الأردن، والسعودية، ومصر، وسوريا، وليبيا، والعراق، وغيرها من الدول العربية دفعت أثمانًا باهظة لدعم فلسطين، من حروب 1948 و1967 و1973، إلى دعم المقاومة، وتمكين أهلها على أرضهم، واحتضان مئات الآلاف من اللاجئين، ورعايتهم. لم تكن هذه التضحيات “مكرمة عابرة”، بل كانت تعبيرًا عن شعور جماعي بأن فلسطين لا تُباع، ولا تُستبدَل بمصالح آنية، وليست قضية تُستَثنى من الهم العربي.

في النهاية، كلام المعايطة يعكس تراجعًا في خطاب النخبة السياسية الأردنية. يُقدّم هوية مصغّرة، مقتصِرة على المصالح الفورية، ويتخلّى عن الهوية الكبرى للعرب، والمسلمين، والإنسان المُضطَهد. يُقسّم المجتمع إلى “أهل الأرض” و”أصحاب العودة”، ويجعل حقّهم لعبة للمساومة، لا خطًا أحمر. لا يُمكن أن نُقبل لمثل هذا الكلام من مسؤول سابق، يُمثّل في وعي كثيرين صوتًا سياسيًا واجتماعيًا، أن يُقدّم نفسه في مقالة خفيفة، أمام مأساة ممتدة منذ أكثر من سبعين عامًا. فلسطين ليست “قضية فلسطينيين”، ولا هي “قضية جماعة بسيطة”، بل هي جزء من وجودنا، وجزء من كرامتنا، وحاضّرنا ومؤلمنا وتاريخنا ومصيرنا المشترك. ومن يُريد أن يُحوّلها إلى قضية ثانوية، فهو لا يُنقذ وطنه، بل يُعِدّ له تسوية مُهينة، تقضي على ذاكرة الشهداء الأردنيين على أسوار القدس، وفي جنين، وفي كل مدن وقرى فلسطين، وتُسقط فلسطين من خارطة الوجدان قبل أن تُمحى من على الخريطة الجغرافية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد