من القروض إلى الجمعيات: قراءة سوسيولوجية في التمويل الشعبي بالأردن
07-05-2026 11:23 PM
في المجتمعات الحديثة، لا يمكن تصور اقتصاد يعمل بكفاءة دون أدوات الدين والائتمان. فالقروض، بمختلف أشكالها، ليست مجرد وسائل تمويل استهلاكي، بل تمثل أحد المحركات الأساسية للنشاط الاقتصادي، إذ تتيح للأفراد تأسيس مشاريع صغيرة، وتمكن الأسر من مواجهة الأعباء الطارئة، كما تساعد الحكومات والشركات على تحريك عجلة الاستثمار والإنتاج. وفي الأردن، كما في معظم الاقتصادات النامية، أصبح التمويل الأصغر وقروض الأفراد جزءاً أساسياً من البنية الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً في ظل الضغوط المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية.
تشير البيانات الحديثة الصادرة عن البنك المركزي الأردني وتقارير قطاع التمويل الأصغر حتى نهاية عام 2025 وبداية 2026 إلى أن محفظة القروض النشطة لمؤسسات التمويل الأصغر غير البنكية بلغت نحو 308 ملايين دينار أردني، فيما استقر عدد المقترضين النشطين عند حوالي 456 ألف مقترض. كما بلغ إجمالي قروض الأفراد في الأردن نحو 14.3 مليار دينار في الربع الثالث من عام 2025. وتعكس هذه الأرقام اتساع الاعتماد على التمويل الفردي كأداة لتلبية الاحتياجات الاقتصادية اليومية، سواء لأغراض إنتاجية أو استهلاكية.
ومن الناحية الاقتصادية، لا يمكن النظر إلى التوسع في الإقراض باعتباره ظاهرة سلبية بحد ذاته. فالاقتصادات الحديثة تعتمد على الائتمان لتحفيز الاستهلاك والإنتاج، كما أن الشمول المالي يُعد من المؤشرات المهمة على اندماج الأفراد في النظام الاقتصادي الرسمي. وقد سعت الدولة الأردنية، عبر البنك المركزي، إلى تنظيم قطاع التمويل الأصغر وتعزيز دوره في دعم الفئات محدودة الدخل، لا سيما النساء والمشاريع المنزلية والأنشطة الصغيرة المدرة للدخل. كما شهد القطاع تطوراً في أدوات التمويل الرقمي، وبدأت تظهر تطبيقات إلكترونية ومنتجات تمويلية متخصصة بالطاقة المتجددة والتعليم والمشاريع الصغيرة.
غير أن القراءة السوسيولوجية لهذا الواقع تكشف جانباً آخر أكثر تعقيداً من مجرد الأرقام والمؤشرات المالية. فالقرض بالنسبة لكثير من الأسر الأردنية لم يعد مجرد وسيلة استثمار أو تحسين دخل، بل أصبح في أحيان كثيرة أداة للبقاء الاجتماعي، ومحاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الأسري والقدرة على الوفاء بالالتزامات اليومية. وهنا تتحول العلاقة مع الدين من علاقة اقتصادية بحتة إلى علاقة نفسية واجتماعية تمس مكانة الفرد داخل أسرته ومحيطه الاجتماعي.
تزداد هذه الإشكالية وضوحاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ارتفاع التكلفة الفعلية لقروض التمويل الأصغر في الأردن. فوفق البيانات الحديثة لعام 2026، تتراوح الفائدة السنوية الفعلية في بعض مؤسسات التمويل الأصغر بين 18% وقد تتجاوز 40% في بعض أنواع القروض الفردية. وهذه النسب المرتفعة، حتى وإن بررتها المؤسسات المالية بمخاطر التشغيل وارتفاع نسب التعثر، تضع المقترضين ضمن دائرة ضغط اقتصادي متواصل، خاصة لدى الشرائح محدودة الدخل التي غالباً ما تلجأ إلى هذه القروض تحت وطأة الحاجة وليس بدافع الاستثمار المدروس.
ومن منظور علم الاجتماع الاقتصادي، فإن تراكم الديون الصغيرة داخل الأسر لا يقود فقط إلى أعباء مالية، بل ينعكس على العلاقات الاجتماعية والنفسية داخل المجتمع. فالتعثر في السداد قد يؤدي إلى تفكك الثقة داخل الأسرة، وزيادة التوترات الزوجية، والشعور بالعجز الاجتماعي، وربما الانسحاب من بعض شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة الحرج أو فقدان المكانة المعنوية. كما أن ارتفاع المديونية الفردية قد يعيد إنتاج الهشاشة الاقتصادية عبر تحويل جزء كبير من دخل الأسرة إلى التزامات مالية طويلة الأمد.
وفي مقابل هذا النظام الرسمي للتمويل، حافظ المجتمع الأردني لعقود طويلة على آلية شعبية تقليدية عرفت محلياً باسم “الجمعيات”. وتقوم هذه الفكرة على اتفاق مجموعة من الأفراد؛ قد يكونون من الأقارب أو الزملاء أو الأصدقاء؛ على دفع مبلغ شهري متساوٍ، بحيث يحصل أحدهم على كامل المبلغ في كل دورة شهرية وفق ترتيب متفق عليه مسبقاً، إلى أن ينتهي الدور للجميع.
ورغم بساطة هذا النظام، إلا أنه يمثل نموذجاً اجتماعياً بالغ الأهمية لما يسميه علماء الاجتماع “رأس المال الاجتماعي”، أي الثقة المتبادلة والتعاون غير الرسمي داخل المجتمع. فالجمعيات لا تستند إلى ضمانات بنكية أو تصنيفات ائتمانية، بل إلى الثقة والسمعة والعلاقات الاجتماعية. وهي بذلك تعكس قدرة المجتمع على إنتاج أدواته الذاتية للتكافل المالي خارج الأطر الرسمية.
ولعل ما يميز “الجمعيات” أنها لا تقوم على منطق الربح أو الفائدة، بل على تبادل المنفعة الزمنية بين الأفراد. فكل مشارك يدفع ويستفيد في الوقت ذاته، دون أن يتحمل تكلفة مالية إضافية كما يحدث في القروض التقليدية. ولهذا استطاعت هذه الممارسة أن تستمر في المجتمع الأردني رغم توسع القطاع المصرفي والتمويلي، لأنها تلبي حاجة مزدوجة: الحاجة الاقتصادية والحاجة إلى الشعور بالأمان الاجتماعي.
ومن اللافت أن هذا النموذج التقليدي لا يقتصر على الأردن فقط، بل يوجد بأشكال مختلفة في العديد من المجتمعات حول العالم. ففي الأدبيات الاقتصادية يُعرف هذا النمط باسم ROSCA، أي “جمعيات الادخار والائتمان الدوّارة”، وقد حظي باهتمام أكاديمي واسع باعتباره شكلاً من أشكال التمويل المجتمعي غير الرسمي. وتشير دراسات منشورة في مجلات علم الاجتماع والتنمية الاقتصادية إلى أن هذه الجمعيات تلعب دوراً مهماً في تعزيز المرونة المالية للأسر محدودة الدخل وتقليل الاعتماد على القروض ذات الفوائد المرتفعة.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت بعض الدول في المنطقة بتطوير هذه الفكرة التقليدية وتحويلها إلى تطبيقات رقمية منظمة تخضع للحوكمة والرقابة المالية. فقد ظهرت منصات إلكترونية تعتمد نموذج الجمعيات الرقمية، بحيث يتم توثيق الاشتراكات، وتنظيم أدوار الصرف، والتحقق من الهوية، وإدارة المخاطر باستخدام التكنولوجيا المالية الحديثة. وهذا التحول يعكس اتجاهاً عالمياً نحو دمج الممارسات المجتمعية التقليدية ضمن الاقتصاد الرقمي الرسمي.
ومن هنا يمكن طرح تصور عملي قابل للنقاش في الحالة الأردنية: لماذا لا تتبنى الجهات الرسمية، بالتعاون مع البنك المركزي وشركات التكنولوجيا المالية، نموذجاً وطنياً منظماً للجمعيات الرقمية؟ فالأردن يمتلك بنية تحتية متقدمة نسبياً في مجال الخدمات الإلكترونية والمحافظ الرقمية، كما أن المجتمع نفسه يمتلك خبرة ثقافية طويلة مع فكرة الجمعيات وثقة اجتماعية متجذرة تجاهها.
إن تحويل “الجمعيات” من ممارسة شعبية غير موثقة إلى منصة رقمية خاضعة للحوكمة قد يحقق عدة أهداف في آن واحد. فمن جهة، سيوفر للأفراد أداة تمويل منخفضة التكلفة وأكثر أماناً من الاعتماد على القروض مرتفعة الفائدة. ومن جهة أخرى، سيسهم في تعزيز الشمول المالي وإدخال شرائح جديدة ضمن الاقتصاد الرقمي الرسمي دون تحميلها أعباء مالية إضافية.
كما يمكن لهذا النموذج أن يخفف من المخاطر الاجتماعية المرتبطة بالمديونية المفرطة، لأن العلاقة فيه تقوم على الادخار التشاركي وليس على الاقتراض الربحي. إضافة إلى ذلك، فإن وجود إطار تنظيمي ورقابي سيحمي المشاركين من بعض المشكلات التقليدية المرتبطة بالجمعيات غير الرسمية، مثل الانسحاب المفاجئ أو عدم الالتزام بالسداد أو النزاعات الشخصية.
غير أن نجاح هذا التصور يتطلب بناء منظومة متكاملة من الثقة الرقمية والتشريعات المرنة والتوعية المجتمعية. فالتكنولوجيا وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها ثقافة مالية مسؤولة وآليات واضحة للحوكمة وحماية الحقوق. كما ينبغي ألا ينظر إلى هذا النموذج باعتباره بديلاً كاملاً عن القطاع التمويلي الرسمي، بل مكملاً له، خصوصاً للفئات التي تحتاج إلى حلول تمويلية صغيرة ومرنة ومنخفضة التكلفة.
في النهاية، تكشف تجربة التمويل الأصغر في الأردن عن مفارقة اجتماعية مهمة: فبينما تتوسع المؤسسات الرسمية في تقديم القروض كأداة للشمول المالي، ما يزال المجتمع يحتفظ بآليات تضامن تقليدية أكثر قرباً من مفهوم التعاون الاجتماعي وأقل تكلفة على الأفراد. وربما تكمن الحكمة اليوم ليس في استبدال أحد النموذجين بالآخر، بل في محاولة الجمع بين كفاءة التنظيم الرسمي وروح التكافل المجتمعي.
إن الاقتصاد لا يقوم فقط على الأرقام والفوائد والعقود، بل يقوم أيضاً على الثقة والعلاقات الاجتماعية والإحساس بالأمان. ومن هنا قد يكون مستقبل التمويل الأكثر استدامة هو ذلك الذي يستطيع أن يوازن بين منطق السوق وروح المجتمع، بين التكنولوجيا والقيم الاجتماعية، وبين الحاجة إلى التمويل والحفاظ على كرامة الإنسان واستقراره الأسري.
ghawanmehameen@gmail.com
الإعلان الرسمي لفيلم كريم عبد العزيز الجديد يثير تفاعلاً واسعاً
استشهاد 12 شخصا بينهم مسعف وطفلان بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان
نجل فضل شاكر يخرج عن صمته بتعليق مفاجئ
النفط يهبط 1% في ختام تعاملات متقلبة
أفضل الأطعمة للوقاية من الأمراض وتعزيز الصحة
مخاطر البخاخ الأزرق .. تحذير عاجل لمرضى الربو
حورية فرغلي تتحدث عن عملية تجميل أجرتها في أحد أعضاء جسدها
بلدية جرش مستمرة في إزالة الأعشاب تجنباً لوقوع الحرائق صيفاً
قمة الحسم بين الحسين إربد والفيصلي لتحديد بطل الدوري الأردني .. الجمعة
مخاوف متزايدة من الأغاني المولدة بالذكاء الاصطناعي
تحليل استخباري: إيران قادرة على الصمود أشهرًا أمام الحصار الأمريكي
من القروض إلى الجمعيات: قراءة سوسيولوجية في التمويل الشعبي بالأردن
السيلاوي يبث رسالة استغاثة من المستشفى ماذا يحدث .. صورة
اللحظات الأخيرة من حياة هاني شاكر وسبب الوفاة
سبب وفاة هاني شاكر تهز مواقع التواصل
رفع تعرفة عداد التكسي والتطبيقات الاثنين المقبل
مهم بشأن أسعار الأضاحي العام الحالي
القوات المسلحة تنفذ عملية "الردع الأردني" ضد تجار السلاح والمخدرات
مصدر أمني: إطلاق نار على ثلاثة أشقاء في الرصيفة
وفاة ثانية بحادث جمرك العقبة المؤسف
مهم للمواطنين بشأن تعديلات الترخيص
مسؤول أميركي يعلن انتهاء الهجمات على إيران .. ما السبب
وفاة سيدة سقطت من أعلى مبنى تجاري في وسط عمّان
رسمياً .. بدء حجب المواقع الإباحية على شبكات الإنترنت بالأردن
