«أخبروهم أنها هنا» .. السَّير على خُطى الأسلاف

«أخبروهم أنها هنا» ..  السَّير على خُطى الأسلاف

11-05-2026 11:17 AM

يحتار القارئ في تصنيف كتاب «أخبروهم أنها هنا.. بحثا عن ملكة مليحة» للشيخة بدور القاسمي، فهو مزيج من البحث التاريخي والدراسة الأنثروبولوجية والتنمية البشرية وتطوير الذات، مع مناجيات صوفية وتأملات ذاتية مبثوث فيها شذرات من سيرة المؤلفة الذاتية، كل ذلك مصوغ في قالب تشويقي شبه روائي. وقد كانت صاحبة الكتاب واعية لهذه الخاصية اللاأجناسية في كتابها، فحاولت تنبيهنا في مقدمتها إلى طبيعة كتابها، فذكرت أنه «ليس حكاية عابرة، بل هو مناجاة وابتهال ونسيج نوراني نسجتُه من خيوط الذاكرة والأسطورة. إنه إظهار لجذوري»، ورغم أننا نقرأ في الكتاب كثيرا من المعلومات العلمية الموثقة المعتمدة على دراسات، ثبتت في آخر كتابها قائمة بمصادرها إلا أنها تنبهنا أيضا إلى أن الكثير مما نقرأه في هذا المؤلَّف ولد من الأحلام والرؤى، بل تعتبر ذلك من مصادرها المعرفية فتكتب «إلى جانب إيماني كنت دوما منجذبة إلى عوالم الأسطورة وإلى الحكايات الشعبية».

ومن هذا المزيج ما بين الصرامة العلمية القائمة على أبحاث أكاديمية والاستبطان الذاتي والتأملات الصوفية، تقدم لنا الشيخة بدور القاسمي حكايتها مع التنويه بأنها – كما ذكرت- لا تكتب لمجرد الحكاية، بل لتتذكر وتستحضر وتعيد بناء ما ظل حيّاً في الروح ولم يندثر. في كتاب «أخبروهم أنها هنا.. بحثا عن ملكة مليحة» نتبين وجها آخر للكاتبة التي عرفناها من أبرز الشخصيات الثقافية في الإمارات العربية المتحدة، بترؤسها لعدة مؤسسات وهيئات ثقافية وأكاديمية ومنها، الجامعة الأمريكية في الشارقة وهيئة الشارقة للاستثمار والتطوير، كما تركت بصمتها الواضحة في مجال النشر وكانت رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين ومهتمة على الخصوص بأدب الأطفال الذي أنشأت له دار نشر خاصة به. هذا النشاط المتعدد غيّب صفة الكاتبة التي توارت وراء المناصب الرسمية، ليعيدها لنا كتابها الأخير مؤلِّفة متمكنة من صنعة الكتابة شكلا ومضمونا. فتبدأ كتابها المكوّن من أحد عشر فصلا موزعة على 360 صفحة بعد المقدمة، بالحديث عن رحلتها لتسلق جبل كليمنجارو (التي تعني جبل الشموخ باللغة السواحيلية) وقد دامت سبعة أيام عادت الكاتبة بعدها شخصا آخر مختلفا، وكأن تسلق الجبل كان ولادة ثانية لها، حيث تعلمت منه أن تتخفف من كل ما يثقلها لتسلقه، وهو ما عكسته على الحياة، أي التخفّف من جميع الزوائد المادية والمعنوية. ولخصت لنا ما استفادته من رحلتها الجسدية والروحية بقولها، «علمني هذا الجبل كيف أنصت، كيف أتنفس، كيف أستسلم كيف أتغير.. جردني من الزوائد وأراني حقيقتي».

هيأتها رحلة تسلق جبل كليمنجارو لرحلة أهمّ كان لها تأثير كبير عليها، فلم تقطع آلاف الكيلومترات هذه المرة، بل مسافة 120 كيلومترا فقط التي تفصل بين الشارقة عاصمة الإمارة، التي يحكمها والدها الشيخ سلطان القاسمي، وقرية كلباء الغافية على كتف ساحل الخليج، كانت هذه المسافة البسيطة بقياس وسائل النقل الحديثة كافية لتحدث نقلة كبيرة في حياة المؤلفة، حين عثرت مصادفة على قبر قديم مهجور كان أشبه بصندوق بندورا، لكن هذه المرة خرج منه خير كبير. ففي تجوالها في هذه الأرض، التي يكثر فيها شجر السَّمُر، الذي لم يكن بالنسبة لها مجرد «مجرد شجرة صحراوية أخرى، بل تبين أنه محور تتقاطع فيه مسارات البيئة والشفاء والتراث والمعرفة الروحية العميقة». في أثناء هذا التجوال انكشفت أمام بصرها علامة متمثلة في دائرة مرسومة بإحكام تحيط بها أحجار عظيمة، فرأت بعين الخبيرة الأنثروبولوجية وهو تخصصها الذي درسته في كامبريدج، أن هذه الدائرة مقبرة سومرية، ولكن الأهم أن صوتا واضحا ارتفع في أعماق ذهنها يهتف «أخبروهم أنها هنا.. أخبروهم أنها هنا» ومن هذا النداء استمدت عنوان كتابها، فتساءلت أيمكن أن يكون ضريح ملكة مدفونة هناك؟

قصت علينا الكاتبة في فصل بعنوان «القبر الذي وجدني»، كيف تبعت حدسها واصطحبت مجموعة من خبراء الآثار ونبشوا المكان، ورغم أنهم لم يعثروا على عظام بشرية، إلا أن الكاتبة اعتبرت أنها وجدت نفسها فكتبت «الكنز لم يكن يوما مخبوءا تحت الأرض، كان دوما كامنا في أعماقنا». ومن هذا المنطلق أصبح هاجس الشيخة بدور القاسمي البحث عن ملكة غيبها التاريخ الرسمي، فتاريخنا مثل أدبنا ما زال يكتب بأيد ذكورية وهذا ما أكده للكاتبة خبير بوسني في الآثار حين قال لها، «التاريخ غالبا ما يميل إلى تفضيل الملوك، فنحن ننسى أن نساء كثيرات بسطن سلطانهن على هذه الأرض كملكات حاكمات، لكننا لم نكشف بعد عن كل قصصهن»، فكان هذا الكتاب في قسم كبير منه بمثابة رد اعتبار لهؤلاء الملكات اللواتي غابت، أو غيّبت أخبارهن، وإن كنا نجد دلائل على وجودهن من خلال مسكوكة هنا، أو حجر منقوش هناك.

رأت المؤلفة علامات في الأحلام وفي الواقع حثتها على التفتيش عن آثار هذه الملكة المجهولة، فوالدها حاكم الشارقة حين حدثته بما يشغلها قال لها «كانوا ينتظرونك»، محفزا لها على مواصلة البحث، أما جدها الشيخ غنام الشامسي صاحب الكرامات فقد زارها في المنام وبشرها بقوله «ستكتشفين أمرا سيغير التاريخ إلى الأبد، لكنك لن تجديه في الكتب، بل في الأرض». ولم يكن لقاؤها بجدها في الحلم وحيدا، فقد رأت أيضا جداتها وكأنهن على طاولة مستديرة يكلفنها أن تحيي قصصهن، وتبعث تاريخهن «نحن نعيش من خلالك الآن لكننا نحتاج منك أكثر، بحاجة إلى أن تتحدثي باسمنا، أن تشعري لأجلنا، أن تطلقي ما عجزنا عن إطلاقه»، لذلك وصفت نفسها قائلة، «إنني أحمل رسالة من أسلاف هذه الأرض».
بدأت الشيخة بدور القاسمي رحلتها من موقع مليحة، التي تبعد 50 كيلومترا عن الشارقة، حيث تتبعت خطى الملكة المفقودة، من خلال عملة نقدية عُثر عليها في الموقع على أحد وجهيها صورة الإسكندر الأكبر، ولكن استبدلت الأحرف اليونانية التي كانت تشكل اسمه بنقش آرامي يقرأ أبيئيل، التي تعني أبي هو الله، وهو نقش تكرر في عملات أخرى أدى إلى اكتشاف أربع نساء ضربن العملة بأسمائهن في شرق الجزيرة العربية، كلهن يحملن لقب أبيئيل. وهذا ما دفع الشيخة وهي رئيسة هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق) إلى جعل مليحة محميةً طبيعية، حفاظا على نباتاتها وحيواناتها، وحماية لها من ضوضاء السيارات، علما أنها سعت بكل قدراتها لتسجيل موقع فاية القديم على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

وهذا البحث لم تقصره على ملكة مليحة التي جهدت لإثبات وجودها، بل حاولت في كتابها من خلال فصول متفرقة أن تحيي ذكر ملكات عديدات حكمن هذه المنطقة العربية متسائلة، «لماذا نسينا هؤلاء النساء اللواتي قدن جيوشا، وتفاوضن مع أباطرة، وحكمن أراضي شاسعة، وأثرن في الثقافة والسياسة بقدر مساوٍ إن لم يكن أعظم من كثير من نظرائهن الرجال»، فكتبت عن الملكات النبطيات والملكة ماوية السرسنية التي حكمت في القرن الرابع الميلادي، وقادت تمردا ضد الإمبراطورية الرومانية، كما كتبت عن بلقيس، التي حملت مملكة في رحمها، وأوردت قصتها مع نبي الله سليمان، ولم تنس أن تذكر الملكة زنوبيا – أو الزباء في المصادر العربية – حاكمة الإمبراطورية التدمرية، وكذلك نادين ذي صدقن شمس الملكة ذات التاج المكلل بالريش، والتي منها ولد المثل العربي «فلان على راسه ريشة»، بل أفردت في ختام كتابها قائمة بتسلسل الملكات في التاريخ، وخريطتين إحداهما لمواطن الملكات، فكانت المؤلفة كما وصفت نفسها «ما أنا إلا الكاتبة التي اصطفاها القدر لتحفظ الذاكرة».

بعيدا عن الجانب الأركيولوجي والبحثي، حوى الكتاب مساحات كبيرة من التأمل والبحث خارج الأطر التقليدية فالحقيقة كما يقول العارفون «تتجلى بوجوه شتى وليس دائما عبر الكتب أو الأطلال»، بل حتى الرؤى والأحلام وسيلة غير تقليدية للمعرفة وهذا ما بينته الكاتبة في أحد فصولها تحت عنوان «حين تفصح الأرض عن أسرارها في الأحلام»، لذلك كثرت في الكتاب الإحالات إلى أقوال الصوفية وأفكارهم مثل: «يصف الصوفية الرحمة كمطر يهطل على الجميع بلا استثناء»، أو «في الطريقة الصوفية الأدب هو الأصل»، أو رمز الأفعى عند الصوفية الذين كانوا يرونها رمزا للتحول والتجدد، أو قول الصوفية إن السماع الحق ليس بالأذن الظاهرة فقط، بل بالقلب. وتكررت أسماء ابن عربي وجلال الدين الرومي جنبا إلى جنب مع أسماء علماء الآثار والمؤرخين، كلّ هذا سُخّر لرحلة البحث عن ملكة مليحة التي وجدتها الكاتبة أخيرا، ولكن في مكان لا يخطر على بال «بحثت عنها في الريح والكثبان، في أصوات الأسلاف، في وميض النجوم، فلم أجدها إلا في أعماقي، لم تكن ضائعة يوما، إنما كانت تنتظر».

شاعرة وإعلامية من البحرين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد