تبرير الفشل بالعودة إلى الزّمن الجميل في الجزائر

تبرير الفشل بالعودة إلى الزّمن الجميل في الجزائر

12-05-2026 01:10 AM

عندما يعجز الإنسان عن مجاراة الواقع، يحنّ إلى الماضي. هذا هو الاستثناء، لكن أن يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، ويصير الحنين سلوكًا جارفًا، فالأمر يدعو إلى حيرة، لا سيما في الجزائر، عندما يصير الماضي هو العادة، وهو المكان الذي نلجأ إليه في كلّ حين.
وذلك ما نشاهده في مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحوّلت إلى ما يشبه قبورا مفتوحة نستخرج منها جثث زمن فات. فقد ازدهرت صفحات تعلوها يافطة: «الزّمن الجميل»، وهي صفحات تلقى رواجًا بعشرات الآلاف من المتابعين.
ولا تعرض محتوى يتعلّق بالحياة الحالية ولا مستقبلها، لا بمشاغل النّاس أو همومهم، بل هي صفحات تغرق في دوامة من استعادة زمن مضى، في استعادة أشياء اندثرت، وتروّج إلى فكرة مفادها أن الماضي كان أحلى من الحاضر. تبدو أنها فكرة رومانسية، تنطوي على كلّ شخص يعجز عن الحصول على مكانة في الزّمن الرّاهن، يشترك في تلك الصفحات أشخاص من أجل مداواة خيباتهم.
إنّها فكرة تبرّر كلّ فشل، عندما نعلّق أسباب الهزيمة على شماعة الزّمن، ونستعيد أشياء اختفت، من صور وفيديوهات عن حقب لم نعاصرها، بل سمعنا عنها. تتحدث هذه الصفحات عن أغراض كان يستخدمها النّاس، أو سلع وأدوات، تنشر صور ألعاب كان يتلهى بها الأطفال قبل ثلاثين أو أربعين سنة، أو صور أو أفلام أو وجوه مذيعين أو شخصيات من الأرشيف.
كما نعثر فيها على صور الموضة القديمة أو ألبسة لم يعد لها رواج في السوق. وكلّ هذه المنشورات ترنو إلى هدف واحد: أن الحياة في الجزائر كانت أفضل مما وصلت إليه في الزّمن الحالي.
والغريب أن جمهور هذه الصفحات يتفاعل مع المنشورات بكلّ شغف، ويوافقون على هذا الطرح من غير مساءلة أو نقد، وكأن الجزائري أصباح كائنا ماضويًا لا تكتمل هويته إلا إذا أثبت حنينه إلى أزمنة غابرة. لا يفكّر في واقعه ولا يستشرف مستقبله، بل لا يزال عالقًا في زمن تجاوزته الأحداث.
إن هذه الصفحات التي بات لها جمهور يفوق جمهور فرق الكرة، تضع المتابع إزاء مفارقة وتضع نفسها إزاء تناقض من حيث لا تدري. من بينها صفحات تعنى بجمال المدن الجزائرية في الماضي، تستحضر صور الشوارع والعمران، وهي لا تعلم أنها تحتفي بالاستعمار. إنها تتحدّث عن مدن من زمن كانت فيه الإدارة تحت يد المستعمر.
هكذا إذن يتحوّل جمهور مواقع التواصل في الجزائر إلى جمهور يحنّ للاستعمار من غير علم منه. وكأن أصحابها يرجون عودة الجنود الفرنسيين إلى البلد. وعلى الرّغم من أنها صفحات تتغنى بالوطنية وحبّ الوطن فإنها ترفع من هرمون الحماسة في نفوس متابعيها، بشكل يجعلهم يتصالحون مع حقبة ساد فيها احتلال، من غير حرج.
صحيح أنها تروّج إلى تلك الصور والفيديوهات من باب إظهار وجه آخر للجزائر، عندما كانت البلاد متصالحة مع نفسها ومنفتحة، لكنه زمن شهد حكم الفرنسيين. والسؤال الذي يتبادر للذّهن: لماذا غابت تلك المناظر بعد الاستقلال؟ إنها صفحات تضع النّاس في مقاربة بين الماضي والحاضر، ويبدو أن هذا الغرض من ورائها، لكنها مقارنة عمياء، لأنها تتحدّث عن زمن لم يكن زمننا، بل تحت هيمنة كولونيالية.
صحيح أن الأوروبيين الذين عاشوا في الجزائر خططوا وحكموا تلك المدن وجعلوها في تلك الصورة التي نراها في صفحات «الزّمن الجميل»، لكن هذا الحنين الذي يعوزه نقد أو مساءلة، ينطوي عن سوء فهم للتّاريخ، إنه حنين إلى زمن الاستعباد، وهذا الجهل بالتّاريخ يجعل النّاس ينقرون الإعجاب بتلك الصور، لأنهم يريدون حياة مريحة لا شظف عيش فيها، ولا يعلمون أن أجدادهم كانوا مستبعدين من المشهد في ذلك الزّمن.
هناك مشهد آخر في صفحات «الزمن الجميل»، وهي صفحات تحتفي بالحقب التي عقبت الاستقلال، ولا سيما في عشريتي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، في عرض صور وأغراض وأدوات وألبسة ومظاهر الحياة في تلك الأثناء، وتقدّمها إلى المتابعين على أنها دليل على أنها الزّمن الأبهى من تاريخ البلاد.
وهذه كذلك مفارقة لا تخل من تناقض. ففي تلك السنين كان الحزب الواحد يحكم البلاد بيد من قسوة، كان الصوت فيها ممنوعا، ومن يتكلّم يواجه قدرًا مشؤوما، وتحكي تلك الصفحات عن ذلك الزمن كمن اكتشف بئر ماء في الصحراء، عن صنائع شركات وطنية سرعان ما اندثرت لأنها لم تصمد أمام المنافسة عقب فتح الباب أمام الاستيراد.
إنها صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تودّ أن تقنع النّاس بأن الجزائر كانت بلدا يصنع الأحذية والألبسة وكلّ الحاجيات أخرى، لكنها تخفي أنها بلد كان يستورد القمح والغذاء والدّواء والأشياء البسيطة الأخرى، تودّ أن توهم النّاس بأننا كنا قوة من أجل أن يركبوا قارب الوهم، وتخفي أن تلك الشركات الوطنية فشلت في أول امتحان أمام المنافسة مع الاستيراد.
كما تحكي هذه الصفحات أن الدينار المحلي كان عملة قوية، وهذه حقيقة، لكنها تخفي أن العملة ترتبط بالاقتصاد، وأن الاقتصاد ريعي يقوم على المحروقات، وعندما انخفض سعر البرميل توارى الدّينار.
ولأن هذه الصفحات تتباهى بصنائع شركات محلية، فلماذا لم تنقذ هذه الشركات المحلية العملة من الانهيار؟ لأنها ببساطة عاجزة عن التصدير، وعجزها عن التصدير يكشف عن عجزها في المنافسة، وسمعتها في الجزائر دليل أنها كانت سلع محلية فحسب.
هذه الصفحات التي تحنّ للماضي، وتسميه الزمن الجميل، من شأنها أن ترفع من غرور متابعيها، لأنها تظهر لهم الحقيقة الزائفة، لا تحيلهم على الحقيقة بأكملها، تحاول إغراء النّاس وتبيع لهم الوهم، مستفيدة من الحالة التي يعيشها المواطن في الزمن، والذي يلجأ للماضي في تفادي صدمات الحاضر.

كاتب من الجزائر



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد