«مئوية» ظاهرة اسمها .. هنري كيسنجر

«مئوية» ظاهرة اسمها ..  هنري كيسنجر

28-05-2023 08:37 AM

المناصب في حد ذاتها لا تصنع الأساطير، إلَّا أنَّها، بمساعدة القدر والظروف، يمكن أن تساهمَ في صنع التاريخ.

هنري كيسنجر، الذي ولد قبل 100 سنة لعائلة يهودية في جنوب ألمانيا، ربما يكون أحد كبار الذين شاركوا في صنع التاريخ على امتداد نصف قرن من الزمن. ولقد فعل ذلك عملياً منذ اقترابه من مركز القرار في أقوى دول العالم، وعبر منصبي مستشار شؤون الأمن القومي ثم وزير الخارجية في الولايات المتحدة.

لقد كان كيسنجر الرقم الصعب وصاحب الرأي المؤثر في مجال السياسة الخارجية إبّان إدارتي الرئيسين الجمهوريين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد خلال الفترة بين 1969 و1977. وهذا، على الرغم من أنه، أولاً، ما كان من المعجبين في بداية الأمر بنيكسون. وثانياً، أنه مارس نفوذه الحقيقي وتأثيره الكبير انطلاقاً من مكتب شؤون الأمن القومي، في حين كانت وزارة الخارجية، قبل أن يتولاها، شبه مهمّشة أيام سلفه ويليام روجرز.

كيسنجر، ابن الأسرة اليهودية التي غادرت ألمانيا في نهاية عقد الثلاثينات من القرن الماضي هرباً من نازية أدولف هتلر، ساعده وأسرته القدر بالانتقال إلى الولايات المتحدة حيث توافر الملاذ والفرص المتاحة. إلا أن خلفيته الألمانية، وخاصة إجادته اللغة، أهلتاه لمهام ومسؤوليات ميدانية – ولاحقاً، أمنية - لا تتاح عادة لمَن هم في سنه المبكّرة عندما خدم مع القوات الأميركية في سنوات الحرب العالمية الثانية. ومن ثم، بعد العمل الميداني الأمني على الأرض في وطنه الأصلي السابق، استأنف دراسته الجامعية في العلوم السياسية من القمة. إذ درس وتخرّج في جامعة هارفارد حيث تخرّج بدرجة امتياز، وظهرت قدراته الذهنية المتميزة في نجاحاته الأكاديمية، ثم الاستشارية. ثم بعد حصوله خلال فترة قصيرة على شهادتي الماجستير والدكتوراه من هارفارد، دخل كيسنجر عالماً مفتوحاً لأمثاله، وبالأخصّ في عز «الحرب الباردة» التي - من واقع خلفيته الثقافية والبيئة - كان أقدر على إدراك أبعادها من معظم أبناء جيله.

طبعاً، دنوّ هنري كيسنجر من مركز القرار كان رحلة طويلة امتزج فيها النبوغ الطبيعي بالمعرفة والمثابرة والواقعية والكياسة والمرونة. وكما كانت رحلته السياسية الطويلة مرصّعة بإنجازات أجمع على تقديرها المتابعون، كانت فيها سلبيات تعبّر ببلاغة ودقة عن جوانب من شخصيات الرجل المثير للجدل بقدر ما هو مثير للإعجاب. وفي هذا السياق، خير ما يساعد على فهم جانب مهم من تفكير كيسنجر وسلوكياته، قراءة ما يقوله في التمييز بين مفهومي «الشرعية» و«العدالة».

بالنسبة لكيسنجر ليس بالضرورة أن تقوم «الشرعية» على «العدالة». وهنا يقول ببراغماتية قاسية «علينا ألا نخلط الشرعية، كما تستخدم هنا (أي في السياق السياسي)، بالعدالة. إنها (أي الشرعية) لا تعني أكثر من تفاهم دولي على طبيعة الترتيبات العملية، وعلى الأهداف والوسائل المسموح بها في مجال السياسة الدولية». وباستفاضة أكثر، حسب رأيه، إذا حظي نظام دولي ما بتوافق كل القوى الأساسية فإنه «شرعي»، في حين ينتج عن أي افتقار نظام دولي إلى موافقة قوة أساسية أو أكثر تحوّله إلى حالة «ثورية»... وبالتالي، خطرة. ومن ثم، إذا توافر التفاهم أو التوافق العام بين القوى الكبرى المؤثرة يكتسب ذلك النظام الدولي «شرعيته» من دون أي أهمية للرأي العام أو المعايير الأخلاقية.

هذه الواقعية السياسية، القائمة ضمنياً على مبدأ «الحق للقوة»، أجاد هنري كيسنجر ترجمتها وصقلها وتزويقها، وحملها معه إلى معظم النقاط الساخنة التي تولى فيها تنفيذ السياسة الأميركية. ومنها المناطق التي جرى فيها تحميله مسؤولية تجاوزاتها الدامية وممارساتها اللاإنسانية. وضمن هذا الإطار، ووفقاً لاعتبارات متراكمة ومصالح متقاطعة، خطا كيسنجر وخطت معه واشنطن عبر محطات مصيرية في تاريخ العالم الحديث، من الهند الصينية والصين إلى تشيلي والأرجنتين، مروراً بالشرق الأوسط وأفريقيا ووصولاً إلى المسرح الأطلسي الأوروبي.

من ناحية أخرى، ما كان كل وزير خارجية في تاريخ أميركا قامة أكاديمية أو موسوعية استثنائية، إذ جاء جنرالات إلى الوزارة وذهبوا حاملين من الإخفاقات أكثر مما استقبلوا به من ترحيب. كذلك جاء رجال أعمال وسماسرة مصالح كان من الممكن أن تسند إليهم أي حقيبة وزارية من منطلقات الولاءات الحزبية والحسابات الشخصية. وعليه، فأشخاص مثل توماس جفرسون وجون كوينسي آدامز وويليام جنينغز برايان وهنري كيسنجر حالات مختلفة.

هؤلاء أشخاص رؤيويون لكل منهم نظرة لأميركا وللعالم. وحتى بين هؤلاء، قلة فهمت العالم مثل كيسنجر... الأوروبي المولد، اليهودي الديانة، الكوزموبوليتاني الاهتمامات، والشغوف بكرة القدم والحوارات الخفيفة مع النساء الجميلات بعيداً عن ضغوط السياسة ومشكلاتها.

أخيراً، يظل الانتصار الأعظم الذي يسجل لهذا الرجل تحقيقه «الاختراق» مع الصين في أشد حالات التنافس المحموم بين واشنطن وموسكو مطلع السبعينات. وكان من أهم إفرازات الإنهاء التدريجي لعزلة بكين تسهيل الخروج لأميركا من «مستنقع» فيتنام، وتوجيه رسالة استراتيجية إلى موسكو. وفي حين، وضع كيسنجر لمساته «المكوكية» على «الشرق الأوسط ما بعد الناصرية» وحقق دعماً نوعياً للعلاقات الخاصة بإسرائيل، كان سجلّ واشنطن مع أميركا اللاتينية أكثر إشكالية، إذ استمر دعم واشنطن لأعتى الديكتاتوريات بحجة «الخطر الشيوعي» المتسلل. وفي نهاية المطاف، لم تستعد دول أميركا اللاتينية عافيتها إلا بعد انتهاء «الحرب الباردة» وسقوط النظام السوفياتي - بينما استمر النظام الكوبي - ... ما أسقط تماما الحجة لتعطيل الحريات والديمقراطية.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

احتفالات الهالوين تفجر غضب الأردنيين .. ماذا قال ناشطون؟

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الحبس 6 أشهر لسيدة احتالت على أخرى بإبرة تجميل من إسرائيل

هدى العتوم تنتقد السماح باحتفالات الهالوين والتضييق على احتجاجات غزة

87 مليون يورو من صندوق المناخ الأخضر لدعم مشاريع في الأردن

شركات استبدلت موظفيها بالذكاء الاصطناعي ثم تعود لتوظيفهم .. ما القصة؟

القضاء العراقي يسترد 21 مليارا عن جريمة احتيال مالي

السيسي يصدر 3 توجيهات تهم ملايين المصريين

زين تعزز منظومة حماية الأسرة والطفل بالتعاون مع مؤسسة نهر الأردن

ما حقيقة فرض غرامة 225 ألف دينار على مزارع بسبب مياه الأمطار؟

وزير الثقافة يعلن بلدة "حمود" مدينة للثقافة الأردنية لعام 2027

الذهب والنفط وفلس الريف .. "الطاقة" تستعرض تقدم مشاريعها الاستراتيجية

الصادرات الأردنية للاتحاد الأوروبي ترتفع إلى 411 مليون دينار

5 شهداء ومصابون في قصف الاحتلال مواصي خانيونس بغزة

مجمع الملك الحسين للأعمال يوقع مذكرة تفاهم مع اتحاد الرياضات الإلكترونية

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بعد اشتعال مواقع التواصل بالخبر .. حقيقة القبض على منفذي هجوم الكرك

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

أردنيون أمام مهلة شهرين لتسديد التزامات مالية .. أسماء