لماذا «قَسَّمتَ» محمود درويش؟

mainThumb
عمل فنّي للفنان المغربي حسن الشاعر

25-12-2023 11:59 PM

 

في حديقة المتحف الأثريّ بمدينة تطوان المغربيّة، (بدعوةٍ من دار الشّعر، في أغسطس الماضي)، كانت لوحاتُ التّشكيليّ المغربي "حسن الشّاعر" تقفُ كأنّها جزءٌ أصيل من التأثيثاتِ الأساسيّة للمكان. لوحاتٌ بعصيٍّ وأعواد وأحجار، تحيطُ بها جرارٌ فارغة. ثمّ وقربَ الفسيفساء الرومانيّة.. كانَت صورة محمود درويش كبيرةً وملفتة؛ كأنّه أو كأنّ بعضَهُ بيننا. سألتُه: لماذا «قسّمتَه»؟.
يقول "حسن الشّاعر"، إنّه قسَّمَ (الشّاعرَ) كإشارةٍ إلى ما يمارسه كيانُ الاحتلال من تقسيمٍ وتفتيتٍ لكلّ ما هو فلسطينيّ: الجغرافيا.. الذاكرة.. التاريخ.. الأشخاص.. الرّمزية.
...(من الغباء أن تسألَ فنانًا أو شاعرًا لماذا كَتَبَ أو رسم شيئًا، ولكنّني لم أستطع كبحَ السّؤال). قربَ الشّاعِرِ«المُقسَّمِ»، كانت الحجارة والعِصيّ. يعتقدُ "حسن" أنّ الحجرَ شاهدٌ على العصر. يرسُمُ الحدودُ التي فرّقت البشر، بأسودَ "نفطِيّ".. ويفكّرُ من خلالِ الفنِّ بكلِّ رحلاتِ الإنسانِ المُهاجِرة، الباحِثة عن مُستَقرٍ لها. مُستَقرٌ غير مُقسَّم.. وبلا أسلاكَ شائكة.
أرجِعُ (اليوم) لصورةِ محمود درويش المُقسّمة في ذهني. وأفكّر إنْ كانَ خجِلَ منّي "حسن الشّاعر"، ولم يقُل إنّ جزءًا من دلالةِ اللوحة أنّ الفلسطينيين "قسّموا أنفُسَهم أيضًا". لم يقُل ذلكَ، ولكنّي أقوله. في وقتٍ يبدو فيه من الضّروريّ مراجعةُ الذّاتِ والمصطلحات، فلم نَعُد نحدّث عن "انقسامٍ".. بل ربّما أصبحَ "اقتسامًا" وشرخًا يتعمّق كلّ يومٍ ويُلقي بظلالِهِ على كلِّ فلسطينيّ. ربما.. (وأحمِّلُنا المسؤوليّة)، كنّا سببًا في أحدِ لحظاتِ "الخُذلانِ الشّعريّ" التي أنتجت نصًا شعريًا اسمُهُ "أنتَ منذُ الآن غيرك"، وخذلان واقعيّ.. أنتج ثنائيّات لا حصرَ بها، كالمُشاهَدة والشّهادة، وجعلني أتلقى (اليوم) سؤالًا، وليسَ لأوّل مرّة، مِن باحثٍ حولَ "مسؤوليّة الفلسطينيين المنْقَسمين إزاءَ الأوضاعِ والظّروف التي أدّت تعميقِ الحصارِ على غزّة طوالَ السّنواتِ الماضية"، والتي كانت (اعترفنا أو لم نعترف) أحدَ أسبابِ "الانفجارِ" الذي جَرى. وكانَ عليَّ أنْ (أعترف) أنّنا نتحملُ بكلِّ تشكيلاتنا السّياسيّة المسؤوليّةً، بعدَ المتسبّب الأول والأخير بكلِّ هذا الموتِ وانغلاق الأفق والفشل المدقع وهو الاحتلال، الذي قوَّض أيّ إمكانية لبناءِ حلٍ سياسيٍّ، وساهم في تعميقِ الانقسامِ وتحوّله إلى ما "نحنُ فيه".
تذكرتُ محمود (اليوم)، وهو يتحدّث عن "النّصر والهزيمة"، وأقتبس (حيرة العائد، مقالات مختارة): "ليس هنالك نصر نهائي ولا هزيمة نهائية، فهذان المفهومان يتقنان لعبة التناوب والاحترام المتبادل، لكي يكمل السيد التاريخ حركته اللانهائية، المهم هو: ماذا يفعل المنتصر بالنّصر، وماذا يَصنَعُ المهزومُ بالهزيمة؟ ولعلَّ بعض الهزائِمِ صالح لبلوغِ البشر مرحلة النّضج المعنويّ والأخلاقيّ، ولعل بعض الانتصارات أخطر على البعض من الهزيمة؛ لأنه يعفيه من ضرورة الإصغاء إلى صوت الزمن. لقد انتصرت (إسرائيل) على العرب أكثر من طاقتها على تحمّل تبعاتِ نصرها، إذ صار دماغها العسكري أكبَرُ من جسدها، فأصبحت أسيرة لفائض قوة جشعة".
وفكّرتُ، أنّه في "الحُروب" التي مثل ما يجري في قطاع غزّة، بينَ "جيش/ جيوش" نظاميّة وبينَ "حركاتِ مقاومةٍ وطنيّة"، فإنّ معايير النّصر والهزيمة مختلفة تمامًا. لا أحدَ منذُ بداية العدوان.. كانَ يتوقع أنّ حركات المقاومة في غزّة ستقوم بـ"تحرير فلسطين" وهي وحدَها. هذا لكي نكونَ متّفقين، وأيضًا.. "مَن رفعوا سقفَ خطابهم" حتّى أصبحَ أفق التّوقع العام يعوّل عليهم، ظهرَ منذُ وقتٍ مبكّر أنّهم لن يُساهموا في ما يمكن أن نطلقَ عليه (يومًا ما): "الحربَ الشاملة المضادّة لاستعادة فلسطين"، التي يُمكن أن تنتهي بتحقيق "نَصر" بالمفهوم المتداوَل.. يُعيدُ فيه الفلسطينيُّ جغرافيّته. إذنْ.. وفقَ المعطياتِ الحاليّة، وبتركِ المقاومة، بإمكانياتها البسيطة على عِظَمِها، أمام أحدِثِ ماكيناتِ القتل التي أنتجها "التوحّش البشريّ" و "فائض القوّة"، بل.. وبالتّآمُر عليها، وخُذلانها، و"الفُرجة" عليها، وفي ظلِّ استمرار العدوانِ لليوم الثمانين، يبدو من المبكّر جدًا التقرير بشأن شكلِ هذا "النّصر"، أو الحسم بمخرجاتِ هذه "الجولة"، التي تنضمُّ إلى سلسلة طويلة من مسيرة التّحرّر الوطنيّ الفلسطينيّ. ما يتمُّ الحسمُ به أنّ المقاومة تستبسل بكلّ ما لديها من قوّة وقدرة وإرادة وإيمان، وأنّ مَن ينتظِرُ "نصرًا" عليه أنْ يُساهم فيه.
تنقسمُ الفُرجة الفلسطينيّة (وما أكثر ما تنقسمُ أشياءُ الفلسطينيّ) إلى نوعين أساسِيين، وسواءً في الفرجةِ (والإثم) النّوعانِ: المثبِّطونَ والمُهوِّلون. أمّا الفريقُ الأول فقد بالَغَ في الواقعيّة حدَّ عدم التّفريق بينها وبينَ الغباءِ والذُّل والتّخلّي، واستمرَّ ويستمرُّ بتقديم الأشياء الميتة (مثل حلّ الدّولتين، والتّسوية) على أنّها حيّةٌ تسعى، والآخَرُ بالَغَ في عدمِ الواقعيّة حدَّ الانفصالِ عمّا يجري حقيقةً على أرضِ الواقع من دمار شامِل، إذْ تمّت وتتمُّ تسوية غزّة بالتراب (FLATTENING IT)، وأنّ كلّ يومٍ إضافيّ في تركِ غزّة وحدها فإنّه يعني تدميرها "كليًا"، وارتاحَ إلى عباراتٍ ومقولات مُريحة.
شكرًا لـ"حسن الشّاعر". كلُّ شيءٍ مقسّم ومقطَّع إلى نُتَفْ صغيرة متناثرة، بشكلٍ أكثر سوءًا مما«قَسَّمْتَ» محمود يا "صديقي"، كلّ شيءٍ مُقسّم ومُقتَسم ومُتقاسَم، والبشر أصبحوا بلا ذاكِرة، وبقلوبٍ أقسى من الحجارة.

 

* كاتب فلسطينيّ

 



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد