من يقرر مصير المغرب الكبير

من يقرر مصير المغرب الكبير

16-07-2025 01:44 AM

القوى الكبرى أم الحكومات أم الشعوب؟ في كل الأحوال فإن الليبيين والتونسيين والجزائريين والمغاربة والموريتانيين، لم يقولوا كلمتهم بعد. فهم يذهبون إلى صناديق الاقتراع ليدلوا بأصواتهم، ويجيبوا عن السؤال الذي لم يطرحه عليهم أحد وهو، هل إنهم يريدون اتحادا مغاربيا أم لا؟ ولعل هناك من سيرد بأن الأمر لا يتطلب أي استفتاء فهو بالنسبة إلى هؤلاء واضح ومحسوم ومفروغ منه.
لكن كم مظاهرة أو مسيرة خرجت في شوارع طرابلس، أو تونس، أو الجزائر، أو الرباط، أو نواكشوط في السنوات الأخيرة على الأقل، ورفعت شعارات تطالب بعقد اجتماعات مغاربية عاجلة، أو تنادي بفتح الحدود المغلقة بين بلدين مغاربيين، أو تدعو للتحرك الحازم من أجل تطويق الخلافات وعقد المصالحة الشاملة في المنطقة؟ ولا واحدة كما يبدو. وهنا فما المتوقع أن يكون عدد من يحلمون في المغرب العربي اليوم بأن يفتحوا أعينهم غدا ليروا مشهدا كهذا؟
يصل الأمين العام للاتحاد المغاربي إلى واشنطن وبعد أن تؤدي له تشكيلة رمزية من قوات المارينز التحية العسكرية، ويعزف على شرفه النشيد الرسمي لاتحاد المغرب العربي يلتفت إليه الرئيس الأمريكي، وهما يهمان بدخول البيت البيضاوي ويوشوش في اذنه مازحا: سيدي الأمين العام ربما كان حريا بنا أن نخرق البروتوكول هذه المرة ونقيم مراسم استقبال استثنائية، بما أنك تمثل هنا، كما أخبرني بذلك وزير الخارجية خمس دول افريقية بالتمام والكمال، ثم بعد أن يلقي خطابا ترحيبيا به في تلك المناسبة يعطيه الكلمة فيقف أمام حشد من الصحافيين الذين جاؤوا لتغطية ذلك اللقاء الدولي الكبير ويتوجه الى مضيفه بالقول: سيادة الرئيس اسمحوا لي في البداية أن أشكركم على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة وفي الواقع فقد جئت إلى واشنطن مفوضا عن ما يقرب من مئتي مليون شخص يمثلون سكان خمس دول في الشمال الافريقي، تحتل موقعا استراتيجيا وجغرافيا بارزا على خريطة العالم وتملك إرثا ثقافيا وحضاريا وتاريخيا زاخرا بالإنجازات الإنسانية العظيمة والخالدة، وتتوفر فضلا عن كل ذلك على طاقات وثروات وموارد طبيعية وبشرية ضخمة، تؤهلها للاضطلاع وعن جدارة بدور محوري على الساحة الدولية، حتى أتباحث معكم ووفقا لمبدأ «رابح رابح « وعلى أساس التعاون النزيه والندية التامة بيننا، من أجل وضع أسس جديدة لعلاقات تعاون وشراكة بين بلداننا وبلدكم، يكون منطلقها الأول والأخير هو الثقة التامة والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة؟

على الأرجح فإن قليلين فقط من سيراودهم، أو يدور في أذهانهم في الظرف الراهن على الأقل بأنه سيكون ممكنا جدا لأبنائهم، أو حتى أحفادهم، أن يعيشوا ليشهدوا ذلك. فمن الواضح أن المغرب الكبير والموحد، ومع تقدم السنوات بات يبتعد أكثر، وصار من الجلي الآن أن الليبيين والتونسيين والجزائريين والمغاربة والموريتانيين، أداروا الظهر لما كان يصور في مخيلتهم الجماعية، في وقت ما على أنه حلم مشترك لأجيال بأكملها، واستبدلوه بأحلام وطموحات مختلفة. ولم يعد هناك أدنى شك في أن العقود الطويلة والمريرة، التي أهدرت في النزاعات والصراعات العقيمة، التي ما زالت نيرانها تضطرم في الشمال الافريقي، إلى الآن، رسخت قناعة كثيرين بأن الحكومات المغاربية كانت وستبقى وحدها المسؤولة على امتداد السنوات الماضية، وحتى مستقبلا أيضا، عن تفويت الفرصة تلو الأخرى من أجل التوصل إلى تحقيق الهدف الذي سعت إليه تلك الأجيال. لكن ما الذي كانت تفعله الشعوب في الأثناء؟ هل كانت تتابع وتتفرج بلا أدنى حماسة أو اهتمام بالأعطاب والأسقام التي كانت تتمدد وتنتشر بسرعة داخل أجزاء ومفاصل الجسد المغاربي وتصيبه بالوهن والفتور، واختارت وبمحض إرادتها أن تمتنع عن القيام بأي عمل يساعد على إخراجه من تلك الحالة، معتبرة أنها غير معنية به لا من قريب ولا من بعيد؟ أم انها لم تكن تملك في الواقع أي تأثير على المواقف والقرارات التي أخذتها حكوماتها، ولم يكن لها في أي وقت حق الاختيار ولا المقدار الكافي من الجرأة والإرادة والتصميم حتى تفرض واقعا مخالفا ومغايرا، ربما لم تكن لها أصلا الرغبة أو الطموح لتحقيقه؟
لفترة طويلة ساد الاعتقاد داخل قطاعات واسعة من النخب الفكرية والإعلامية في الدول المغاربية الخمس، أن كل ما حدث في الإقليم على امتداد السنوات الماضية من إخفاقات وانتكاسات ضربت الحلم المغاربي وطوحت به بعيدا، كان مرده شيئا واحدا لا غير وهو التوجهات والخيارات التي انتهجتها السلطات في تلك الدول، وأدت إلى عدم التعامل بالشكل المطلوب والصحيح مع الحاجة الملحة والعاجلة إلى تحقيق الاندماج المغاربي. وفي جزء كبير كان ذلك التشخيص سليما ووجيها، غير أنه حمل ومن خلال حصره المسؤولية في طرف واحد فقط، نوعا من الخداع والتضليل بحجبه الجزء الباقي من الصورة، معطيا للبعض حجة أو ذريعة للحفاظ على الوضع القائم تحت مبرر أنه لم يعد هناك من جدوى، أو ضرورة للقيام بأي جهد، أو تحرك شعبي نحو التغيير، في الوقت الذي تملك فيه الحكومات المغاربية وحدها كامل الأوراق وتحتكر وبشكل مطلق مفاتيح الحل والربط في تلك المسألة. وكان لافتا أن السنوات الأخيرة حملت بعض المتغيرات، فقد برزت في بعض وسائل الإعلام المغاربية ومنصات التواصل الاجتماعي أصوات لا تنتقد ما وصفه البعض بحالة الموت السريري للاتحاد المغاربي، بل تدعو بشكل صريح ومباشر لقطع الصلة به نهائيا. وهذا ما طرح أكثر من علامة استفهام، فهل إنها كانت صدى لما كانت تفكر فيه الحكومات، وترغب في الترويج له حتى تهيئ الرأي العام ربما لتقبله في المستقبل، خارج ما يصدر عنها من مواقف رسمية ما زالت تعلن، رغم كل شيء، عن التمسك بالحفاظ على ذلك الاتحاد؟ أم أنها كانت تعكس إلى حد كبير ظهور تحولات جديدة وربما حتى تشكل قناعات مختلفة، خصوصا لدى الفئات الشابة والطبقات الشعبية في الدول الخمس، غذتها عدة عوامل من بينها زيادة الضغوط الاجتماعية والصعوبات الداخلية وكرست الاعتقاد بأن المغرب الكبير لم يعد سوى فكرة طوباوية، لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع، وليست قادرة على إيجاد الحلول لمشاكلهم؟
لا السياسيون ولا الجامعيون ولا علماء الاجتماع ولا خبراء مراكز سبر الآراء قدموا جوابا قاطعا، ليس فقط لأن الدراسات التي قاموا بها حول تلك المسألة كانت محدودة، بل لأن الكشف عن بعض نتائجها ربما يحمل مفاجآت قد لا يكون من السهل قبولها في الظرف الحالي. لكن إلى متى سيستمر المغاربيون في دفن رؤوسهم تحت التراب، وتجنب مواجهة الحقيقة كما هي؟ أليس حريا بهم اليوم قبل الغد أن يقولوها عاليا وبوضوح تام، إن كانوا مع الاتحاد المغاربي أم ضده؟ أم أن فكرة تقرير المصير لم تصنع الا للتفرقة بينهم؟
كاتب وصحافي من تونس



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً

العثور على جثة مواطن داخل مركبته مقتولا بالرصاص جنوب اربد

فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها

من هو اللواء مجدي الحراسيس رئيس هيئة الأركان الجديد ؟

تفاصيل وفاة الطفل إلياس داخل حافلة مغلقة على لسان والده

توضيح من الملكية بشأن حركة الطيران ومواعيد الرحلات

مهم لغير الأردنيين بشأن الاستفادة من الخدمات الحكومية عبر سند

بسبب وجود تهديد .. رسائل تحذيرية على هواتف مواطنين بالأردن

جامعة تُلزم العاملين بدفع رسوم رغمًا عنهم

بالفيديو .. بلدة أيرلندية تحمل «حجر الأردن» في اسمها منذ 800 عام .. ما قصتها؟

مجلس الوزراء يقر حزمة قرارات تشمل التعليم والطاقة والطفولة والجامعات

تحذير للأردنيين بشأن مندوبي التعداد السكاني .. لا تعطوا بياناتكم قبل هذه الخطوة

تفاصيل جديدة حول حادث سيناء المروع الذي قضى به 10 أردنيين .. صور

إلى الأردنيين .. تحذير مهم من البحث الجنائي

من 33 نهاراً إلى 17 ليلاً .. تغير ملموس على أجواء الأردن