معارك دون كيشوت الهامشية الليبية

معارك دون كيشوت الهامشية الليبية

03-01-2024 10:10 PM

ثلاثُ معارك سنوية، دونكيشيوتية الطابع والسمات، تعلو قائمة الأحداث، في الروزنامة الليبية، ويمكن رصدها وتتبعها بوضوح وبسهولة، على مواقع التواصل الاجتماعي في الإنترنت، كونها تحولت، بقدرة قادر، إلى مواقع لميادين تلك المعارك سنوياً. المعارك الثلاث صارت علامات مهمة في تلك الروزنامة، وخاصة بعد انتفاضة فبراير (شباط) 2011. قبل ذلك التاريخ، لم يكن لها وجود.

قبل قدوم عيد الفطر المبارك بأسبوع، تنشط تلك المواقع بشكل لافت من الحدّة، استعداداً لمعركة العيد، المتعلقة بإشكالية كيفية دفع زكاة الفطر. المعركة بين فريقين، فريق يؤكد صحة منحها نقداً لينتفع بها الفقراء، وفريق آخر يصرّ على منحها حبوباً (قمحاً أو شعيراً... إلخ) عملاً بالسنّة.

المعركة الثانية في نفس المواقع، يبدأ الاستعداد لها قبل قدوم المولد النبوي الشريف بأسبوع أو أكثر، وتدور رحاها بين نفس الفريقين أعلاه تقريباً.

يتقاتلان حول إشكالية جواز الاحتفال بالمولد الشريف وأكل العصيدة، أو تحريم الاحتفال به وتحريم أكل العصيدة.

المعركة الثالثة، تحدث في شهر ديسمبر (كانون الثاني) من كل عام، وتدور رحاها حول إشكالية جواز التهنئة بعيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وجواز الاحتفال برأس السنة الميلادية، أو تحريمهما.

المعارك الثلاث تنشب سنوياً، لكن بمجرد اختفاء أيام عيد الفطر، وأيام المولد النبوي الشريف، ودخول السنة الميلادية الجديدة، يتلاشى غبار المعارك، وتُردُّ السيوف إلى أغمادها، وكأن لا شيء حدث، وتظل الأمور هانئة إلى حين قدوم العيد من جديد.

المتحاربون ليبيون.

وهم فريقان. فريق من المعتدلين دينياً، ويتبعون المذهب المالكي، ويسترشدون بتعاليمه في أداء شعائرهم وطقوسهم الدينية.

وفريق من العقائديين السلفيين المتشددين، ممن ينتمون إلى فصائل وفرق دينية معروفة بتطرفها، وبدت واضحة على السطح بعد انتفاضة فبراير 2011.

واللافت للاهتمام، أن حماسهم جميعاً للمعارك، حول تلك التفاصيل الدينية الصغيرة جداً، لا يماثله شيء، وباعث على الاستغراب، ويذكّر المرء بمعارك دون كيشوت ضد طواحين الهواء بسيف من خشب. وكل ذلك يحدث، وبلادهم منقسمة، وحدودها مستباحة، وثرواتها منهوبة، وحكوماتها فاسدة.

نيران المعركة الأخيرة انطفأت أخيراً، خلال اليومين الماضيين. وخلالها، بان فيها العجب العجاب.

ووصل فيها احتداد المعارك إلى حد تكفير كل من يهنّئ أحداً بعيد ميلاد المسيح عليه السلام.

وفي رأيي، فإن تلك المعارك تشخّص، إلى حد كبير، حالة الوضعية المرضية التي آلت إليها ليبيا بعد فبراير 2011، كما تشخّص كذلك الحالة النفسية لأصحابها. فهم، وهذه حقيقة، يعيشون في وطن لا يملكون مقدراته، ولا يعرفون إلى أي هاوية يسير.

ويرون بأم أعينهم ما يُرتكب ضد المال العام من جرائم، ويعرفون كل اللصوص بالاسم وبالعنوان، لكنهم نتيجة العجز، غير قادرين على الوقوف ضدهم، وضد كل ما يُرتكب من كوارث ومصائب جهاراً. ومن هنا، يأتي حرصهم الشديد، وغير المبرر إطلاقاً، على افتعال تلك المعارك السنوية، وإضرام نيرانها، ولكن من مسافة بعيدة حماية لأنفسهم؛ أي من وراء جدران بيوتهم، على أجهزة الحواسيب، وبأسماء أكثرها مستعار.

وكلها تدور حول إشكالات دينية تفصيلية جداً، لا تفسد لهم ديناً إن عملوا بها، ولا تزيدهم تقوى وتديّناً إن تجاهلوها. ولا علاقة لها بما أُحلَّ وحُرّم. وهي ليست سوى تنفيس عن الكبت والغضب الرازحين في الصدور.

وفي ذات الوقت، هي تعبير عن الضعف الذي يعجزهم عن الكلام والمواجهة، وتمنحهم نفسياً نوعاً من ثقة زائفة بأنفسهم كتعويض عن ذلك العجز والضعف، تشعرهم بأنهم ما زالوا أحياء، وقادرين على التصريح والخوض في مسائل حياتية يعدّونها شديدة الأهمية، تستوجب التكفير والتحريم والاقتتال إن استدعى الأمر.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الديمقراطية تُزهر في “جوهرة الجامعات” .. والعلوم والتكنولوجيا تقدم نموذجاً وطنياً مشرفاً

اللجنة الأولمبية تكرم طاقم التحكيم الأردني المشارك بكأس العالم 2026

فلسطين النيابية تدين مصادرة الاحتلال عقارات وأوقافًا إسلامية قرب الأقصى

إطلاق حملة توعوية في المدارس للوقاية من آفة المخدرات

اختتام فعاليات اليوم الأول من مهرجان الرياضات التقليدية في إسطنبول

البحر الميت يسجل أعلى نسب إشغال فندقي خلال عيد الأضحى

إطلاق خدمة استقبال التظلمات إلكترونيا لموظفي القطاع العام

دراسة استراتيجية تكشف أخطر تهديدات المياه والمناخ في الشرق الأوسط

أمانة عمّان: تمديد فترة استقبال طلبات بيع وذبح الأضاحي

الثورة التي أكلت أبناءها .. قراءة في إعادة إنتاج الاستبداد

الانفصال الأكبر: كيف تصنع الأمم نهضتها من فكرها .. أو تظل أسيرة خطابه؟

الجامعة الهاشمية تنظم اليوم العلمي الثالث لكلية العلوم

أورنج الأردن تكرّم موظفيها ضمن برنامج الابتكار وفرص النمو

ارتفاع واردات الأردن من الشاي وسط نمو عالمي متسارع للسوق

الإحصاءات: 60% نسبة الإنجاز لمرحلة الحصر في التعداد السكاني

الكشف عن أخطر رسالة بين حماس ونصرالله صبيحة 7 أكتوبر .. ماذا تضمنت؟

الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما

إربد .. عشائر دوقرة تصدر بياناً بشأن انتهاك شبان حرمة المسجد

أسعار الأضاحي ترتفع والروماني يتجاوز البلدي لأول مرة

مع الزيادة السنوية .. موعد صرف رواتب متقاعدي الضمان

لاول مرة دينا تفضح كواليس زيجاتها وتعلن الحياة اجمل بدون رجل

توحيد ودمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية

بعد انتشار إيبولا .. مهم بشأن إدخال العاملات للمملكة

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً السبت

إعلان النتائج النهائية لانتخابات حركة فتح اليوم

عرض مسرحي تربوي في ماركا يدعم التعليم الدامج وتمكين الطلبة

4 دنانير يومياً .. عروس تشترط مصروفاً يومياً للمعسل كيف رد العريس

بيان من هيئة النزاهة حول تصريحات النائب العماوي

حرمان الطالب من امتحان ومقاعد التجسير بهذه الحالة

أميركا : استنفار أمني عقب مجزرة بمركز إسلامي .. تفاصيل