وداع عند أعلى ارتفاع

وداع عند أعلى ارتفاع

03-03-2026 04:16 AM

في طفولتي كانت لدينا مربية شابة في نهاية العشرينيات من عمرها، نسميها الخالة أحلام. كانت تصل إلى المنزل عند الساعة السابعة صباحاً وتغادره عند الثامنة مساء، يومياً تقريباً، من دون أن تبدو عليها علامات التذمر أو الإرهاق. لا أتذكر أنني رأيت وجهها يوماً متكدراً، أو يسري فيه ذلك العطب الخفي الذي يرافق الصباحات الباكرة كما يحدث مع أغلبنا. كانت تدخل بيتنا كما لو أنها تحمل معها شحنة ضوء خاصة، شيئاً غير مرئي لكنه محسوس، يبدل مزاج المكان قبل أن تبدل ترتيب الأثاث. كانت تخلط المتعة بأي عمل نقوم به مهما كان صارماً أو جافاً. تؤلف الأغاني وهي تقوم بالأعمال المنزلية، فيتحول ترتيب الغرف إلى طقس احتفالي صغير. تبتكر طرقاً جديدة للعب ونحن ننجز واجباتنا المدرسية، فتصبح مسائل الحساب مغامرة، وقواعد اللغة لعبة ذكاء، وقراءة النصوص رحلة اكتشاف. لم أخض امتحاناً درستني إياه إلا وحصدت أعلى العلامات. لم يكن ذلك خوفاً منها ولا رهبة، بل رغبة صادقة في أن أكون على قدر ثقتها بنا، وكأن نجاحنا كان هديتنا الصغيرة لها.
كانت امرأة استثنائية بكل معنى الكلمة. متوسطة الطول، ضفيرتها طويلة ومعطرة دائماً، وعيناها تلمعان بالأمل مثل عصفورين يستعدان للطيران. حين تتكلم تسبقها ابتسامتها، وكأن الكلمات تولد من الفرح لا من الفم. كانت تحلم بأن تصبح أستاذة جامعية يوماً ما، وكانت تتعامل مع حلمها بجدية هادئة. في أوقات فراغها تقرأ الأدب وتكتب النثر والشعر، وتحدثنا عن الكتب كما لو أنها عوالم موازية يمكننا دخولها متى ما شئنا.
كانت تشبه بشكل عجيب شخصية ماري بوبينز، بطلة سلسلة روايات الأطفال التي ألفتها الكاتبة البريطانية باميلا ترافيرس، والتي تحولت لاحقاً إلى فيلم غنائي شهير من إنتاج والت ديزني. في الحكاية تهبط ماري بوبينز على منزل السيد بانكس لتعيد ترتيب حياة الأسرة بطريقة سحرية. تعلم الأطفال النظام عبر الأغاني، وتحول المهام المملة إلى لحظات دهشة، وتفتح الأبواب نحو عوالم الخيال. تصبح التربية معها متعة لا عبئاً، وتنقلب القواعد إلى مغامرات صغيرة.
صحيح أن ماري بوبينز كانت تلجأ أحياناً إلى قوى خارقة، لكن الخالة أحلام لم تكن تملك مظلة تطير بها ولا حقيبة سحرية. كانت قوتها الحقيقية كامنة في قدرتها على مزج الخيال بالواقع. ترى في كل موقف عادي فرصة لإعادة صياغته بصورة أجمل. حين نصاب بالملل لا تعنفنا، بل تغير زاوية النظر. فجأة يصبح الواجب لعبة، ويصبح الالتزام نوعاً من احترام الذات، ويصبح التعب أشبه باستراحة قصيرة قبل جولة جديدة من المرح.
ما يجمع بين الخالة أحلام وماري بوبينز ليس مجرد المهنة، بل الفكرة الأكثر عمقاً. كلتاهما اكتشفت أن ما نسميه أعمالاً خارقة ليس شيئاً يسقط علينا من السماء، بل طاقة داخلية نخشى استخدامها. إنه التناغم بين الخيال والإرادة. حين يتصالح الاثنان يصبح الروتين قابلاً لإعادة الاكتشاف، وتصبح المسؤوليات مساحة للإبداع لا سجناً يومياً. كانت تعلمنا من دون أن تعلن ذلك أن البهجة قرار، وأن التربية ليست تلقيناً، بل مشاركة حقيقية في صناعة الحياة.
في اللحظة الأخيرة التي ودعنا فيها الخالة أحلام وهي تسافر إلى كندا، شعرنا بحزن هائل. بدا البيت فجأة أوسع مما ينبغي، وأكثر صمتاً من المعتاد. ومع ذلك، لم يكن الوداع خسارة خالصة، بل تحولاً ضرورياً. كان رجوعاً كاملاً إلى حضن الأبوين، وإدراكاً أن لكل مرحلة زمنها الخاص. شعرت وأنا أراقبها تلوح لنا بيدها أنها تحلق عالياً، تعود إلى حريتها مثل طائرة ورقية مضادة للبؤس. لم تكن تتركنا، بل تمضي نحو حلمها، نحو صورتها التي لطالما رسمتها لنفسها أستاذة تقف أمام طلابها بثقة.
ذلك اليوم فهمت درساً لم تقله بصوت عال. الحب الحقيقي لا يقيد، بل يهيئك للطيران وحدك. والمربية العظيمة ليست من تبقى إلى الأبد، بل من تمنحك أدوات الاستقلال ثم تمضي مطمئنة. كلما تذكرتها اليوم أدرك أن سحرها لم يكن في أغنية أو حيلة ذكية، بل في إيمانها العميق بنا. كانت ترى فينا ما لم نكن نراه في أنفسنا بعد، وتتصرف على هذا الأساس. وربما لهذا السبب بقي أثرها حياً في داخلي، مثل أغنية قديمة لا تفقد بريقها مهما مر الزمن أو اختفى في الأثير إلى الأبد.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد