خريف الماركيز

خريف  الماركيز

01-06-2026 09:55 AM

أرجأت قراءة رواية “موعدنا في شهر آب (أغسطس)” للروائي صاحب نوبل غابرييل غارسيا ماركيز قرابة السنتين، فقد اقتنيت طبعتها العربية الصادرة عن دار التنوير، ترجمة وضاح محمود حال صدورها، وبقيت على مكتبي منتظرة دورها غير أني كنت مترددة خوفا من أن تُخدش صورة المبدع الكولومبي في ذهني، لم أشأ أن أصاب بخيبة ظن، خاصة مع اللغط الكبير الذي رافق صدورها وقبل ذلك أيضا.

وقد كتبتُ عنها كمثال عن الكتب الصادرة بعد وفاة مؤلفيها في مقالي “من كافكا إلى ماركيز.. الموتى يعودون ثانية” قبل عامين في هذه الجريدة. وحينها أنهيت المقال بخاتمة قاسية أملتها عليَّ خشيتي من أن يُفسد المال الرواية نتيجة جشع الورثة، كما أفسد كل شيء، فكتبتُ “وما نخشاه أن يأتي علينا يوم – وما ذلك بمستبعد – يعهد ورثة روائي مشهور إلى تطبيق للذكاء الاصطناعي مهمة إنهاء رواية غير مكتملة لمورِّثهم بأسلوبه، فالجشع يريد المزيد دائماً”.

وإذا كانت هذه حالتي وأنا مجرد قارئة معجبة بكتابات ماركيز، فما مدى التردد وحجم المسؤولية وألم الضمير عند ابني ماركيز رودريغو وغونزالو، وهما يُقدمان على مخالفة وصية واضحة وحاسمة من أبيهما، أثبتاها في مقدمتهما للرواية “هذا الكتاب لا نفع منه أبدا، ولا بد من تمزيقه”، ولكني كنت واهمة وساذجة أيضا، فقد تفاجأت أنهما لم يتوقفا طويلا عند رغبة أبيهما فصرّحا “لقد فكرنا لمدّة ثلاث ثوان هل هذه خيانة لوالدنا؟ لرغبات أبينا؟ وقرّرنا: نعم هذه خيانة، ولكن هذا ما يفعله الأولاد”، بل خانا رغبة والدهما مجددا، حين باعا حق الاقتباس التلفزيوني إلى نتفليكس لتحويل رواية ماركيز الأيقونة «مئة عام من العزلة» إلى مسلسل، علما بأن ماركيز نفسه كان يرفض كل العروض التي قُدّمت له لتحويلها إلى فيلم سينمائي، أو مسلسل تلفزيوني، ولكننا حين نعلم أن منتجي المسلسل على منصة نتفليكس ليسا سوى الأخوين رودريغو وغونزالو تتضح الحقيقة، وإن كانت تجربة المسلسل ناجحة كما سبق أن تناولتها في مقالي “ماكوندو رأي العين”.

وتبقى الروايات التي تصدر بعد وفاة مؤلفيها مدار جدل لا ينتهي بين القيمة الأدبية والاعتبارات الأخلاقية، وفي ما فعله ماكس برود من مخالفة وصية صديقه كافكا أبرز مثال. وما زاد من حدة الجدل حول رواية “موعدنا في شهر آب” ما أعلنه ناشرها من أنها خضعت “لتحرير محدود” وقد فصّل محرر الرواية كريستوبال بيرا عمله في آخرها في ملاحظات سجلها، مع صور أربع صفحات طبق الأصل من النسخة الخامسة التي كتبها ماركيز وعليها بخط يده “موافقة نهائية مؤكدة”. ومع هذا لم يرُقْ هذا الفعل لبعض النقاد الإسبان، فأشاروا إلى أن “النص يبدو أكثر بساطة وأقل كثافة من أعمال ماركيز الكبرى، ما قد يعكس إما مرحلة إبداعية متأخرة أو تدخلاً تحريرياً واسعا”. رغم تأكيد دار النشر والأبناء والمحرر على السواء، أنه لم تتم إضافة كلمة واحدة من خارج المسودات، واقتصر العمل على التصحيح النحوي، وضبط التكرارات، واختيار البدائل اللفظية التي تركها ماركيز نفسه بين أقواس، ما يقلل من تهمة تزوير النص. وسيبقى الجدل قائما دائما بين من يلتزم حرفيا برغبة الكاتب قبل وفاته، وضرورة تنفيذ وصيته كما هي، وبين من يفضل هذه “الخيانة النبيلة” فلولاها ما وصلتنا إلياذة فرجيل ومحاكمة كافكا.

تقع رواية “موعدنا في شهر آب ” في مئة صفحة فهي أقرب إلى النوفيلا منها إلى الرواية الكبيرة، وكانت جزءا من قصة مكونة من خمسة أجزاء، ولكن تم تأجيلها ليتمكن غابو من إنهاء روايته “ذكريات غانياتي الحزينات”، كما سبق أن نشرت مجلة “نيويوركر” مقتطفات منها في عام 1999 بعد أن قرأها ماركيز على خشبة المسرح في مدريد مع الراحل خوسيه ساراماغو. وتدور الرواية حول امرأة تدعى آنا مجدلينا باخ، في منتصف العمر تعيش حياة تبدو مستقرة من الخارج، لكنها تخفي تحتها فراغا عاطفيا. كل عام، في السادس عشر من آب/أغسطس، تعبر البحر إلى جزيرة كاريبية بعيدة، لتضع زنابق على قبر أمها، في طقس ثابت صار جزءا من حياتها. لكن هذه الزيارة السنوية تنقلب في إحدى المرات إلى لحظة فاصلة، حين تقضي ليلتها مع رجل غريب تلتقيه في الفندق، فتكتشف جانبا من نفسها لم تكن تعرفه من قبل، رغم أن اللقاء خلّف في نفسها شعورا بالعار حين وجدت في الصباح ورقة 20 دولارا في طيات كتابها. ما حدث في تلك الليلة لم يكن حادثة عابرة، لأن آنا رجعت بعدها إلى بيتها وهي شخص مختلف. فتبدأ بالنظر إلى زوجها وبيتها وعلاقتها في حياتها اليومية بعين جديدة، وتتفاجأ بأن ما كان مألوفًا صار غريبا. كما أنها تدخل في صراع صامت مع ما تشعر به من ذنب، ومع الأثر الذي تركه ذلك اللقاء في جسدها ووعيها.

لا تنشغل الرواية بإدانة الشخصية أو تبريرها، بل تتابع مسار امرأة تعيد اكتشاف نفسها بصمت. العلاقة مع الزوج تتأثر بهذا التحول، ليس بسبب حدث واحد، ولكن بسبب اهتزاز الصورة القديمة للحياة الزوجية التي كانت تبدو مستقرة.

وفي خلفية الأحداث، تبقى صورة الأم والجزيرة حاضرة كرمز للذاكرة والجذور، وكأن الرحلة السنوية إلى القبر ليست مجرد زيارة، بل عودة متكررة إلى نقطة بداية تفرض على البطلة مواجهة أسئلتها المؤجلة. وفي الختام تنتهي الرواية من دون حسم واضح لمسار حياة آنا، لكنها تترك انطباعا حادا بأن ما حدث لها ليس مجرد خرق لعلاقة زوجية، بل بداية تفكك هادئ لصورة قديمة عن الذات، وبداية بحث لا تعود عقارب ساعته إلى الوراء بسهولة.

حاولت وأنا أقرأ الرواية أن أبعد السطوة الماركيزية من ذهني، وأخرج من عباءة “مئة عام من العزلة”، فقرأتها من دون التوقف كثيرا عند المقارنات بينها وبين سائر روايات ماركيز، بل وجدت فيها نقاطا مضيئة عديدة منها، جرأة المؤلف في تقديم شخصية نسائية تقود السرد وتتحكم بمصيرها العاطفي، فهي تقدم منظورا نسويا أكثر وضوحا من أعمال ماركيز السابقة، حيث تُمنح المرأة مركزا سرديا كاملاً، بعيدًا عن التهميش النسبي في بعض رواياته المبكرة، وتعيد صياغة علاقة المرأة بجسدها ورغباتها خارج القيود الاجتماعية، وإن كنا نجد فيها كثيرا من الهشاشة الإنسانية لدى امرأة تعيش حياة مزدوجة منفصمة، بين زوجة وأم صالحة لها ولدان وعائلة وحياة عملية، وامرأة شبقة مغامرة تبحث عن علاقات عابرة. إضافة إلى مواضيع الزمن والذاكرة، حيث تتخذ الرواية مسارا دائريا يعيد إنتاج التجربة نفسها في كل مرة من تاريخ منتصف أغسطس مع تغييرات طفيفة، وقد صنع ماركيز من هذه الجزيرة الكاريبية الصغيرة ماكوندو مصغرة معزولة تتفشى فيها الرطوبة والنسيان، وحتى التحديث الحاصل فيها من بناء فنادق حديثة وتطور في وسائل النقل (مثلما حدث في ماكوندو الأصلية) لم يلامس قاطني الجزيرة ذوي الأطراف المبتورة نتيجة الصيد بالديناميت. فالأجواء الكاريبية نفسها والجرأة التي تركز على التفاصيل الحسية موجودة وكذلك المزج بين الواقع الداخلي والخارجي، ولكن كل هذا لا يشعرنا بأننا نقرأ لغابرييل غارسيا ماركيز مالئ الدنيا وشاغل الناس، بل نقرأ إما لشبح باهت منه، أو صورة مقلدة جيدة، ولكنها ليست أصلا.

لم أقف كثيرا عند تضارب آراء النقاد في رواية “موعدنا في شهر آب” فقد تراوحت بين من رأى الرواية هدية أرسلها لنا ماركيز من القبر، تحمل رغم قصرها جينات السرد الماركيزي، من الرائحة الكاريبية، والطقس الرطب، والتهكم الخفيف، والقدرية الجذابة، في حين رآها آخرون استغلالا ماديا لماركة مسجلة مضمونة البيع مثل كل كتابات غابو، ولكنها في حقيقتها ليست سوى مسوّدة غير ناضجة تم تضخيمها تسويقيا ليس بها سوى آثار باهتة من خيال صاحب “خريف البطريرك”. أما أنا فوجدتها بعد أن أنهيت قراءتها فرصة لإعادة الاهتمام بسيد الواقعية السحرية من خلال الجدل الذي ثار حولها، ولكن من الناحية الفنية لم أرها سوى خريف ماركيز نفسه!

شاعرة وإعلامية من البحرين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد